التشكيلي الليبي عمران بشنة لـ (باشطابيا) : “الفنان العربي لايزال يرفض النقد الحقيقي”

حاوره- عبد الناصر العبيدي
ولد الفنان الليبي الدكتور عمران بشنة في مدينة الزاوية الواقعة شمال غرب العاصمة الليبية عام 1952، منذ الصغر نطقت موهبته بالكثير من الابداع، فهو فنان موهوب متمكن من صياغة لوحاته بدقة عالية لتجعل لها قيمة فنية تأسر خيال متذوقي الابداع كما أسهم في تنشيط الحركة الفنية في مدينته الزاوية واستطاع أن يحرك ويجذب المتلقي إلى صالات العرض التشكيلي. للتعرف أكثر على الفنان التشكيلي د. عمران بشنة أجرينا معه الحوار التالي:
في البداية عرف نفسك لجيلٍ شاهد لوحاتك ولا يعرفك؟
– د. عمران العجيلي بشنه ـ فنان تشكيلي ليبي/ناقد تشكيلي/وكاتب متنوع/ مُعد ومقدم برامج تشكيلية/ ناشر بالصحف الليبية والعربية/ مشترك في مجموعة كتب هي (كتابين في الرسم المتقدم لثانويات الفنون ـ ثلاث كتب في النقد في مصر “الجزء الأول والثاني من بانوراما فناني العالم في لوحات الخط العربي والتشكيلي ـ الجزء الأول من موسوعة الماسة في النقد في الخط العربي والتشكيلي)…

متى بدأت علاقتك واهتمامك بالفن التشكيلي؟ ومتى داعبت أناملك الريشة والألوان؟

– البداية كمحبة في الرسم من قبل سن المدرسة وهي من خلال مشاهداتي للصور والرسوم الساخرة والرسوم الكرتونية الهزلية ببعض المجلات الناطقة بالأجنبية والتي كان أحد تجار القريب منا يغلف فيها مبيعاته وكنت أقوم بتقليدها بتكرارها على سطوح التربة، وتكرر الحال حتى وأنا تلميذ بالمدرسة حتى تميزت في الرسم خاصة في الصف الخامس حيث وجدت رسومي الفرصة للعرض بلوحة الشرف أمام إدارة المدرسة أسبوعياً.
في الصف الثامن والتاسع كنت من ضمن أسرة النشاط المدرسي مجموعة الرسم وكانت أولى لوحاتي “الراعي ثم لوحة عباد المزهرية للفنان الفرنسي الشهير “سيزان ” والتي مازلت أحتفظ بها للآن.

صف لنا أول تجربة لأول معرض شخصي فني أقمته؟ وما هي القيمة التي أضافها لك؟
– أول معرض شخصي بحياتي أقمته سنة 1975 بنادي المعلمين في طرابلس وهي تعتبر نقطة البداية لي وبتشجيع من الفنان الكبير المرحوم الطاهر المغربي “والذي سبق بزيارتي للبيت ورتب لي إقامة المعرض وقام بتشجيعي وأشترى مني لوحة كتشجيع لي.
والقيمة التي أضافها لي المعرض أن عرف بي الفنانين بطرابلس رغم قلة عددهم آنذاك ومن خلال النصائح والكلام الجميل والإعجابات كانت كلها حافزاً لي ولكن شراء قطاع الثقافة بوزارة الثقافة أحد لوحاتي كان مؤثراً جدا لي خاصة فيعيون والدي ووالدتي وقناعتهم بجدوى وأهمية الفنون التشكيلية مادياً ومعنوياً حيث كان الفنانون بطرابلس يترددون جماعة وأفراد على بيتي رغم الظروف ذاك الوقت ومنهم (المرحوم الطاهر المغربي ـ والمرحوم علي محمد بركة ـ علي مصطفى رمضان ـ على عمار العباني د.بشير حمودة وآخرين).. وزياراتهم لي جعلت مني المؤسس لجماعة الزاوية في العام 1975م والتي بادرتُ معهم بتأسيس ثاني جمعية في ليبيا تهتم بالفن التشكيلي من شباب محافظة الزاوية والتي دامت عامين كاملين حيث توقفت، ولتقوم على أنقاضها بعد معرفة بالفن التشكيلي أكثر حيث أصبح عددنا كخريجين من مدرسي التربية الفنية التشكيلية من أبناء منطقة الزاوية الغربية عدد كبير من معهد بن منظور بطرابلس والتحق بنا خريجين آخرين من معاهد بنفس المنطقة فأسسنا ثالث جمعية للفنون التشكيلية في 1991م بقرار رسمي، وصار لنا وجود مساهم محلي وخارجي وتوأمة مع جمعية نظيرة لنا بالقنيطرة بالمغرب، واستمرت حتى العام 2011م.
هل من أفكار طرحتها جديدة في هذا المعرض؟.
– في مرحلتي الأولى من آخر الستينيات وحتى السبعينات والثمانيات ورغم تجاربي في كل المدارس والأساليب إلا أن الواقعية ضلت هي المميزة حيث كنت أراها الأساس فكان كل اهتمامي بالتراث والحياة الاجتماعية حتى كتب في الوثائق بالثقافة أني فنان تراث، وتواصلت على نفس الحال حتى أول التسعينيات حيث صارت الواقعية تتحول عندي إلى رموز إيحائية في تجربتي الجديدة وهي التجربة الضبابية كأول محاولة محلية وبشكل غزير من اللوحات حيث. ومع نفس الوقت اتجهت بخط موازي لإنتاج تجربة أخرى جديد لي أيضا وهي كولاج مواد مكملة مختلفة وفي نمط شكلي ولوني جديدين هاتين التجربتين عرضتهما في طرابلس والزاوية وفي معرضين شخصيين وثالث مشترك في القاهرة مصر، وفي مشاركات بالضبابيات في فرنسا وبريطانيا وتونس والجزائر والمغرب. كما ارسم تجريدي ولي فيه أسلوبي المتنوع والخاص بي والغير ناسخ لغيري ولأفكارهم فعندي تجربة طويلة في هذا لأنني أومن بالتجربة وعدم التوقف على محطة دون غيرها فاللوحة ترسم حسب الحمل بها وحسب لحظة مخاضها لا وفق قيود وتزمت المتزمتين فالمواد المتيسرة أمامي واللحظة هما حالي وحكمي.
لا أحب القيود المدرسية ولا الرسم لأجل السوق والبيع وإنما ارسم وفق مزاجي وما تفرضه اللحظة وحدها عني زمن إنتاجي الفني.

الفنان صانع للجمال. كفنان كيف استطعت الوصول إلى الجمال بأية صيغة؟
– بكثرة العمل خاصة زمن الشباب ووفرة الفراغ وحتى بتنظيم الوقت والقيام المبكر من الفجر حتى أصبح تعوداً، مع التأمل وحب اللون والاهتمام بالمحيط، وكذلك الاقتراب من الناس بأفكاري للتأثير على ثقافة الآخرين وتعويدهم على أهمية التذوق، واللوحة عندي هي قطعة مني لذلك صار لزاما عني أن أترك بصمتي وأحاسيس بلوحاتي وأن كل همي إنتاج لوحة فنية يُحبها الناس ككل وليس محبة تاجر ليستغلها فقط وليس محاكاة للفن ليقال أني فنان فقط.. كلمة فنان لا تعني لي شيئا بقدر ما يهمني حب الناس لعملي الفني وإحساسهم به، وعلى الفنان أن يجعل من نفسه الشمعة أو المنارة التي يهتدي بها الناس للطريق الصحيح وان يحب الناس ويحبونه ولا يترفع عنهم. أما فلسفتي في البيع فأنا لا أتكالب وراءه فاللوحة الجميلة يأتيها مُحبيها في أي مكان سواء في معرض أو في المرسم.
في ظل ما يعيشه الواقع العربي من ظروف قاسية كيف تشير بلوحاتك إلى دخان الحروب وبيدك تحمل باقة من الجمال؟
– في زمن الصبا ونحن نسمع ونشاهد قلةً من الصور عن ما جري في فلسطين فكنا نتأثر ولكن حقيقة ذلك لم يصل بنا للتعرف عنه بشكل كبير فرسمت الأطفال والمدن المخربة وفي ثورة الحجارة رسمت وعبرت وفي حرب الخليج الأولى والثانية وصلت لمقاطعة الشاشة الصغيرة نهائياً من هول ما شاهدت من فضائع ولكن الآن صار الأمر مختلف.زمن الحروب تموت الورود اختناقاً وتصبح الفرشاة عقيمة والقلوب حجارة صماء.

ماذا عن فكرة الجمال؟.. متى تنضج، ومتى تتنوع، ومتى تنمو لدى الفنان؟
– فكرة الجمال هي لحظة إحساس غريبة تجتاح النفس وتحتاج لحمل يطول أو يقصر حتى تتخمر بالعقل التفكير حتى تأتي مرحلة الترتيب والاستعداد للولادة والتي من المفروض ولادة طبيعية خالية من أي تشوهات خلقية لتعكس مردوداً نفسيا على الأمة ككل فالفنان صانع للجمال كشكل لتصل إليه العين بكل ارتياح ثم كمضمون وهو الفكرة الجوهر لتصل إلى العقل والقلب معاً ولمعرفة ذلك هو نجاح الفنان من خلال ما تعكسه عيون الآخرين وما تراه فيهما من انطباع جميل واستحسان بوصول الفكرة من القيم اللونية والفلسفية للوحة من خلال موضوع يحمل الشكل والمضمون.. والنضوج هو في حسُ التفكير وتحديد الموضوع الذي يُلامس الناس وقضاياهم وهمومهم وقيمهم القديمة والمعاصرة الكاشفة لانتماءاتهم الوطنية والدينية والأخلاقية.
وتتنوع فكرة الجمال بتنوع الموضوعات المطروقة في أعمال كل فنان أو عند الفنان الواحد لتثري القيم اللونية والجمالية والفلسفية عند جمهور الناس.. تنمو بشقين هما الخبرة العملية والنظرية لأن الفنان عليه أن يكون ملاحظاً مدققاً في كل ما يقع نظره عليه حتى ينقل عمله بشكل صحيح وبوعي ثقافي كبير، وأن يكتسب مع الزمن الخبرة الكبيرة في تقنياته لكن وصوله ونجاحه يحدده له الآخرين كالمتذوقين أو النقاد لا من أحكامه هو.

برأيك هل استطاع النقد والنقاد من مواكبة الحركة الإبداعية للفن التشكيلي العربي؟
– لم يقوم بدوره الطبيعي كما يجب حتى الآن وحتى وإن وجد النقد إلا أنه للآن لم يقوم بالغوص في جوهر العمق للعمل الفني للفنان العربي لآن غالبية أهل الفن لا يرغبون في قراءة أعمالهم أو لآن بعض النقاد ليسوا مختصين، ولأن مهم من يمارسون النقد لأجل النقد لقال عنهم نقاد فقط، فمنهم صحفيين يكتبون بشكل انطباعي سطحي حتى تعود الفنان العربي عليهم وصار يرفض النقد الحقيقي، والنقد نوعان أحدهما صائب والآخر خائب فالأول بناء والثاني هدام وهذا ونتاج للثقافة العربية ما جعل فنانينا العرب يقفون في صدف معارض أو رافض للنقد، لهذا لم يستطع النقد مواكبة المسيرة التشكيلية العربية، وهذا ما جعل هناك خلط بين الفن التشكيلي الحقيقي وفن السوق التجاري كالخلط ما بين اللوحة التجارية والحقيقية، أو ما نراه في الخط العربي والمساواة ما بين الخط الإعلاني التجاري واللوحات الحروفيه الراقية.

وما هي الأسئلة الكبيرة التي أجاب عنها النقد الفني؟.. وهل كانت هذه الأسئلة أسئلة منهج أم أسئلة نقاد؟
– حتى وإن وجدت كتب عربية في النقد إلا أنها لا يزال هناك تقصير هل هو نتاج التربية العربية على المحاباة ومجاملة الآخر أم هي نتاج لجهل بالمهنة أم نتاج مصالح متبادلة بين الناقد والمنقود.
إضافة لوجود أفراد بساحتنا العربية ليس من أهل الفن ونقاد ولا عارفين بأصول النقد وهم ينقدون ويصولون ويجولون فيمدحون هذا ويحطمون الآخر، كما أنهم يقيسون الفنان من خلال مبيعات أعماله دون معرفة قيمة الأعمال ولا أهميتها.
لذلك ولا إجابات موجودة حسب معرفتي للان فالجهل بالثقافة من جهة والجهل بالسياسة من جهة أخرى هما العائق أما قول الحق.
عملت في مجال الإعلام إضافة إلى كونك فنان وناقد تشكيلي ماذا أضاف لك العمل الإعلامي إلى مسيرتك الفنية؟
– بعيدا عن الأنانية التي أنا ضدها كل ما مارسته من الفن التشكيلي والمسرح والصحافة والإذاعة حيث رسمت وجددت وأسست وكتبت الأبحاث والعلمية من الماجستير والدكتوراه وكلاهما في الفن التشكيلي الليبي وجملة طيبة من الأبحاث والمقالات المنشورة محليا وعربيا، وما قمت به في فرقة الزاوية للمسرح من تصميم وتنفيذ للمناظر المسرحية وتصمين للأزياء والإكسسورات المسرحية، وتلك المقالات المتنوعة والمنشورة بالصحف والمجلات الليبية والمجلات الالكترونية المحلية والعربية من قصص ومحاولات شعرية، ومن إعدادي لأربعة برامج متوالية إعدادا وتقيم البعض منها والمساهمة في البقية منها تقديما، وعضويتي أو رئاستي لعدد من لجان التقييم والنقابية ومختلف الأنشطة داخل وخارج ليبيا كلها ساهمت في تكويني الثقافي الشخصي خلقت لي محبة عند الناس، وجعلي محط أنظار الكثيرين وتقديرهم لي محليا ودوليا.

كلمة أخيرة ماذا تريد أن تقول قبل أن نفترق؟.
– أتمنى التوفيق للجميع وان تكون فنوننا العربية بخير وأن يجد النقد موضعه عندنا وأن تتعافى بلادي من كبوتها وأن أجد الطريق لنشر كتاباتي في مطبوعات تصل الجميع

5 thoughts on “التشكيلي الليبي عمران بشنة لـ (باشطابيا) : “الفنان العربي لايزال يرفض النقد الحقيقي”

  • 8 أبريل، 2017 at 7:33 ص
    Permalink

    شكرا لك استاذ عيد الناصر وشكرا للمجلة ولكل من يعمل بها على نشر هذا اللقاء الخاص بي وهو شرف لي في مجلتكم

    Reply
    • 27 أكتوبر، 2017 at 1:30 م
      Permalink

      -عندي لوحة من اهداء صديق للفنان المبدع عمران بشنة و هي ممتازة جدا.
      -عمران بشنة لم يأخذ حضه في الاعلام العربي.
      -شخصيا اعتبره من أفضل الفنانين و احترمه و احترم لمساته على اللوحات

      Reply
      • 4 أكتوبر، 2018 at 5:55 م
        Permalink

        شكرا اخي ” سفيان التوزري ” الفاضل صاحب الذوق الراقي على تعليقك الرائع الذي كله وفاء وما احوجنا كعرب ومسلمين للمحبة والوفاء لبعض .. ادعوك للتحاور معي بالفيس من خلال صفحتي الفن التشكيلي المعاصر ـــ https://www.facebook.com/bishnaart ـــ الفن التشكيلي المعاصر‏.

        Reply
  • 4 أكتوبر، 2018 at 5:55 م
    Permalink

    شكرا اخي ” سفيان التوزري ” الفاضل صاحب الذوق الراقي على تعليقك الرائع الذي كله وفاء وما احوجنا كعرب ومسلمين للمحبة والوفاء لبعض .. ادعوك للتحاور معي بالفيس من خلال صفحتي الفن التشكيلي المعاصر ـــ https://www.facebook.com/bishnaart ـــ الفن التشكيلي المعاصر‏.

    Reply
  • 4 أكتوبر، 2018 at 8:28 م
    Permalink

    دمت متألقا اخي الفاضل

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *