التحالفات الانتخابية في العراق.. تفاؤل بطعم اليأس

 سليم سوزه

لست أعجب من تحالفات أحزاب تمثل أقصى اليمين مع أحزاب أقصى اليسار، ذلك لأن هذه الأحزاب ومنذ عام ٢٠٠٣ لا تتحالف على برامج سياسية، بل على إمكانية الحصول على أكثر عدد ممكن من الأصوات فقط. يُحشر المعمّم وشيخ العشيرة ووجهاء اجتماعيون في قوائم سياسية ليس بالضرورة إيماناً بأفكارهم، بل لحظوتهم الاجتماعية التي من الممكن أن ترفد القائمة بأصوات كثيرة تحتاجها الأحزاب في العملية الانتخابية. هكذا أمر لا أجد له مثيلاً في انتخابات الدول ذات الديمقراطية العريقة، إذ غالباً ما يحتفظ الحزب بخطه الفكري ويتحالف مع مَن يؤمن بذات الخط، حتى أن لم يفز بأصوات كثيرة، فهو يسعى للتغيير لا إلى جمع الأصوات فقط. جمع الأصوات قد يؤثر في مصداقيته وتحوّل براغماتيته السياسية الى نفاق غير محسوب العواقب.
ما أعجب منه في الحقيقة، هو خيبة الأمل التي يظهرها الكثير من العراقيين، وهم يقولون إن قوائم اليوم لا تقدّم تغييراً بل تُعيد تدوير ذات الوجوه نفسها! هل كان يتوقع هؤلاء أن التغيير سيأتي من هذه الأحزاب؟
أبداً.. التغيير يأتي من الناس أنفسهم وليس من الأحزاب. كل الأحزاب تتمنى أن تبقى في السلطة للأبد (اتحدث عن أحزاب الشرق الأوسط تحديداً). ومع أن التحالفات الانتخابية لا تقدّم شيئاً جديداً على ما يظهر، إلّا أنه وحسب رأي الكثير، انتخاب قائمة “صغيرة” بشخصيات مغمورة لكنها جيدة مقارنةً مع ما هو موجود في السلطة الآن افضل من مقاطعة الانتخابات، لأن الأول، حسب رأيهم، ممكن أن يصنع تغييراً، أما الثاني فيقتل التغيير ويفيد أحزاب السلطة ذاتها. هناك رأي آخر يطرحه عدد من العراقيين، وهو أن المشاركة في الانتخابات يعطي شرعية لمجموعة من السياسيين الفاسدين الذين لا يستحقون شرف القيادة في بلد يتطلع أبناؤه الى حياة أفضل. وبين الرأي الأول الذي يمثل تفاؤلاً من نوع ما، والرأي الثاني الذي يسوده اليأس، تختفي مادة تحليل مثيرة للتأمل لم يسلط عليها الضوء حتى هذه اللحظة ربّما.
بعيداً عن وجهة النظر الخاصة بتحالف اليمين مع اليسار (رغم إشكالية هذين المصطلحين وصعوبة القطع بتوصيفهما على هذا الحزب أو ذاك)، أن تحالف “سائرون” بين الحزب الشيوعي وحزب الاستقامة المدعوم صدرياً، يعيد الى ذهني مناقشات كثيرة مع صديقٍ صدري قديم في عام ٢٠٠٣ بعيد سقوط نظام صدام.
كان هذا الصديق غالباً ما يعترض وينقد ويشتم العلمانيين وسائر أحزاب السلطة. جاءني يوماً والغضب يملأ عينيه، يقول لي “كيف للسيستاني أن يستقبل في بيته علمانياً كالطالباني”. مَن كان يتوقع أن تياراً دينياً بهكذا عقلية كالتيار الصدري، يتحالف مع الحزب الشيوعي عام ٢٠١٧! حراك انتخابي مثير ويستحق المزيد من التفكّر.
قد يبدو للبعض أن التيار الصدري غير منسجم مع تديّنه، لكنه بلاشك منسجمٌ مع سياسته، فمن فترة طويلة يدعو التيار الى حكومة تكنوقراط مدنية، وهو ربما الحزب الوحيد في الآونة الأخيرة الذي بقي صامداً على فكرته في البحث عن حكومة تكنوقراط وطنية بعيدة عن الاصطفافات الطائفية. هذا مؤشر بلاشك على قدرة التيار في احتواء نفسه وعلى مرونته الكبيرة، لا على التغيير فحسب، بل على صناعته أيضاً. قدرة احرجت العبادي كثيراً بعد التخبط الكبير الذي وقع فيه وهو يحاول التقاط جزرة إيران بعصا أميركية، فأضاع الإثنين معاً، ليخسر كذلك فرصة الصدر الذهبية بدعمه لولاية ثانية. التيار الآن محط أنظار الكثير من الأحزاب وهي تحاول التحالف معه بعد أن أظهر صدقية كبيرة في تعاطيه مع نفسه وشعاراته ولم يقبل المساومة على فكرته في البحث عن حكومة تكنوقراط وطنية التي بدأها جنباً الى جنب مدنيي ساحة التحرير وتظاهرات عام ٢٠١٥. أما نجاح هذا التحالف الصدري- الشيوعي في تحقيق غاياته، فهو أمر لا يمكن البتّ به الآن. أمر يعتمد على قدرة الإثنين على كسر جمودهما وتقديم القناعات العامة على القناعات الخاصة.
لا يغريني هكذا تحالف ولست متحمساً له. أقولها بكل صراحة، لكني معجب بالجرأة التي يمتلكها التياران، الصدري والشيوعي، في تخطّي حدود الايديولوجيا وتحويلها من فكرة الى فعل سياسي حقيقي على الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *