اشكاليّة الحُكم والحُكَّام في العِراق

             

 

 

مروان ياسين الدليمي

 

 

الاحداث التي يشهدها العراق بعد العام  2003 سواء في اطار علاقات الشراكة السياسية بين المتحالفين على حكمه او في اطار علاقاته الخارجية تثبت للمراقبين كل يوم ان مواقف وردود افعال الطبقة السياسية تنطلق من ايمان مطلق بمنهج الحديد والنار،باعتباره الاسلوب الاسهل لحل القضايا مع من يختلف معهم في الرأي سواء كانوا اصدقاء اوشركاء او اعداء وهي استمرارللصورة النمطية التي اعتدنا عليها في عقلية الحاكم التقليدية في انظمة العالم الثالث الذي تحكمها موروثات قبلية لاتصمد امامها الشهادات الاكاديمية ولاالمعرفة الحديثة التي يتلقاها في المدارس الحديثة، وبناء على ذلك فإن هذه الطبقة  لن تختلف عن التي سبقتها في الوصول الى كرسي الحكم ، وربما كانت نتائج سياساتها اشد خطورة منها على أمن وسيادة ووحدة البلاد  خاصة اولئك الذين كانوا عادة مايصفونهم بالطغاة والدكتاتوريين .

هذه الاشكالية التي تكاد أن تكون ظاهرة مستفحلة تؤكد على ان لاصلة تربط عناصر واحزاب هذه الطبقة بعالم السياسة بقدر صلتها بممارسات ومواقف ترتبط بسنوات عملها في المنافي كمعارضة سياسية حيث مارست ضد النظام الحاكم كافة اشكال العمل المسلح من تفجيرات واغتيالات وخطف وسيارات مفخخة وعبوات لاصقة،ومن يتورط بمثل هذه الاعمال ويؤمن بها ويدمن عليها بالنتيجة سيكون من الصعب عليه ان يتخلى عنها لانه على قناعة راسخة بانها وسائل ثورية مشروعة اذا ما ارتبط بها،مع انه في ذات الوقت يعتبرها وسائل ارهابية اذا ما صدرت عن خصومه السياسين .

لاشك بأن من يؤمن بأولوية العنف وليس الحوار كوسيلة ناجعة لفرض الرأي واسكات الخصوم سيكون من الصعب عليه ان يفكر بالخروج من اشكالية هذه المنظومة الفكرية المعقدة التي تتداخل فيها مفاهيم العنف بالثورة والحلم بالكوابيس والشياطين بالملائكة .

كل الذين تعاقبوا على حكم العراق يحملون في رؤوسهم هذه العقلية سواء كانوا عسكريين او مدنيين،ويشذ عن هذه القاعدة غالبية الطاقم السياسي في العهد الملكي الذين كانوا ابعد من غيرهم عن المواقف المتهورة ولهذا استطاعوا ان يبنوا دولة العراق الحديث على انقاض الدولة العثمانية المنهارة ما أن اعلن عن تأسيسها عام 1921  فتمكنوا من وضع لبناتها الاولى فأسسوا خطوط مواصلات حديثة وجسور ومستشفيات ومدارس وجامعات وعلاقات دبلوماسية رصينة مع المحيط الاقليمي والدولي.

بنفس الوقت حصل ان حاولت عناصر متطرفة ان تأخذ سفينة العهد الملكي التي كانت تسير بهدوء لبناء عراق حديث ان تاخذها الى وسط بحر متلاطم من الامواج العاتية مثل المحاولة الانقلابية الفاشلة للجنرال بكر صدقي عام 1936 والمحاولة الاخرى التي انتهت بالفشل ايضا والتي قادها رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني عام 1941  وتتالت محاولات انقلابية عديدة بعد هاتين المحاولتين ادت جميعها الى نتائج كارثية دفع العراق ثمنها باهظا من استقرار وضعه السياسي ودخل في نفق مظلم من الصراعات السياسية الدموية بين القوى والاحزاب انعكست تداعياتها بشكل سيء على طبيعة العلاقات مابين مكونات المجتمع العراقي ابتدأ من 14 تموز 1958 ، 8  شباط  1963 ،17تموز 1968  ،وليختتم مسلسل الانقلابات بسقوط بغداد في 9 نيسان 2003 .

هذا التاريخ المتداعي للدولة العراقية ابتدأ من لحظة سقوط العهد الملكي تتحمله ذات العقلية التي تحكم العراق هذه الايام،ولن نحتاج إلى جهد كبير لنبحث عن الادلة في المجلدات وكتب التاريخ ،إذ يكفي فقط ان نستعيد خطابات الزعماء الذين تعاقبوا على حكم العراق عبر موقع اليوتب الالكتروني لنجدها ذات طابع واحد وكأنها نسخة واحدة لانها تحمل نفس العبارات والجمل التي عادة مايهددون بها شركائهم وخصومهم حيث تتقدم فيها لغة التهديد والوعيد بالتصفية والقتل.

من الصعب بمكان في هذا المقال استعادة كافة المواقف التي تخندق فيها حكام العراق رافضين من خلالها الارتكان الى لغة الحوار والنفس الطويل في المفاوضات مع خصومهم وهذا يؤكد على انهم جاءوا الى السلطة وهم يحملون عقلية واحدة تخفي خلفها تركيبة نفسية تحمل عقدا واحباطات نفسية تدفعهم بالتالي الى ان يندفعوا نحو العنف لتحقيق نوع من التوازن تحتاجه تركيبتهم السيكلوجية المركبة .

لعل الخلافات الاخيرة التي تصدرت واجهة الاحداث مابين بغداد واربيل نتيجة اعلان حكومة اقليم كوردستان عزمها اجراء استفتاء حول الانفصال عن العراق وتأسيس دولة كوردستان في 25 ايلول 2017 ومانتج عنه من مواقف وردود افعال تعكس احدث صورة للمنظومة التي ينطلق منها رد فعل السياسي العراقي عندما يكون في موقع السلطة ،حيث تقدمت لغة تهييج المشاعر العاطفية والقومية بنفس الجمل والعبارات التي سبق ان توالت في خطابات قاسم  وعبد السلام  وصدام والمالكي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي والى العام 2003 ، حيث لم يتردد الرهط السياسي المتسيد هذه الايام في بغداد في ان يتخندق وراء سواتر من الشعارات والجمل العاطفية العنصرية التي تهدف الى  تغييب لغة الحوار واستبعاد امكانية الجلوس حول طاولة واحدة للتحاور والتفاوض حتى لو طالت المفاوضات عدة اعوام. إن من المهم في وقت اشتداد الازمات ان يكون لدى الاطراف المختلفة والمتنازعة خاصة إذا كانوا شركاء في الحكم ان تتوفر في داخلهم قناعة راسخة بأن الحوار وسيلتهم الاولى والاخيرة للتوصل الى حلول وأن يضعوا في حسبانهم استبعاد شبح الحرب نهائيا من مخيلتهم ومخططاتهم،وأن يستنفذوا كافة السبل والوساطات الاقليمية والدولية للخروج من الازمة بعيدا عن الاقتتال.إن التأكيد على هذه المبادىء التي تتمسك بالحوار والطرق السلمية ليس لأن العرب والكورد قد خسرا الكثير من الضحايا في الحرب ضد قوى الارهاب خلال الاعوام الاخيرة.وليس لان العراق وكوردستان عاشا فصولا من الصراع المسلح منذ خمسينات القرن الماضي.وليس لان الكثير من فرص البناء والتقدم التنموي قد ضاعت على الشعبين العربي والكردي نتيجة هذا الصراع .انما لان الحرب بكل الاحوال نتائجها كارثية على الجميع دون استثناء .فبالاضافة الى ما ستخلفه الحرب من خسائر في الارواح والممتلكات والبنى التحتية فإنها ستترك خلفها ارثا من المشاعر السيئة بين شعبين متجاورين متداخلين اجتماعيا وتاريخيا وهذه الصلات تكفي لان تلجم الداعين الى خيار الاقتتال هذا اضافة الى ان حلم الكورد التاريخي في اقامة دولتهم لن ينتهي حتى لو تم تأجيل  الاستفتاء .خلاصة القول: امام اهمية ومسؤولية الحفاظ على حرمة الدم لابد ان يكون هناك ايمان بمبدأ الحوار حتى لو طال امد التفاوض سنوات عديدة .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *