السبت , أغسطس 18 2018
الرئيسية / مقالات / الاسرة الجليلية في الموصل

الاسرة الجليلية في الموصل

 

  
ا.د. ابراهيم خليل العلاف

 
استاذ التاريخ الحديث المتمرس – جامعة الموصل 


الجليليون عرب من  منطقة حصن كيفا  في ديار بكر كانوا مقاتلين في خدمة دولتهم الدولة العثمانية وقد جاء اجدادهم الى الموصل كمحاربين في الجيش العثماني فسكنوا فيها ، وانشأوا لهم حكما مستقلا استمر بين سنتي 1726 و1834. وكان للوالي الحاج حسين باشا الجليلي شرف قيادة الموصل في الدفاع ضد حصار نادرشاه للموصل سنة 1743 م والذي استمر قرابة 40 يوما ولم يستطع نادرشاه اقتحام المدينة فعاد من حيث أتى .
كتبتُ عنهم في كتابي الموسوم :” تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني 1516-19166 والذي طبع في مطبعة جامعة الموصل سنة 1982 فقلت ان الاسرة الجليلية أو اسرة ال عبد الجليل العربية المعروفة بالنفوذ والثراء الواسع استطاعت السيطرة على مقدرات مدينة الموصل بعد ان قدمت للعثمانيين خدمات جلى إبان حروبهم المتعددة مع الايرانيين .وقد تميزت ولاية الموصل خلال فترة حكم الجليليين الممتدة من 1736 الى 1834 م بشخصية محلية واضحة المعالم ثقافيا واجتماعيا وعمرانيا وسياسيا واقتصاديا .وقد برز من حكامها ولاة عديدون لعل من ابرزهم الحاج حسين باشا الجليلي 1730-1757 الذي قاد حركة المقاومة الباسلة ابان تعرض الموصل لحصار نادرشاه 1736-1747 لها سنة 1743 م وكان لنجاح الحكم الجليلي في دفع الخطر الفارسي ، والحيلولة دون امتداده نحو الشام والاناضول اثر كبير في تقوية مركز الاسرة الجليلية لدى الباب العالي من جهة والتفاف الموصليين حولها من جهة اخرى .
ومن ولاة الجليليين فضلا عن الحاج حسين باشا الجليلي الذي تولى حكم ولاية الموصل ست مرات ، محمد امين باشا بن الحاج حسين باشا الجليلي واسعد اغا بن محمد امين الجليلي وعبد الفتاح باشا الجليلي وسليمان باشا الجليلي والحاج عبد الباقي اغا الجليلي وخالد اغا الجليلي وعبد الباقي باشا بن عبيد اغا الجليلي ومحمود بك بن محمد باشا الجليلي ونعمان باشا بن سليمان باشا الجليلي وسعد الله باشا بن الحاج حسين باشا الجليلي واحمد باشا بن سليمان باشا الجليلي وحسن باشا بن الحاج حسين باشا الجليلي وعبد الرحمن باشا بن عبد الله بك الجليلي ويحيى باشا بن نعمان باشا الجليلي وعبد الرحمن باشا بن محمود باشا الجليلي ومحمد امين باشا بن عثمان بك الجليلي وقسم ممن تولى الموصل كان بمنصب متسلم لكنه كان واليا فعليا وقسم منهم ناب عن والي بغداد .
وكان للمرأة الموصلية في عهد الجليليين دور مشرف وخاصة من خلال المشاركة بحماس في الدفاع عن المدينة ابان حصار نادرشاه فضلا عن دورهن الكبير في الحياة الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية وقد انشأت كثير من النسوة ممن ينتمين الى الاسرة الجليلية جوامع ومساجد وخزانات كتب وكن يشاركن ايضا في الاعمال الخيرية وبرزت نسوة منهن حليمة خاتون ام سليمان باشا الجليلي وفتحية خاتون ابنة عبد الفتاح باشا الجليلي وابنته الثانية عادلة خاتون وهيبة الله خاتون بنت عبد الله التي بنت جامعا كبيرا لايزال قائما ويعرف بجامع الخاتون سنة 1825 
ولقد واجهت الاسرة الجليلية ظروف الانقسام والتنافس بين افرادها بعد وفاة الحاج حسين باشا الجليلي .وقد ادى الانقسام في بعض الاحيان الى ان تشهد شوارع وازقة الموصل ازيز الرصاص ودوي القنابل .ومع هذا فقد حافظت الاسرة الجليلية على سمعتها في الموصل واستانبول نتيجة لاستمرارها في المساهمة في الحملات العسكرية العثمانية الموجهة لاخماد انتفاضات العشائر العربية والكردية من جهة اخرى
كان تولي ال الجليلي الحكم في الموصل ضمن حالة عامة شهدتها الدولة العثمانية وهي ما اسميها انا ( فترة حكم القوى المحلية ) في الولايات العربية وما يسميها استاذي المرحوم الاستاذ الدكتور عبد العزيز نوار ( فترة العصبيات المحلية ) ؛ فلقد حكم المماليك في بغداد وحكم الجليليون في الموصل وحكم المماليك ايضا في مصر وحكم ال ظاهر العمر في فلسطين وحكم ال معن في لبنان وحكم ال العظم في سوريا وحكمت الاسرة القرامنلية في طرابلس العرب -ليبيا والاسرة الحسينية في تونس وكل ذلك لم يؤد الى الانفصال التام عن السلطنة العثمانية واستمر الامر هكذا الى ان جاء السلطان محمود الثاني 1808-1839 فقضى على هذه القوى واعاد الحكم العثماني المباشر الى الولايات العثمانية .
لقد حاول بعض الولاة المماليك في بغداد التدخل في شؤون الموصل وفرض سيطرتهم عليها وابعاد الجليليين عنها الا انهم فشلوا في ذلك وفي الوقت نفسه فقد تعاون الجليليون مع حكام وأمراء السليمانية من آل بابان ضد محاولات ولاة بغداد التدخل في شؤونهما خلال السنوات الممتدة من 1810 وحتى 1813 عندما تولى داؤد باشا حكم المماليك في بغداد سنة 1817 واصبح لمماليك بغداد نفوذ قوي في الموصل بعد الثورة الشعبية التي نشبت ضد الجليليين في سنة 1826 وقادها (العمريون ) بسبب احتكار الوالي يحيى باشا الجليلي للحنطة وخزنها وبيعها للناس بأسعار باهضة كما يقول ذلك الاستاذ احمد الصوفي في كتابه (المماليك في العراق ) وقد نجح الثوار في طرد يحيى باشا الجليلي الا ان ذلك لم يدم طويلا اذ عاد يحيى باشا الجليلي الى حكم الموصل يقوة سلاح داؤد باشا والي بغداد ولم يرض الموصليون عن ذلك اذ ثاروا ثانية سنة 1828 وتزعم الثورة قاسم العمري وقد كتب الثوار الى الباب العالي يلتمسون المصادقة على تعيين قاسم العمري واليا على الموصل فوافق الباب العالي على ذلك وصدر الفرمان السلطاني بتوجيه ولاية الموصل اليه ولكن داؤد باشا لم يكن مقتنعا بهذا التعيين بيد انه اضطر الى القبول بالامر الواقع .
ولاشك ان تولية قاسم العمري كانت من الخطوات الاولى التي اتخذها السلطان محمود الثاني للقضاء على القوى المحلية والاسر الحاكمة والعمل على تطبيق النظام المركزي المباشر على الولايات العثمانية التي خرجت عن سيطرة الدولة انذاك ومنها ولاية الموصل .وحين قرر السلطان محمود الثاني القضاء على الحكم المملوكي ، كان لابد له ان يستعين بقاسم باشا العمري الذي زحف على رأس طليعة من الجيش العثماني نحو بغداد ومساعدة القائد العثماني الذي ارسله السلطان محمود الثاني واسمه علي رضا باشا اللاز في خلع داؤد باشا وخلال عملية اقتحام بغداد لقي قاسم باشا العمري مصرعه .
حاول يحيى باشا الجليلي وكان منفيا في حلب سنة 18288 العودة الى حكم الموصل بعد ان سمع بمصرع قاسم باشا العمري فتحالف مع الشيخ صفوك شيخ عشائر شمر الجربا والف قوة عشائرية قوامها اربعة الاف مقاتل واحتل بهم الموصل سنة 1832 وقيل انه استولى عليها بأمر من ابراهيم باشا بن محمد علي باشا والي مصر الذي كان يعمل على ضم العراق والشام لمصر وتكوين دولة عربية قوية موحدة .الا ان علي رضا باشا تحرك سريعا وكلف القائد العثماني محمد اينجة بيرقدار بمهمة اعادة السيطرة العثمانية المباشرة على الموصل والقضاء نهائيا على الاسرة الجليلية .
كما حرض عشائر عنزة للعمل ضد التحالف بين يحيى باشا الجليلي والشيخ صفوك وبسهولة كبيرة استطاع محمد اينجة بيرقدار من دخول الموصل واعتقال يحيى باشا الجليلي وارساله الى العاصمة استانبول .ومما ساعد بيرقدار على تحقيق مهمته ان اسرة ال عبد الجليل فقدت شعبيتها في المدينة ولم يعد اهالي الموصل يرغبون في استمرارها في الحكم .
كما ان الجيش المصري في الشام لم يكن متفرغا لجبهة العراق انذاك وانما كان مشغولا بالتقدم نحو الاناضول .
أسند الحكم في ولاية الموصل الى رجل موصلي هو محمد سعيد آل ياسين ويبدو ان علي رضا باشا ادرك ان اسناد الحكم الى باشا تركي قد يثير في الموصل متاعب بعد ان تعودوا على ان يحكمهم باشا عربي يكون اما من الاسرة الجليلية او الاسرة العمرية .. هذا فضلا عن ان اختيار حاكم من اسرة ال ياسين يحول دون الصدام بين الاسرتين الجليلية والعمرية اللتين تنافستا على حكم الموصل ولكن المشكلة كانت في ان الوالي محمد سعيد ال ياسين كان ضعيفا وتجلى ضعغه في عدم قدرته على وقف توسع محمد بك ميركور حاكم راوندوز لذلك صدر في سنة 1835 فرمان سلطاني بتعيين محمد اينجة بيرقدار واليا على الموصل وكلف كذلك بمهمة اعادة الحكم العثماني المباشر الى منطقة كردستان العراق والقضاء على الامارات المستقلة فيها .وبعد حكم دام حواي تسع سنوات توفي محمد اينجة بيرقدار سنة 1843 ودفن في مقبرة جامع النبي شيت في الموصل .
ان مما نلحظه ان للجليليين فضل الحفاظ على شخصية الموصل العروبية من حيث جعلوا اللغة العربية هي اللغة الرسمية في الدواوين ومؤسسات الحكم وقد برز منهم وزراء وقضاة واداريين وعسكرين وقد دخل الوالي يحيى باشا الجليلي في مشروع محمد علي باشا والي مصر لاقامة دولة عربية موحدة الا ان الدولة العثمانية تصدت لهم واعاد السلطان محمود الثاني الحكم العثماني المباشر الى الموصل وانهى حكمهم بالقوة وعين محمد اينجه بيرقدار واليا على الموصل.
واثارهم ومنشآتهم لاتزال قائمة من جوامع ومدارس ومخازن للذخيرة ومؤسسات ادارية وما شاكل .. وثمة من الجليليين من تولى حكم ولايات عثمانية اخرى غير الموصل
ولي معهم صداقات ومن الذين اعتز بصداقتهم المرحوم الاستاذ الدكتور محمد صديق الجليلي الباحث والمؤرخ والفلكي المعروف وقد كتبت عنهم اكثر من مرة وممن كتبتُ عنه مؤسس جامعة الموصل المرحوم الاستاذ الدكتور محمود الجليلي والمناضل العروبي الحاج محمد امين الجليلي وعالم المحاسبة المرحوم الاستاذ مقداد الجليلي والقاضي وعضو محكمة التمييز قيدار اسماعيل الجليلي وعالم الاقتصاد الدكتور عبد الرحمن الجليلي والفوتوغرافي الاستاذ محمد عبد الرحمن الجليلي وولده الصديق الاستاذ سعود الجليلي

.
وقد يكون من المناسب القول ان الاستاذ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف المؤرخ العراقي المعروف كتب عن الجليليين اطروحته للدكتوراه في جامعة القاهرة وطبعت ككتاب في النجف الاشرف سنة 1975 .

شاهد أيضاً

شارع النجفي قلب الموصل الثقافي

حارث العباسي يعتبر شارع النجفي من أهم اسواق مدينة الموصل ، وهو من الشوارع التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *