السبت , سبتمبر 22 2018
الرئيسية / آخر الأخبار / العراق وإيران : من يعرف من ؟

العراق وإيران : من يعرف من ؟

علاء أدريس
لاقى صدور ترجمة الكتاب الإيراني ” اسناد افتخار ” الذي يحوي مرسلات بين صدام ورفسنجاني في تسعينيات القرن الماضي اهتماما بالغا، ورافق صدور الكتاب أخبارا حول إفراج إيران عن الوثائق التي تخص المرسلات، وكان العجيب هو الاحتفاء الذي يتناقض مع مستوى معرفتنا بإيران ، والذي يكشف عن مدى جهلنا وفقرنا بمعرفتها ، الأمر الذي استفزنا لتتسائل : هل هذا الاهتمام يعبر رغبتنا في فهم إيران؟
صدر الكتاب بعد شهر من تبادل تلك الرسائل بين الطرفين ” صدام ،رفسنجاني ” في سويسرا بين سايروس ناصري الممثل الإيراني الخاص لرفسنجاني ، وبرزان التكريتي الأخ غير شقيق لصدام ، لهذا صدر الكتاب تحت عنوان ” اسناد افتخار” الذي يعني باللغة العربية ” وثائق المجد او وثائق الفخر ” أواخر عام ١٩٩٠م.
وللغلاف الفارسي دلالات عند تأمله ، حيث يتجلى من خلاله شكل العلاقة بين العراق وإيران، من جهة اليسار تعلو صورةلرفنسجاني ويقابلها أسفل اليمين صورة صدام ، حينما نتخيل تقابلا مفترضا بين البلدين ، ثم نحاول معرفة قدرات الطرفين آخذين بنظر الاعتبار ما تمتلكه إيران من تأثير على العراق بعد ٢٠٠٣م، وما يستطيع العراق توظيفه من قدرات كي يواجه هذا التأثير ، ونتساءل هنا : ماذا يعرف العراق عن قوى إيران السياسية، ومن هي القوى الفاعلة في تكوين رؤية إيران عن العراق، كذلك ما هو مدى ادراك الذين عاشوا في إيران ممن كانوا يطلقون على أنفسهم معارضة سياسية لهذا الموضوع؟
لهذه التساؤلات أسباب كثيرة تبرر طرحها؛ فمنذ٢٠٠٣م والعراق واقع تحت أزمة تأثير إيراني على مجريات السياسة والسلطة ، اذ من العام٢٠٠٦م وإلى اليوم ما من أزمة مؤثرة على الوضع العراقي إلا ولإيران فيها حضورا بشكل مباشر أو غير مباشر .
ولفهم إيران بشكل مبدئي علينا معرفة مضمون التوجهات التي تتصارع كي تنال تأثيرا على قرار السلطة، وتجعلها تتبنى أفكارها الدينية والسياسية،الأمر الذي يجعلها مكونا أساسيا للسلطة.
في زمن رئاسة رفسنجاني ١٩٨٩-١٩٩٧ وهي فترة كانت للبناء والإعمار، استطاع فريق سياسي ذي توجه فكري ان يحيط به ويصبح مصدرا في تكوين تصوراته ومواقفه ازاء الحكم والإدارة ، والفريق هم” جواد لاريجاني، وروغي زنجاني، ومحسن نور بخش” فضلا عن ذلك ان رفسنجاني ليس قليل القدرات السياسية والفكرية، إذ كان أحد صناع السلطة ورجالاتها، وكان ملتفتا إلى أهمية التوثيق والتأليف؛ بدليل أنه قبل وفاته بأشهر أصدر كتابا يورد فيه قضايا الخلاف التي حدثت بينه وبين الخامنئي.
أحدث الفريق السياسي أشياء كثيرة وذات دلالة مميزة لمن يريد كشف توجهات السلطة بعد عام١٩٧٩، منها صياغة نظرية” إيران أم القرى” التي نظر لها السيد جواد لاريجاني المختص بقضايا الفكر السياسي ؛ وهذه النظرية تقوم على فكرة رئيسية هي أن إيران مركز العالم الاسلامي؛لذا يجب توظيف إمكانيات هذا العالم كافة لحمايتها ولحفظ ديمومتها ، وإيجاد مضمون شرعي لإعادة إحياء القومية الإيرانية ولكن بإطار إسلامي.
وانقسم الصراع الفكري بعد الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩م إلى توجهين هما جماعة روحانيت: وهم رجال الدين المجاهدون، والتشكيلات التي تنضوي تحت هذا التوجه الذي يعبّر عن أفكار اليمين، والتوجه الآخر هو روحانيون: يضم أهم تشكيل فكري وسياسي مازال غير مدروس الإ ما ندر، وهذا التشكيل” منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية” الذي أسسه بهزاد نبوي ومن معه من الذين يؤمنون بالتوجه الفكري الاصلاحي المهتم بأفكار اليسار والعدالة الاجتماعية.
اختلف التوجهان حول قضايا الدستور وحدود ولاية الفقيه؛ إذ يراها روحانيت مطلقة، وأما روحانيون فيرون ولاية الفقيه محدودة ومقيدة، إعلاميا سُمي روحانيت بالمحافظين وروحانيون بالإصلاحيين.
نعود لنتسائل مرة أخرى.. ما هي جهود العراق في فهم إيران بعد ٢٠٠٣؟ وماهي المؤسسات المعنية بهذا الفهم سواء كانت حكومية أو غير حكومية؛ فالحكومية هي وزارة الخارجيةوأقسام التاريخ والعلوم السياسية ، والمراكز المرتبطة بالحكومة هي ايضا معنية بإنتاج فهم عن إيران والصحف المرتبطة بالسلطة، فكم مقال كتب عن إيران في الصحافة العراقية بعد ٢٠٠٣، وتقع المسؤولية أيضا على المراكز غير الحكومية على الرغم من قلتها، الأمر الذي يؤكد غياب الاهتمام بفهم إيران وكيفية تأثيرها علينا.ولو اخذنا معيارًا متاحا كي نكشف به مدى إغفالنا بمن يؤثر علينا وعلى حالنا وتقلباته، سنجد ما يكتب بالفارسية عن العراق يؤكد الفارق الحاصل بين الطرفين.
ذكر لي الدكتور علي طاهر حينما زار إيران العام ٢٠١٦ أثناء جمعه المصادر التي تتعلق بأطروحته في الدكتوراه، أنه عدّ أكثر من عشر عناوين أو أكثر مكتوبة بالفارسية عن العراق بعد ٢٠٠٣،في المقابل كم عدد البحوث التي كتبت في العراق عن إيران، يكاد يكون صفر، لن نجد مطبوعا على شكل مجلة أو تقرير دوري ، ولا حتى ندوات عقدت تناقش حجم الحضور الإيراني في العراق وأسبابه وكيفية التصدي له.
والعجيب حقا ادعاء وزير الخارجية الحالي اهتمامه أكثر من الوزير السابق بأمور العراق الخارجية، الأسلوب الذي مارسه للتصدي للتأثير انه عقد اغلب لقاءاته أمام رفوف مكتبته الكبيرة، الأمر الذي يجعلني أتساءل: كم كتابا فيها تناول حجم التأثير الإيراني على العراق ومن نتاج عمل الوزارة؟
أما في الخارجية الإيرانية فالحال مختلف؛ سنجد رؤية ومطبوعات وتحليل لقضايا دولية، كذلك هناك متابعة لأغلب ما يطرح من قضايا الفكر السياسي، لا أجزم أن الحال مثالي، ولكن فرق كبير يلمسه كل من يتابع حركة الوزيرين ” جواد ظريف، وإبراهيم الجعفري” ومن الأدلة التي تثبت الفرق مراكز الأبحاث الإيرانية التي ترصد وتحلل الشأن الدولي والاقليمي، ومنها مركز الدراسات السياسية والدولية، الذي أسسه السيد جواد لاريجاني أواسط ثمانينيات القرن الماضي وعمل على جعله ناشرا لأهم المجلات الإيرانية التي تعنى بمتابعة الشأن السياسي الدولي وتقوم بتحليله؛ إذ صدر العدد الاول لهذه المجلة المسماة” سياسيت خارجي” عام١٩٨٧م ، والتي تشبه بالدور والوظيفة المجلة الاميركية المهمةForeign Policy.
تمتلك وزارات الخارجية في دول مراكز دراسات ومجلات تعنى بالشأن الدولي والاقليمي، الإ العراق، لماذا؟ لا نعلم.
البلد العربي الوحيد الذي حاول فهم إيران مصر إذ بدأت عملية الفهم منذ أربعينيات القرن الماضي وما زالت مستمرة، فهناك مطبوع دوري يصدر عن مؤسسة الأهرام الدولية اسمه” مختارات إيرانية” يعنى بالشأن الإيراني رصدا وتحليلا، كذلك هناك توجه علمي مميز في كلية اقتصاد وعلوم سياسة بجامعة القاهرة يعمل على فهم إيران من خلال إنتاج رسائل الماجستير وأطاريح مواضيعها ترصد إيران داخليا وتحللها، وجاء صدور كتاب” صنع القرار في إيران” للدكتورة نيڤين عبد المنعم مسعد ليؤكد أستمرار هذا السعي بالفهم، ألاستاذة السابقة للعلوم السياسية بكلية اقتصاد وعلوم سياسة بجامعة القاهرة، ربما هناك من سبقها، لكن الكتاب يثبت جهدا واهتماما من قبل باحثة عربية.
ختاما أتساءل، هل هناك انتباه في العراق من قبل من يديرون السلطة لما يسمى ب”نظرية الأمن القومي”؟، بل هل يمكن ان يمتلك العراق مقومات الردع التي تمنحه المنعة تجاه ما يجري من تدخل في شؤونه الداخلية؟.

شاهد أيضاً

من غرائب أحداث ذلك الزمان

– بلاوي فتحي الحمدوني “تعد مدينة الموصل من المدن التي حبتها العناية الالهية بالكثير من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *