السبت , أغسطس 18 2018
الرئيسية / آخر الأخبار / الشاعر الفلسطيني محمود درويش

الشاعر الفلسطيني محمود درويش

 

د.عدنان الظاهر

 

 

مقدمة :

هذه محاولة تحليلية لتقويم الشاعر محمود درويش من خلال البعض من قصائده (1) .

واني لأحسب أن هذا الشاعرالمتفرد حقا لم يلق بعد ما يستحق من نقد وتقويم أدبي جاد من لدن المختصين وعشاق الشعر على حد سواء . أجل , ان للشاعر جمهورا واسعا من المعجبين والمحبين والمتجاوبين يفوق ما لباقي شعراء الأرض المحتلة . ولذلك أسباب معروفة لعل على رأسها خصوصيات محمود درويش الذاتية ثم موهبته الشعرية المتميزة . ولما كان صعبا الفصل ما بين الأثنين , فسأضع المعايير التالية مقياسا ومنهاجا لتقويم خصوصيات الشاعر من خلال موهبته الشعرية , وتقويم الموهبة الشعرية من خلال التحامها بخصوصيات الفرد .

 

أولا : الوطن –

ان أبلغ ما يميز محمود درويش هو انتماؤه الشديد الوضوح للوطن الأم فلسطين . فكل عصب فيه وكل نأمة لا تلهج الا بذكر فلسطين . ففلسطين – ومن ذا يلوم – جرح الشاعر النازف ليل نهار وشغله الشاغل وهاجسه الذي لا يرحم . وانه لعلى حق , فلقد أرغم الشاعر على ترك مسقط رأسه ففارق أمه , رحمه بالأرض  وبالوطن , وفارق مكرها من يحب . فاذا ما أغفل ذكر فلسطين في قصيدة تسربت من خلالها ذكريات الأهل والأصدقاء وذكرياته مع والدته , فضلا عن بيارات البرتقال وشوارع حيفا وأصدقاء الطفولة ولاسيما الشاعر سميح القاسم .

 

ثانيا : الأم –

وكما هوحال الشاعر مع الوطن , نجده لا يكاد يفارق لفظ وذكرى أمه . فالوطن والأم صنوان : الوطن الأم ( فلسطين ) والأم الوطن ( الوالدة ) . فلماذا يلح الشاعر في ذكر أمه ؟ أهو الحنين الطاغي لمسقط الرأس وملاعب الصبا ؟ أهو التراجع تحت وطأة الظروف القاسية التي عاشها الشاعر ابان حصار بيروت وبعد الخروج منها ؟ فاذا لم يلتجيء الشاعر الى فلسطين مرساة ومنجاة نراه يلوذ بالأم لوذ الطفل الرضيع بصدر أمه . ففي مقطع ” هذا خريفي كله ” قال محمود :

 

أمي تعد لي الصباح على طبق

من فضة أو سنديان , ليس في أمي سوى

أم هنالك تنتظر .

 

هذه هي ذكريات الشاعر تتداعى أسى يقطر دما . فلقد يئس الشاعر من لقيا أمه فأستسلم لحالة يأس

صوفية مأساوية عز نظيرها . فأمه لم تزل حية ترزق في مكان ما على أرض فلسطين ولكن ما الذي تبقى للشاعر منها ؟ يقول محمود :

 

ليس في أمي سوى أم هنالك تنتظر .

 

فهل رأيت أفجع من هذا الأنفصام ؟ اذ استحالت أم الشاعر الى مجرد أم رمزية لا تخص الشاعر الا بمقدار ما تخص سواه من البشر الأبناء . ( أم ) تنتظر هنالك , كأن لا علاقة رحم ودم تربطها بالشاعر .

أما المقطع الذي أهداه الشاعر الى صديقه سميح القاسم فقد ذكر فيه أمه ثلاث مرات . ذكره في المرة الأولى بأزاء امرأة غريبة اذ قال :

 

فهل تغفر الأم لي

رحيلي الى امرأة ثانية ؟

 

حتى لكأن أمه هي المدخل الوحيد لعالم المرأة . انه يجسد وحدة الوجود بتوحيده لعالم المرأة , محرك دورة الحياة الأزلية . فالمرأة أم أولا وزوجة ثانيا وابنة في نهاية المطاف وتتم الدورة . ان الشاعر الشمولي جم الأدب وشديد البر – كالمسيح – بوالدته وكثير الأنسجام مع ناموس الحياة . لذلك كله تلقاه شديد التواضع شديد الوضوح . وهنا تكمن قوة وعظمة الأنسان الشاعر (2) .

وفي المناسبة الثانية تبرز خصوصية الشاعر اياها فلا يجرؤ على ذكر امرأة أخرى دون الولوج من خلال كوة الوالدة :-

 

هنا قلب أمي , هنا وجه أمك

هنا أول الشعر والسخرية .

 

ثم :

 

وأن لأمي حقا بقلبك

وأن يديك يداي وقلبي قلبك .

 

لست متأكدا هل أن للشاعر أشعارا خاصة قالها في أو لأمه ؟ لكني أستطيع أن أنفي ذلك في حالة

ما اذا كانت أم الشاعر لم تزل على قيد الحياة . فأنجح وأعظم الشعر في الوالدين هو الرثاء .

ويحفظ لنا ديوان الشعر العربي أعظم ثلاث قصائد في رثاء الأم : الأولى لأبي الطيب المتنبي في رثاء جدته (( وقد ألحف طه حسين في السؤال عن والد المتنبي وكان الأحرى أن يسأل عن أم المتنبي)) (3) التي قال فيها :

 

تغرّبَ لا مستعظما غير نفسه

ولا قابلا الا لخالقه حكما

والثانية لأبي العلاء المعري يرثي فيها أمه في واحدة من أروع قصائد الرثاء ومن أكثرها بلاغة وتورية وتعقيدا حتى أن عميد الأدب العربي المرحوم طه حسين نفسه كان قد تحاشى التعرض

لها بالنقد (3) . أما الثالثة فلشاعر العراق المرحوم محمد مهدي الجواهري ومطلعها :

 

تعالى المجدُ يا قفصَ العظامِ

وبورك في رحيلكَ والمُقامِ

 

لقد قال شعراء كثيرون قصائد رثاء في الأزواج ( جرير ) والأبناء ( الفرزدق  وابن الرومي وأبو ذؤيب  الهذلي ) والآباء ( كنزار قباني ) لكن تبقى قصائد رثاء الأمهات نادرة . فما السبب

يا ترى ؟ أهو الجلال المهيب وعظم مقام الأمهات ودورهن في الحياة ؟

ثالثا : المرأة الأخرى – لما كان مدخل الأنسان الى الحياة لا يمكن أن يكون الا من خلال وبواسطة الأم، وهي إمرأة، ولما كان الإنسان لا يكتمل رجلا إلّا بالمرأة رفيقة وزوجة، فلا غرابة اذن

أن نرى الشاعر يلتصق بالمرأة بهذا الشكل أو بذاك . فهو محتاج اليها في شتى الحالات الحياتية : في لحظات الفرح والسرور , كما في حالات الضيق والعسرة. في ساعات الأنفراج كما في أيام

الشدة . لكن يبقى السؤال الجوهري هو كيف يعبر الشاعر عن هذه الحالات وكيف يذوب في المرأة تعبيرا ؟ الجواب بسيط . فالتعبير كما نعلم يكون من خلال أدوات الشاعر الخاصة به صورا وألفاظا وثقافة فضلا عن الأحساس الخاص المعبر أو الأستجابة . فكما أن البشر يتفاوتون في استجاباتهم لأمر واحد كذلك هم متفاوتون في وسائل التعبير لديهم ومختلفون في ثقافتهم وتربيتهم وبالتالي سيختلفون في صورهم وفي استعاراتهم . وعليه نجد الفرق شاسعا بين محمود درويش وشاعر آخر كنزار قباني في الموقف تحديدا من المرأة . فنزار كثير الغرور حيال المرأة , يتعالى عليها في أغلب أشعاره , يستغلها يتحداها ويطردها من بيته بل ويجهضها قسرا أحيانا . اني أستطيع القول أن نزارا لم يجرب أن يحترم المرأة الا حين رثى زوجته بلقيس . وخلا ذلك فانه شديد السادية اذ قال مرة :

 

وفصلت من جلد النساء عباءة

وبنيت أهراما من الحلمات

الجنس  كان  مخدرا  جربته

لم يُنهِ أحزاني ولا أزماتي

 

فههنا نرى الشاعر يدور حول قطبين : سادية هتلر وجبروت فرعون . وهل ثمة ما هو أسوأ من هذين النموذجين ؟

أما محمود درويش فموقفه من المرأة مختلف بشكل جذري فهو العاشق أبدا وهو المحب الى درجة التسامي وان حبه للمرأة حب صوفي نقي لا مثيل له . انه يحترم المرأة لأن فيها شيئا يذكره

بأمه , شيئا مشتركا . أنظر اليه كيف يلوذ بالمرأة في ساعة كرب وحرج ( مقطع عزف منفرد ) :

 

دعْ عنك موتك وارحل أيها الرجلُ

وارحل وهاجر وسافر داخل السفرِ

ليس المكان مكانا حين تفقده

ليس المكان مكانا حين تنشده

وكلما حطَّ دوريٌّ على حجر

بحثتَ للقلب عن حواء ترشدهُ .

 

ففي ساعات العتمة الرهيبة يلتمس الشاعر العزاء والسلوى من المرأة , فانها المرشد وهي المنجد وهي الطائر المغرد حين تضيق بالشاعر – الأنسان السبل متنفسا لروحه التي يدمرها الحصار

آنا والطرد آونة أخرى . ولقد سبقه في هذا المضمار أبو فراس الحمداني اذ خاطب الطيور الطليقة أيام ما كان في الأسر :

 

أقول وقد ناحت بقربي حمامة

أيا جارتا  لو تشعرين   بحالي

الى أن يقول :

 

لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة

ولكن دمعي في الحوادث غالي

 

أجلْ، فدموع درويش لكذلك غالية وكبرياؤه هي كبرياء الرجال المناضلين واني ليخيل لي أنَّ الشاعر لم يذكر الدموع قط في أشعاره التي قرأت حتى اليوم .

لنتفحص مقطع ” أنا العاشق السيء الحظ ” ولعله أفضل مقاطع هذه المجموعة طرا. انه مونولوج حزين بالغ الشفافية وبالغ الأدب. انه أشبه بصلوات الكهان بل وفيه أثر من مزامير داوود والشاعر قد عايش داوود ومزاميره في مسقط رأسه فلسطين. أنظر الى هذه النماذج المنتقاة من هذا المقطع بالذات :

كم امرأة مزقتني

كما مزق الطفل غيمة

فلم أتألم , ولم أتعلم ولم أحم نجمة

من الغيم خلف السياج القصي .

 

تمزقه النساء فلا يصرخ ولا يبكي ولا يتذمر بل ولا يريد أن يتعظ. لا يريد أن يتعلم من التجارب، يريد أن يبقى هكذا بريئا وعَفّاً كما ولدته أمه. فما أروعك محمود وما أعظم تواضعك :

 

أخاف العيون التي تستطيع اختراق ضفافي

فقد تبصر القلب حافي

أخاف اعترافي

ثم ( نفس المقطع ) :

 

أنا العاشق السيء الحظ نامي لأتبع رؤياك نامي

ليهرب ماضيي مما تخافين , نامي لأنساك نامي لأنسى مقامي

على أول القمح في أول الحقل في أول الأرض نامي

لأعرف أني أحبك أكثر مما احبك نامي

ونامي لأعرف في أي ملح أموت وفي أي شهد سأبعث حيا

ونامي لأحصيَ شكل النباتات فيك وأحصي يديا

ونامي لأحفر مجرى لروحي  التي هربت من كلامي

وحطت على ركبتيك لتبكي علي .

فما أجمل هذه الهدهدات يخص بها حبيبته كما تخص الأم رضيعها في المهد . لست أدري بالضبط ما الذي يدفع الشاعر – الأنسان الى سلوك هذا الطريق المفعم بالعواطف النبيلة الحارة . لقد دشن

شاعر العراق الجواهري هذا النوع من الهدهدة في قصيدته الشهيرة (6) :

 

نامي جياع الشعب نامي               حرستك  آلهة  الطعام

 

ومن ثم مارس الشاعر بلند الحيدري هذا الضرب من الخطاب فقال (7) :

 

يا طفلتي نامي بقلب الدجى           وانطلقي أنى يمرُّ السحابْ

 

لماذا يطلب الشاعر من الآخرين أن يناموا ؟ محمود درويش يطلب في هذا المقطع من حبيبته أن تنام لكي يقفو خطا أحلامها في عالم الكرى ” نامي لأتبع رؤياك، نامي ” . وماذا في رؤى الحبيبة

بل ولماذا الرؤى، لماذا الهروب الى عالم الرؤى بدلا عن مواجهة الأمور كما هي وأيا ما كانت ؟

انها الحقيقة المرة . الحقيقة الأكثر ايلاما . الخروج من بيروت :

 

قلنا سنخرج

قلنا لكم سوف نخرج  منا قليلا , سنخرج منا .

 

فالخروج من بيروت هو الخروج من صلب الذات , خروج المقاتل الفلسطيني من جلده ومن روحه . فهل كانت بيروت الجلد والروح حقا ؟ كلا بالطبع . فلقد كان أمام الفلسطيني أكثر من خروج . خروج من فلسطين عام 1948 , عام النكبة والتقسيم . وخروج من الأردن بعد أيلول الأسود عام 1970 . ثم الخروج من بيروت وهو أمر كان الشاعر يتوقعه تماما اذ قال في مقطع ” سنخرج ” :

 

وداعاً لمن سوف يأتون من وقتنا صامتين

ومن دمنا واقفين , لندخل

سنخرج

قلنا سنخرج حين سندخل .

 

لذا فقد التجأ الشاعر الى النوم هربا من الفشل – الكارثة ومن الدنيا وما فيها فقال :

 

نامي لأنساك، نامي لأنسى مقامي .

 

وهل هناك ما هو أبلغ من هذا التعبير الجميل , فهو لا يبغي نسيان نفسه حسب , بل ويريد أن ينسى حبيبته لأنها تشكل عبئا أخر اضافيا على كاهله . فالمحنة محنتان على الصعيد الشخصي

الضيق .

 

رابعا : خصوصيات أخرى –

في هذه الفقرة أود التركيز على مفردات الشاعر الأثيرة لديه وصوره الشعرية الخاصة به ولغته بشكل عام.

1- مفردات الشاعر : هي مفردات بسيطة يستعيرها – كنزار قباني – من قاموس الحياة اليومي المعتاد بلا تكلف ودون محاولة قصدية للرجوع الى التراث القديم واستشفاف مفرداته كما يفعل الجواهري على سبيل المثال . لذلك فكلمات محمود درويش محببة وقريبة من نفس القاريء، سلسة سائغة تعبر عن الخاطر السريع كما تعبر عن الفكرة العميقة الدفينة وكان هذا ديدن ونهج الشاعر منذ ديوانه الأول ” عاشق من فلسطين ” على ما أظن . ان تركيب الجمل الشعرية – التي قد تتعقد بفعل التراكم – الناجحة من كلمات بسيطة ليست بالمهمة اليسيرة كما قد يخال البعض منا . ثم أن اختيار هذه الكلمات البسيطة هو لا شك من المهمات الشاقة رغم قناعتي أن محمود درويش بالذات لا يجهد نفسه في انتقاء الكلمات، ذلك لأنها هي التي تفرض نفسها عليه تلقائيا لكثرة مطالعاته وغزارة مخزونه اللغوي والثقافي ثم فيض حسه الشاعري والجمالي . وماذا

يريد الشعر أكثر من ذلك ؟ ان لنا في أبي الطيّب المتنبي أسوة في هذا المقام اذ قال قاصدا اللغة العربية :

أنامُ ملء جفوني عن شواردها

ويسهر الخلق جرّاها ويختصمُ

 

ثم أريد أن ألفت النظر أن بساطة الكلمات لا تعني بالضرورة بساطة المعنى . فمن الآجرة البسيطة نستطيع انشاء عمارة بالغة التعقيد . كما أن براعة درويش في الإنشاء المعماري لقصائده هي أمر لا يختلف فيه اثنان. وهنا نجد إحدى أبرز خصائص الشاعر . وهكذا يجب أن يكون الشاعر والا فلا .

لست بحاجة الى أن أسوق أمثلة لأن قصائد الشاعر قاطبة تقوم دليلا وتقدم الشهادة .

 

2- لغة الشاعر : سلامة لغة محمود درويش لا غبار عليها ان نحوا أو صرفا أو اشتقاقا وهذه مزايا قلما ينماز بها شاعر حديث ممن نعرف . يزيد في قيمة هذه المزايا أن الشاعر ولد ونما وترعرع  في الأرض المحتلة، أي في جو عربي محدود جدا، ومع ذلك استطاع أن يتمكن من ناصية اللغة العربية قواعدها واشتقاقاتها , الأمر الذي يدعو الى الأعجاب بالشاعر. هذا من

ناحية سلامة اللغة . فماذا عن خصائص الشاعر اللغوية والفنية الأخرى ؟

 

أ – لا يميل الشاعر الى استعمال أسماء الإشارة الا ما ندر. وهو في هذا انما يخالف أستاذ الشعراء المتنبي الذي استخدم في شعره الكثير منها حتى في القصيدة الواحدة (8) .

ب- لا يستخدم محمود درويش حروف العطف – خلافا للمتنبي – الا قليلا . فجمله الشعرية القصيرة منها والطويلة على حد سواء تأتي منسابة متدفقة متماسكة تماسك عضلات الحصان أثناء الجري . لا فراغ ولا احساس بالفراغ بين كلمة وكلمة وبين جملة وجملة . لذا لا يضُطر الشاعر الى الحشو الزائد أو الى وسائل اللصق الأخرى كالجص والصمغ اللغويين وما اليهما. وأحسب أن هذا الأمر وبصفة عامة لمما يميز الشعر الحديث عن شعر العمود العروضي الذي يجبر الشاعر أمام أحكام الأحصاء التفعيلي الخليلي ومستلزمات القافية والروي الى اصطناع الوسائل المتممة يحشرها قسرا على حساب المقاييس الجمالية للقصيدة .

لا أحد ينكر ما لحروف العطف في الشعر من وقع وجمال فيما لو تمكن الشاعر من ضبط استعمالها لحظة تطابق صوتها وتتابعه مع المجرى العام للبيت ومدلولها اللفظي والحسي . لقد استعمل لمتنبي في بيت واحد حرف العطف ” الواو ”   ست مرات  ولم يشعر أحد حتى اليوم بثقل هذا البيت أو نشوزه (9) :

 

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني

والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ

 

فأعطى القاريء الأنطباع القوي أن هذه الأمور ( الشجاعة والثقافة ) للشاعر الفارس هي أمور غير قابلة للتجزئة مطلقا . لذلك ربط فيما بينها بحشوة اسمنت تقاوم عوادي الزمن .

وكذلك أجاد الأخطل الصغير بشارة الخوري في عطفه المزدوج : العطف في البيت الأول ثم عطف البيت الثاني على البيت الأول (10) :

 

الهوى  والشبابُ والأملُ المنشودُ

توحي فتبعث الشعر حيا

والهوى والشباب والأمل المنشودُ

ضاعت جميعها من يديّا

ج – التقديم والتأخير : لقد برع شعراء كثيرون في فن ( تاكتيك ) التقديم والتأخير . كما أفرط في أستعماله آخرون لدرجة لم يكن القاريء العادي معها قادرا على فهم بيت الشعر، ناهيك عن

تذوقه فيما لو استطاع فهمه . ولقد كان طه حسين قد أولى هذا الأمر جهدا خاصا في كتابه (3) ” مع المتنبي ” . فخلافا لهؤلاء وأولئك  ترى محمود درويش غير ملزم بانتهاج هذا السبيل،

فقدرته على التعبير بالخط المستقيم من القوة بحيث لا يضطر معها الى أسلوب التعبير بالخطوط المنحنية أو المتعرجة أو الزوايا الهندسية المقلوبة . وجمله الشعرية – حتى الرمزية منها – بدون

زوايا لا حادة ولا قائمة ولا منفرجة . فهل أن هندسة بنائه الشعري هندسة مستوية مسطحة ببعدين وليست هندسة مجسمة بثلاثة أبعاد؟ الجواب عن هذا السؤال ليس بالأمر اليسير، إذ أنه يتطلب دراسة كافة أشعار الشاعر ( وهذا أمر ليس بالمستحيل ) ثم اجراء مقابلة مطولة معه وجها لوجه ( وهذا أمر يكاد يكون مستحيلا ! ) . ثم إنَّ موضوع الأستواء والتجسم في تصميم القصيدة هو أمر لم يحصل الإتفاق الشامل عليه بعد ( وقد لا يحصل ) وأيهما أجدى للبناء الشعري من الأخر ومتى وفي أي موضوع .

د- الشاعر ولعبة الدومينو : في قصيدة ” بقايا كلام على مقعدين ” والمقتطفات الأخرى يجد القاريء ميلا واضحا لدى الشاعر ان يلعب لعبة دومينو الألفاظ  التي قد لا يرتاح اليها القاريء

الذواقة . فاللعب على الألفاظ بقصد اللعب يجعل الفن الشعري متدنيا ويفقده جديته وأصالته ويبعده عن الأهداف المرسومة في رأس الشاعر. الأمثلة لحسن الحظ ليست بالكثيرة لكنها موجودة ففي ” متر مربع في السجن ” قال درويش :

 

لا بابَ للباب لكنني أستطيع الدخول الى خارجي

عاشقا ما أراه ومالا أراه

الى الأرض هذا الدلال وهذا الجمال

ولا بابَ للبابِ

ثم قال في نفس المقطع :

 

وحريتي أن أوسع زنزانتي

أن أواصل أغنية الباب

باب هو الباب لا باب للباب

لكنني أستطيع الخروج الى داخلي .

 

لقد أفسد تكرار كلمة ” الباب ” جمال الصور وحرارة المغزى وأساء الى صورة الدخول الى الخارج، أي دخول السجن الأكبر، والى صورة الخروج الى الداخل رغم كونها أشد غموضا

من صورة الدخول الى الخارج . وكذلك الأمر في مقطع ” عزف منفرد ” حيث كرر ذات اللعبة إذْ قال :

 

خرجت أدخل أسمائي فبعثرها النسيان وانقسمت نفسي لتشهرها

أمر بالشيء كاللاشيء لا أجد الشيء الذي يوجد

من ألف أغنية حاولت أن أولد

لو عدت يوما الى نفسي فهل أجد النفس التي كانت النفس التي كانت ؟

فتكرار كلمة ” الشيء ” هنا ونقيضها ” اللاشيء ” هو أمر غير مُساغ وشديد النفور ولا يذكّر إلّا بلعبة رؤوس أحجار الدومينو . ولا أحسبني في حاجة الى التعليق على تكرار كلمة ” النفس ”

في مقطع ” عزف منفرد ” فهي الأخرى لا طاقة فنية فيها وقدرتها على الإيحاء تكاد أن تكون صفرا .

لقد كرر الشاعر لعبته مع الدومينو في مقطع ” هذا خريفي كله ” وفي أدناه نماذج منها :

 

جرحي هواء للهواء

أعلى من الشجر المذهب , أين أذهب حين أذهب

ولا وصايا للضحايا لا بداية للنهاية  لا نهاية للبداية

وبحثت عن نفسي فأرجعني السؤال الى

بلاد لا بلاد لها , بلاد للبلاد

لا لم أكن ما كنت لكن كلما وقعت عن الأشجار غيمة

فتشت عن أرض لأسندها  … بلاد للبلاد

….

….

لأرى خطاي مداي في وأيها الشجر انفجر

كي أفتح الشباك للشباك في وأنفجر .

 

كما ورد شيء شبيه بهذا في مقطع ” محاولة انتحار ”  . هذه اللعبة شديدة الخطورة خاصة عند الأفراط واللجاجة  في ممارستها. لقد تذوق العرب الشعر الصوفي الذي قرر (11) :

 

أنا من يهوى ومن يهوى أنا             نحنُ روحانِ أحلاّ بدنا

 

ولم يقبلوا البيت الذي يقول :

 

كأننا والقوم  من  حولنا                 قومٌ  جلوسٌ  حولهم  ماءُ

 

كذلك ساغ متذوقو الشعر العربي قول ولادة بنت المستكفي في ابن زيدون :

 

أغار عليك من نفسي ومنّي

ومنك ومن زمانك والمكانِ

 

اما العملاق المتنبي فلم يستخدم هذه اللعبة الا مرة واحدة حيث قال (9) :

 

أسفي على أسفي الذي ….

 

في القصيدة الجميلة التي مطلعها :

 

أمِنَ ازدياركِ في الدجى الرُقباءُ

إذْ حيثُ أنت من الظلامِ ضياءُ

قلق المليحة وهي مسكٌ هتكها

ومسيرها في الليل وهي ذكاءُ

مثلتِ عينكِ في حشايَ جراحةً

فتشابها، كلتاهما     نجلاءُ

نفذتْ عليَّ  السابريَ  وطالما

تندقُّ فيه   الصعدةُ  السمراءُ

 

أجلْ، انها لعبة خطرة نتمنى أن لا يمارسها شاعرنا درويش في أوقات الجد . انها لا ترفع من شأن الشاعر ولا من شأن شعره في نهاية الأمر .

 

3 – صور الشاعر الشعرية : يعتقد النقاد أن الصورة الشعرية هي المحك العملي لمقدرة الشاعر الفنية ومعيار شاعريته . فالثقافة وحدها لا تكفي ولا امتلاك ناصية اللغة يكفي . وانهم لا ريب لعلى حق . فالصورة توحي بأمور كثيرة يدرك الشاعر بعضها يتحسس القاريء ايحاءات أخرى لم يقصدها الشاعر ولم يفكر بها . وهنا تكمن عظمة الصورة وجلالها لأنها تعطي القاريء حرية

الإختيار شبه المطلق . ولا مجال للشاعر الخالق أن يتدخل أو يسيء لهذه الحرية بل وليس بقادر على إتيان ذلك . وما دام البشر مختلفين في تكوينهم ومذاقهم وطريقة تلقيهم فانهم سيختلفون

حتما في الكيفية التي يفسرون بها الصور المختلفة والطريقة التي بها ينفعلون . فهل أعظم من فن يتيح ويوسع مجال الحرية للإنسان والحرية هي المطاف الأخير والهدف الأسمى للشاعر الحق ؟

ليس هناك اليوم في عالم الشعر من هو أقدر من محمود درويش على التعبير بالصور . أقول هذا دون تحفظ . ولمحمود درويش فضل الخصوصية المتميزة والفرادة في هذا الباب . وصوره

الشعرية لا مثيل لها تنبع من نفس ليس في سواها ما يشبهها . جميلة آخاذة عصرية – تراثية وان اكتنف الغموض البعض منها لحظة أن يقترب من عالم الأحلام . وهل كل أحلامنا شديدة

الوضوح ؟

من مقطع ” عزف منفرد ” اخترت الصور الأتية مثلا لقدرة الشاعر على اختيار الصور والتلاوين الجميلة المتدفقة حيوية وثقة لا حدود لها :

 

ولو كتبت على الصفصاف نوع دمي

لجاءت الريح عكس الريح في ورق الصفصاف  والصفصاف يتقدُ

والعزفُ منفردُ .

بحرٌ أماميَ والجدرانُ ترجمني

دع عنك نفسك واسلم أيها الولدُ

البحر أصغر مني كيف يحملني

والبحر أكبر مني كيف أحمله

ضاقت بي اللغة استسلمت للسفنِ

وغصَّ بالقلب حين امتصه الزبَدُ .

 

فهل تمليت يوما منظر شجرة الصفصاف وهي تحترق في يوم عاصف تأتي فيه الريح من الشرق ومن الغرب أي من جهتين متقابلتين مثلا ؟ هكذا كان مصير الشاعر ومصير المقاومة الفلسطينية يوم أن أُخرجت من بيروت الى تونس التي يرمز لها الشاعر بقرطاج ” رمانا البحر في قرطاجَ أصدافاً ونجمة ” . ذلك الخروج القسري المهين الذي هان على الساسة ولم يهن على الشعراء بحكم الفارق في نوع الإستجابة للحدث المروّع . فالحس الشعري فوري ودفاق وآني وشديد الذاتية . لذلك فانه – اذا كان صادقا – لا يعترف بالتأويلات والتبريرات ولا يعرف اللف والدوران ولا يستجيب لمستلزمات السياسة والسوق والتعبئة ( التاكتيك والإستراتيج )  بلغة العساكر .

ففي لحظات النأي عن بيروت مطرودا ما كانت تخالجه الذكريات الجميلة، وكانت لا شكَّ كثيرة قبل الغزو . بل كان شديد البراعة إذ صور حالة الحصار النفسي – لا الجسدي – الرهيبة مستلهما

صرخة طارق بن زياد ” البحر من ورائكم والعدو أمامكم ” ولكن بشكل مقلوب . فطارق كان هنالك فاتحا ومظفّراً، والشاعر ههنا اليوم منبوذ مغلوب على أمره تطارده أحجار بيوت بيروت

التي تهاوت تحت القصف البربري . فالشاعر محاصر من جهتين : البحر يحاصره ويضيق – على سعته – الخناق عليه من الأمام . وأحجار البيوت تتساقط فوق رأسه باللعنات معترفا ضمنا

بالقصور تجاه أمن بيروت وعجزه في الدفاع عنها وعن أرواح ساكنيها من اللبنانين . الشاعر يعترف، ومفروض فيه أن يعترف، أما المكابرة والمغالطات فلسواه .

في مقطع ” آن للشاعر أن يقتلَ نفسه ” ترجم محمود درويش مشاعره الى صور حية نابضة من لحم ودم فقال :

 

من ثلاثين سنةْ

يكتب الشعر وينساني، وقعنا عن جميع الأحصنة

…..

…..

كل شيء صورة فيه أنا مرآته

كل موت صورة كل جسد

صورة كل رحيل صورة كل بلد

صورة قلت : كفى متنا تماما أين انسانيتي أين أنا

قال : لا صورة الا للصور .

من ثلاثين شتاء

يكتب الشعر ويبني عالما ينهار حوله

…..

…..

آن للشاعر أن يخرج مني للأبد

ليس قلبي من ورق

آن لي أن أفترق

عن مرايايَ وعن شعبِ الورقْ .

شاهد أيضاً

شُكرًا للدراما السورية

  زينب علي البحراني لا شيء يملك تلك المقدرة السحرية على حِفظِ رائحة وطنٍ من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *