السبت , سبتمبر 22 2018
الرئيسية / العراق / ( الرضع و الأجنة ) ضحايا الجرائم الجديدة في مجتمعنا

( الرضع و الأجنة ) ضحايا الجرائم الجديدة في مجتمعنا

 

 

 

تحقيق – غسان العزاوي

وجهها الملائكي تشوه بالدماء و أصابع يدها قضمتها الفئران ، آثار لسعات الحشرات انتشرت على جسدها الذي لا يختلف عن عجينة بيضاء ، فهي لم تتجاوز اليومين من عمرها ولا ذنب لها سوى انها خلقت نتيجة جريمة لا تعرفها هي ، لتلقي رفقة كيس تضمن قطع قماش متسخة لا أكثر في منطقة نائية في أطراف مدينة بعقوبة مركز محافظة ديالى .

الموسم صيف لاهب ومن يقصد ذلك المكان نادر جدا لكن القدر كان اقوى ليعثر عليها أحد الأشخاص ملقاةً قرب مستنقع كبير ” مبزل ” وهي تنتزع أنفاسها الأخيرة ، أما من ارتكب جريمة هذا الارهاب الأكثر قسوة و وحشية فهو كالمعتاد ” مجهول ” !

صبيحة ذلك اليوم ، استقبلت شرطة المدينة تبليغاً من أحد المواطنين عن العثور على الطفلة التي تبلغ من العمر يومين أو ثلاثة دون معرفة تفاصيل أخرى ، لتسرع الجهات الامنية المختصة بالرضيعة التي تحتضر الى مستشفى البتول الخاصة بالولادة والاطفال لغرض معالجتها بالسرعة القصوى ، المستشفى هي الملاذ الامن لهذه الرضيعة التي اعتزت لها الانسانية التي لم تبق منها الا القليل .

بد صدمة المستقبلون في المستشفى بما رأته اعينهم ، هرعت الكوادر المختصة الى اسعاف الطفلة التي تعرضت لهجمات شرسة من الحشرات والقوارض التي تنتشر في ذلك المكان ، رؤوس أصابعها الناعمة قضمت اجزاء منها ، جسدها لسعه النمل والبعوض و وجهها المتوهج نوراً تحول لخريطة مدماة .

بعد ساعات من المعالجة والانعاش ، بدأت الرضيعة باستعادة انفاسها حتى أمست طبيعية ، لكتب لها عمرا جديد ليبدأ شريط حياتها يسير كغيره من الكائنات الحية  .

أما الأم فكانت تلك المؤسسة الصحية الكبيرة ، والرحم كان ذلك الجهاز الزجاجي الذي احتضنها ليمنحها الدفء ، و المشيمة كانت عبارة عن بخاخ غطى أنفها وفمها الصغيرين ليمنحهما انفاسا تحيي ، لتسجل بشهادة ميلاد حرمها منها ذويها بعد محاولتهم قتلها لتسجل بأسم ” بتول ” اختاره لها الأطباء ، و هو اسم المشفى الذي ولدت فيه .

 

تأتي هذه الجريمة بعد تسجيل عدد من حالات مماثلة في البلاد وفي أكثر من مدينة ، اذ ان العام الماضي شهد حالة القاء لطفل تم العثور عليه في بوابة احدى المؤسسات الصحية ، في حين اعلنت احدى المنظمات العثور على رضيع لم يتجاوز 24 من عمره قرب احدى دور العبادة .

 

وحالات اخرى لا تكشف عليها مختلف الجهات لدواع غير معروفة حيث يتم تبني عدد منهم من قبل اهالي الرحمة ويتم ايداع عدد منهم في دور الايتام تحت مسمى ” مجهول النسب ” .

تتهم هذه الفئة من الاطفال على انها ثمار لعلاقات غير شرعية ، في حين تثبت الأدلة والشواهد على ان عدد من الأسر الفقيرة لجأت في السنوات الاخيرة الى القاء اطفالها وخاصة الرضع ، بسبب عجزها عن توفير المعيشة المناسبة لهم في ظل الظروف المتردية التي تعيشها الفئة الأكبر من المواطنين .

 

الارهاب الأسري والتوحش الفطري

 

لم تعد القضايا الغريبة في العراق غريبةً ولا يستغرب المتلقي مما يسمع أو يرى ، الغالبية اعتادت على أهوال الدنيا وتخبطاتها ، الكل يعيش يومه وان كان عشوائيا مليئا بالمفاجئات .

تتعدد مشاكل المواطن بين التدهور الأمني والعوز المعيشي والصراع الاجتماعي وكل هذه الأمور نتجت عنها قضايا قد تؤدي يوما ما إلى كارثة يصعب السيطرة عليها .

و من بين الأمور التي استفحلت مؤخرا ( جرائم القتل العمد ) المعروفة وفق المادة 406 من قانون العقوبات العراقي ، لكن الجرائم التي نقصدها في هذا التحقيق هي جرائم أكثر وحشية لان القتل العمد يتم لسبب ما ، كأن نتيجة لخلاف او طمع او ثأر ..الخ ، لكن قتل رضيع من قبل أحد والديه فهي جريمة لم تنص عليها اي مادة قانونية ولم تحدد العقوبة تحت بند ، في حين لم تضع اي وسيلة حماية للضحايا قبل التمثيل بهم .

ان استغناء الأبوين عن أطفالهم ليس بالأمر الهيّن ، فكيف اذا ما قاموا بقتل اولئك الاطفال الذي كانوا نتاجا لهم ؟

القضية في العراق أخذت منعطفا آخر ، حتى أصبح الرضع يلقون أمام دور العبادة و المستشفيات كأنهم علب فارغة او أغلفة حلوى يتم رميها في سلال المهملات المنتشرة في الطرقات ، بل ان الامر تطور ليصل حد القائهم في أماكن مميتة لغرض التخلص منهم و منع الأخرين من تبينهم كما كان معروف مسبقا !

هناك البعض الآخر اختار ان يتخلص منهم قبل قدومهم للحياة بأبشع الوسائل ، و لتلعب من تسمى بملاك الرحمة دورا أساسيا في ذلك ، ملطخة يديها بدماء زكية لا ذنب لها ولا خطيئة سوى انها خلقت بشرا .

ارتفعت نسبة الإجهاض في العراق بشكل كبير ، و السبب مجهول هناك من يتهم ( الفقر و العوز ) المزرِ الذي يعيشه نصف المجتمع العراقي تقريبا ، وهناك من يلقها على الظروف الأخرى منها ( انفصال الأبوين و التشوهات الخلقية و العلاقات غير الشرعية .. الخ ) كل هذه الأسباب دفعت الكثيرات على الاستغناء عن الأجنة التي تحملها بطونهن بطريقة او بأخرى وان كانت بوسائل وحشية لا تمت للأمومة بصلة ، منهن من تختلق الأعذار الكاذبة لتبرر جريمتها الوحشية التي خلفتها متعة دقائق شرعية أو غير شرعية والنتيجة هي ضحية بريئة .

المشكلة الكبرى في القابلات المحترفات في عمليات الإجهاض ، واللواتي يقمن بعملهن دون الاكتراث للضحية .

 

عناوين مغايرة للمهمة الأساسية للتمويه

دخلنا إحدى العيادات الخاصة بـ ” توليد النساء ” كما هو معروف لكن الحقيقة هي عمليات ” الإجهاض ” وفتحنا الملف مع ما تسمي نفسها ( قابلة مأذونة ) وهي محترفة بمهنة القبالة منذ أكثر من عشر سنوات بحسب قولها  .

المكان عبارة عن غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها التسعة أمتار مربعة كأنها زنزانة ، جدرانها انتزعت أجزاء من اللون البائس الذي اصطبغت به ، تتضمن الغرفة دولاب صغير وضعت عليه ادوات طبية يدوية ومستلزمات بسيطة ، وفي زاوية منها فرش مكان لتوليد النساء ، لا تحتوي الغرفة أي من الأجهزة الطبية التي يفترض ان تكون موجودة في عمليات الولادة بل انها مواد تقليدية قديمة غير سليمة صحيا ، ولم يسجل شيء آخر .

( س . أ ) قابلة مأذونة ، تقوم بعملية الإجهاض بمعدل ثلاث عمليات شهريا و بمساعدة احدى بناتها وهي في التاسعة عشر من عمرها ، ولأنها منتسبة متقاعدة وقابلة مأذونه في بيتها تقوم بعمليات الولادة الطبيعية للنساء تعرف محليا بـ ” جدة ” لكنها تبرع في عمليات الاجهاض بعمليات ” الكرتاج ” الخاصة باسقاط الاجنة من الارحام.

تقول .. ” ان الكثير من النساء يقصدنني لإجراء عمليات إجهاض حين يكنّ في الأشهر الأولى من الحمل ومنهن من تأتي بصحبة زوجها وبموافقته ، حيث هنالك عمليات اجهاض اجريت رغما عن النساء بإجبار من أزواجهن الذين يحاولون التخلص مما في بطونهن لأسباب عدة ، منها الظروف المعيشية وخصوصا أن كان لديه أطفال مسبقا ، كما تقصدني نساء من مناطق بعيدة بسبب علاقات غير شرعية تنتج عنها حالات حمل ، فيلجأنَ الى عمليات الاجهاض لإسقاط الأجنة قبل افتضاح امرهن ”

أما عن المواد المستخدمة في هذه العمليات فتقول ” إن هذه العمليات تعتبر عمليات صغرى لأنني لا أقوم بفتح بعملية قيصرية لفتح البطن ، بل أن كل ما اعتمد عليه هو جهاز خاص مستورد يمر عبر المهبل وصولا للرحم ، و قبل استخدام الجهاز ، يتم زرق الحامل بإبرة مخدرة و ملينة للعضلات ، ومن ثم يتم استخدام الجهاز اللولبي الذي يمتد من فتحة المهبل حتى باطن الرحم ويقوم بتفتيت الجنين الى قطع صغيرة تخرج مع النزيف ، ويجب ان لا يتعدى عمر الجنين في هذه الحالة الثلاثة أشهر كحد اقصى ، و ان تجاوز هذا الوقت فمن الصعب إخراجه الا بعملية قيصرية وحينها تعتبر ولادة تامة ومكلفة جدا تتجاوز الخمسمائة الف دينار  ”  .. علما ان العملية الصغرى التي تنفذها القابلة المتقاعدة تبلغ قيمتها 150 الف دينار فقط .

 

 

مصير الثلاثة أجهض الرابع

ومن الحالات التي رُصدت ( أم سجى ) سيدة ثلاثينية متزوجة ولها ثلاثة أطفال ، قصدت حينها أكثر من أخصائية لإنزال الجنين الذي كان الطفل الرابع لكن مخاوف المسائلة القانونية يشكل سدا يمنع الطبيبات من تنفيذه بصورة علنية ، لكنها بالنهاية اسقطته بوسيلة أخرى .

ان سبب سعي الام لإسقاط جنينها كما بينت هي ” نتيجة ظروف زوجها فهو عاطل عن العمل ، و يسكن وعائلته في مسكن صغير مؤجر ولا يستطيع تحمل مسؤولية الأسرة ، اذ ان ما يعتمد عليه هو مساعدة إخوته وأخوة زوجته الذي يعملون كسبه في سوق المدينة ”

وتضيف ( ام سجى ) ” كنت طالبة في معهد المعلمات و أرغمنى والدي على الزواج بهذا الرجل لكونه يقربه نسبا ، تركت المعهد وتزوجت به وبعد أشهر من الزواج بدأ بضربي وشتمي وطردني خارج المنزل إمام  الجيران وخصوصا عندما يشرب ، لكنى لم استطع فعل شيء ، ولدت منه بنتين و ولد وهم اليوم يعيشون مأساةً حقيقية نتيجة الخلافات المستمرة والعوز المادي وهم طلاب مدارس بحاجة الى مقتضيات الحياة كأقرانهم ، لكنهم يشاهدون غيرهم ولا يحصلون على هذه الحقوق ، وأنا اليوم اعتمد على ما تساعدني به أمي وإخوتي إضافة على بعض المساعدة من أخوة زوجي ، لهذه الاسباب حاولت مرارا ألا اكرر الخطأ في الانجاب وتحمل خطايا الاطفال والأب إنسان يعجز عن توفير لقمة العيش لأبنائه ، بل انه سبب لأطفالي عقد نفسية بسبب كثرة خلافاته بالبيت وخارجه ،  ضربي وشتمي أمامهم دون سبب ، حاولت أن أجهض ما في بطني بأعشاب وصفتها لي إحداهن وقمت بغليها وشربتها لكنها لم تنفع وحملت بعض المواد الثقيلة في المنزل كـ ( أسطوانة الغاز وفرشة ثقيلة )  لأجل إسقاط الجنين لكني لم أفلح ، و حين اشتد بي الأمر لجأت الى إحدى القابلات فقد زرقتني إبرة اجهاض لا أدرك ماهي ، لكن بعد أربع وعشرين ساعة اسقط الجنين مع نزيف اضطراري الزمني الفراش لأيام وكان هذه اختياري بالنسبة لي وأعلم انه ذنبٌ لا يغتفر ، لكني مجبرة على ذلك لئلا أسبب عذابا لطفل رابع ، يكفيني الثلاثة الذين اراهم يتألمون أمامي .. يكفي ”

 

عندما تكون الأنثى أباً وأماً

ومن المشاكل الأخرى التي تشكوها النساء اليوم ، ظاهرة هجرة الرجال اذ أن الحالة لم تعد ظاهرة بل أنها أصبحت قضية ومعاناة لمجتمع ، فقد اختفى عدد من الأزواج بعد خلافات مع زوجاتهم نتيجة الحاجة و عدم توفر العمل وهذا ما أدى عدد منهم إلى التخلي عن الاسرة و الهرب أو الهجرة و ترك الزوجة لوحدها مثقلة ، لتحمل المسؤولية بمفردها بعد ان اليأس من توفير لقمة العيش للزوجة والأطفال وهذا ما أدى أيضا إلى إجبار عدد من النساء إلى التخلي عن أطفالهن بطريقة او بأخرى ، حيث قررت عدد منهن هبة طفل او طفلين لأناس ميسورين بعد أن عجزن عن توفير ما يحتاجه الأطفال من مأكل و ملبس في حين اخترن أخريات هبة أطفالهن لأقرباء لهن كالأخت و ابن العم وغيرهم والهدف استئمان أطفالهم بعد العجز عن توفير لقمة العيش لهم في البلد الاغنى .

 

وسائل ومنصات مهمة للتوعية والتثقيف

كل هذه التفاصيل التي تم التطرق إليها ما هي إلا تجارب على أرض الواقع شوهدت و دونت ، ومن الأجدر بالذين يقررون إجهاض أجنتهم التي باتت ضحية لنزوات وساعات استرخاء أن يفكروا جيدا بمصير ما تخلفه أعضائهم  قبل تكوين أي علاقة حميمية ، شرعية أو غير شرعية ، و إلا فكيف لجنين أن يتحمل فشل ذكر  او أنثى بالغين بعد ارتكابهم جريمة عمرها دقائق ؟

إن السبب الأساسي في ما يحل بالرضع الذين يتم العثور عليهم إمام المشافي و دور العبادة أو في الطرقات هو انسلاخ الانسان من انسانيته ولابد من وضع قانون وعقوبة تناسب هكذا جريمة ضحاياها رضع أو اطفال لا مدافع عنهم ولا سلطة لهم تحميهم او تطالب بحقهم في العيش والكرامة .

والمطالب هنا لا تقتصر على توفير لجنة متخصصة في الشؤون المجتمعية وجرائم الارهاب الاسري بل هناك نقاط عدة يجب تسطيرها والنظر فيها ضمن عدد من المؤتمرات والندوات لذوي الاختصاص لمحاربة هكذا مجرمين ومعاقبتهم ، في حين يجب تثقيف المجتمع العراقي أكثر من خلال برامج فنية و ثقافية يتبناها التلفزيون الرسمي وطرح مناهج دراسية تتطرق لهكذا أمور من شأنها تشخيص الخطأ قبل وقوعه ، بالإضافة الى استخدام منصات دور العبادة والعشائر في التعزيز والتثقيف في هذا المجال المهم للحد من هكذا أرهاب صامت بتخلل افراد المجتمع ويسلبهم انسانيتهم ليحولهم الى حيوانات مفترسة تنهش بعضها البعض .

شاهد أيضاً

ازمه المياه في العراق … هل لها حلول

  د مهند محمد البياتي اثارت تركيا لغطا كبيرا في الاعلام والشارع العراقيين، عندما بدأت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *