ابتعدوا عن باب الحمَّام

 

زينب علي البحراني- السعودية

ربما يُفترض بالمرء أن يستغل قدرته على الكتابة في طرق أبواب مواضيع يعتبرها “المثقفون” و”النُّخب” قضايا جادة، لكن تفاصيل الحياة اليوميَّة المُعاشة في عالمنا الثالث تضع الإنسان في مواجهة مواقف مُستحقة للطرح والمُناقشة على أمل مُعالجتها وإن بدت لـ”الجادين” هامشية، سطحية، أو حتى تافهة.

تخيّل أيُّها المحترم أن إلحاح نداء الطبيعة البيولوجي خارج مسكنك أجبرك على اللجوء لدورة مياه عامّة راجيًا أن تقضي فيها حاجتك (من لا يفهمون الأسلوب المُهذب غير المُباشِر في الكلام فليتخيلوا أنهم كانوا محصورين بحاجة إلى مكانٍ يطلقون فيه سراح بولهم أو مكانٍ يُنقذهم من افتضاح أمر إسهالٍ مفاجئ)، وما أن أغلقت باب “بيت الخلاء” على نفسك حتى انهمرت الطَرقات بيدٍ مجهولة الهويَّة عليه، كيف سيكون رد فعلك؟

آداب اللياقة العامّة تقضي بأنه يكفي أن يطرق الشخص الذي بداخل دورة المياه طرقات خفيفة على الباب ليسمعها الشخص الذي في الخارج ويعلم بوجوده، فيختار إما الانصراف أو الانتظار بهدوء إلى أن يخرج الآخر ثم يدخل هو، لكننا نعاني في مجتمعاتنا من ظاهرة عجيبة غريبة، وهي أن الناس في الخارج يستمرّون بطرق الباب طرقًا عنيفًا حتى إن لم يأتِهم رد، ومنهم اللذين يصرخون بملء أصواتهم سائلين: “هل هناك أحد؟ هل من أحدٍ بالداخل؟”، وإذا كُنت من الفئة البشرية المؤدبة المُهذبة ستبذل أقصى ما بوسعك للرد على هذا السؤال دون استخدام صوتك، ستسكب بعض الماء ليًعلن صوته عن وجودك، أو تطرق الباب بأصابعك مُلتزمًا بضوابط اللياقة، ومُفترضًا أن هذا يكفي لجعلهم يُدركون وجود شخصٍ بالداخل، فينصرفون أو ينتظرون، لكن كثير من هؤلاء لا يفهمون، بل ترتفع هرمونات الغباء في عقولهم إلى درجة أنهم حتى بعد تلقي تلك الإشارات المسموعة يستمرون بطرق الباب، ويرفعون من نبرة صوتهم أكثر بالسؤال ذاته: “يوجد أحد؟ هل هنا أحد؟”، رغم أن أي أحمقٍ سيعرف على الفور أن هناك أحد مادام هذا الأحد سكَبَ الماء أو ضربَ الأرض بحذائه أو نقر بأصابعه على الباب! بالتأكيد هناك أحد، سواء كان هذا الأحد انسانًا أو حيوانًا أو جنيًا خفيًا؛ لكن بالدّاخل أحد! لكنهم يُصرّون على قرع الباب والصُراخ لإجبارك على الرد بصوتك، كي يعرفوا فقط هذا الشخص الذي “يقضي حاجته” دون مُراعاة للموقف المُحرج الذي هو فيه! وعدا عن أن التحدث داخل الحمّام أمرٌ غير مُستحب، ومدعاة لتسلل الجراثيم إلى داخل الفم، فإن هناك من يشعرون بالخجل من الإعلان عن كونهم داخل هذا المكان، وليس من اللائق حشرهم في الزاوية الحرجة وإحراجهم بإجبارهم على التعريف بأنفسهم.

كما حدثني بعض الأصدقاء أن هناك من لا يكتفون بإجبارك على الكلام في ذاك المكان، بل يُحاولون فتح الباب عمدًا رغم علمهم أنك بالداخل دون تقدير لحساسية هذا المكان وخصوصيته! وإذا كان قفل الباب معطوبًا ولا يسمح بإحكام إغلاقه تدور معركة غرائبية بين الوقح الذي يريد الدخول غصبًا والشخص المُحاصر بتلك اللحظة العصيبة التي يقضي فيها حاجته، أحدهما يدفع الباب دفعًا كي يدخل غصبًا، والآخر يقاوم من الجهة الأخرى دافعًا الباب في الاتجاه المُعاكس كي لا يُفتح الباب عليه!

عندما كُنتُ تلميذة في المدرسة؛ أذكر أن اثنتين من التلميذات دخلتا الفصل الدراسي خلال إحدى الحصص وهما تكادان تقعان على الأرض من القهقهة، وعندما سألتهما عن السبب أجابتا بنبرة تشفٍ خبيثة: “المعلمة فُلانة؛ رأيناها تدخل دورة مياه المخصصة للطالبات، وما أن أغلقت الباب على نفسها حتى طرقنا الباب عليها بعنف، وعندما سألت بخوف: من؟ من؟ لم نُجبها، ثم ركضنا هاربتين”! اعتبرتُ هذا السلوك تصرفًا صبيانيًا في سن طيش، لكن كيف يُمكننا أن نعذر البالغين الراشدين ممن يفترض أن يكونوا مربين لأبنائهم على أسس التهذيب ومبادئ اللياقة واللباقة الإنسانية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *