إعجاز الموصل

 

علي حسين

تقول الأخبار ان جيوش نوري المالكي ، نشطوا أمس فى مواقع التواصل الاجتماعي ، وهم يؤكدون ان بيان النصر لن يعلن ، وتقول الأنباء المنتشرة منذ ايام أن المكون ” الفتلاوي ” كثف من تواجده على السوشيل ميديا، ليسخر من تواجد العبادي في الموصل ، وتضيف المشاهد أن كروبات ” ماننطيها ” تجلس كتفا بكتف مع المتحرقين شوقا لإعادة ” امبراطورية مختار العصر” ، دون أن يستشعر هؤلاء ” الثوار ” حرجاً أو خجلاً من أهالى شهداء معركة تحرير الموصل .
جماعة ” ما ننطيها ” لايريدون ان يتأملوا ولو قليلاً الفديو الذي انتشر أمس لحيدر العبادي ، وهو يتوسط اهالي الموصل ، ليدققوا جيدا فى اللحظة التى تشابكت فيها يد المسؤول ، بأيدي شباب واطفال وشيوخ عانوا من ارهاب عصابات داعش ، لنرى الحالة العراقية في نقائها وصفائها وبهائها التاريخى. تلك هى الصورة التى يحتاجها العراق الآن ، وينبغى أن نبحث عنها ونثبتها ونجذرها فى أعماق العراقيين جميعاً .
الإرهاب ضرب العراق فى أعز وأجمل مايملك ، النسيج الاجتماعي والتسامح والالتقاء الحميم بين كل الطوائف ، والضحايا هم أهلنا جميعا، والمصاب مصاب الجميع ، ومن ثم فنحن الآن أمام استحقاق وطنى وحضارى واجتماعى، فى لحظة تبدو مواتية للغاية لكى يتصالح العراق مع نفسه، ويسترد شخصيته التى ضاعت وانمحت بفعل سلسلة من الجرائم السياسية والطائفية .
أعرف أن الخراب فادح، وأن الآلم فوق الاحتمال، لكن الأحزان على جسامتها تتيح نوعا من أنواع التطهر والاغتسال الروحى، فلنستغل الفرصة ونعترف بأنا كنا شركاء في الجريمة ، عندما انتخبنا وكلاء الشيطان، ولهذا علينا اليوم ان نستعيد العراق من أولئك الذين أغلقوا كل النوافذ المطلة على أحلام التغيير والتطلع الى المستقبل .
وأكرر أن اللحظة سانحة، كما لم يحدث من قبل، للمجتمع العراقي لكى يستعيد روحه التى أزهقها جهابذة الخراب والفشل .
علينا ان ندرك ان القوات التي حررت الموصل ، هي التعبير الحقيقى عن إعلان وفاة الأحزاب والتكتلات السياسية في العراق ، بما فيها الحزب القائد ” الدعوة ” الذى ثبت مجدداً أنه ليس حزبا بالمعنى المتعارف عليه للأحزاب، بل هو أقرب إلى شركة مقاولات ، تدير العراق وفقا لقواعد المنفعة وقيم الربح ، واحتكار الارض والمال والانسان .
بالأمس رأينا العراق المنتصر يمشى على قدميه ويصرخ طلبا للخلاص من كل شىء باطل تحكم فى مصيره ، برلمان باطل وحكومة ادارت ظهرها للناس ، وعصابة من السياسيين اختطفت الوطن سياسيا واقتصاديا ومصت دماءه.
ابطال الموصل وهم يهزجون امس بانشودة النصر كانوا رائعين ومبهرين ومذهلين، هؤلاء هم الضوء الذى اندلع من العتمة فخرجوا حاملين المصابيح والشموع.
اليوم نحتفل بهؤلاء الرجال من سقط منهم شهيداً ومن عاد مصاباً، لم تفرق عصابات داعش بينهم، وحين نزفت دماؤهم على الارض ، لم تجد هذه الارض اختلافاً بين دم الشيعي ودم السني ودم الكردي ودم المسيحي ودم الأيزيدي ، جميعهم كان له نفس اللون والطعم والرائحة!
اليوم كان العراق بصحبة ابطال يستولدون النصر من رحم المستحيل، ولاؤهم المطلق ، للوطن والتاريخ والجغرافيا وللانسان العراقي ، لا يشغلهم عنه شاغل، ولا يعطلهم عن بلوغ أحلامه معطل، ولا يحيد بهم عنه تغريدات حنان الفتلاوي ، ولا دموع عالية نصيف ،ولا هيستريا جماعة ” ما ننطيها ” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *