الثلاثاء , أكتوبر 16 2018
الرئيسية / آخر الأخبار / العشيرة تثبتُ فشلها

العشيرة تثبتُ فشلها

 د. لاهاي عبد الحسين

تعطي الخارطة العشائرية للعراق من حيث مستوى الأداء والتدخل بالشؤون ذات الأهمية الاجتماعية، صورة موغلة في التشاؤم وبخاصة لمن يتوسمون بها خيراً، انطلاقاً من دوافع أدبية وأخلاقية. ويتضح الأمر من خلال تعقب اهتمامات العشيرة المتقاطعة وغير المنسجمة على الإطلاق مع القضايا ذات الأهمية المجتمعية والوطنية. فما يهم عشائر الفرات الأوسط يختلف عما يشغل بال عشائر الجنوب العراقي. وما تنهمك به عشائر المنطقة الغربية من العراق يسير باتجاه مغاير تماماً لما تهتم به المجموعتان سابقتا الذكر.
لكل من هذه التشكيلات العشائرية هموم ومصالح تعطّل، إنْ لم نقل تعيق المساهمة في حل إشكالات ذات أهمية عامة تضع مصلحة العراق الواحد الأحد فوق مصالح الجميع. خذ على سبيل المثال، أنّه بينما تسعى المرجعية الدينية للجم دابر العشائر في الفرات الأوسط عن ممارسات إنسانية لم تعد مقبولة في المجتمعات البشرية مثل الثأر والانتقام وإنزال العقوبات المالية الكاسرة للظهر بإسم “الفصل” وجريمة القتل “غسلاً للعار” و”الديّات”، فإنَّ عشائر المنطقة الغربية من العراق تحثُّ على “الجلوة” لمعاقبة المتورطين بأعمال العنف والإرهاب، لتلحق الأذى ليس بالفاعل الحقيقي بصورة مباشرة، إنّما بذريته وبنيه دون الاستعانة بحكم القضاء المدني الرسمي. وتلك عشائر الجنوب تدخل في تحالفات وتقيم الندوات لترسّخ هيمنتها وسطوتها وليس المساهمة بدعم الدولة والمساعدة في استرجاع هيبتها.
يضجُّ تاريخ العراق المعاصر بروايات ووقائع تظهر الميل المزاجي والمنفعي للعشيرة في التعامل مع قضايا مهمة، مغلبة مصالحها الفردية والجماعية على المصالح الوطنية، كما يستدل على ذلك من خلال تحالفاتها المثيرة للقلق مع دول الجوار مثل إيران وتركيا. وعندما آلت السلطة إلى الأنظمة السياسية التحررية الوطنية بعد القضاء على نظام الحكم الملكي، لبست العشيرة ثوب الأب والأخ لتهادِن وتهادَن وفق مصالح المتربعين على إدارة سلطة البلاد. صحيح إنّ هناك فترات بدت فيها العشيرة الملجأ والملاذ لفترات وجيزة كما في إيواء الآلاف من الأهل والأقارب عشية الحرب على العراق عام 1990 أو بعد 2003، إلاّ إنّها حافظت على ذات الخصائص المترنحة بحسب مصالحها ومصالح المتنفذين فيها ومن يرتبط بهم أكثر من قدرتها على النهوض ودعم قضايا ذات أهمية وطنية جامعة ومانعة.
ولم يقتصر هذا على التحركات البنيوية كالتعبير عن الولاء والتوقيع على عهد الوفاء بالدم وحشد المقاتلين وتعبئتهم وتقديم مختلف أشكال التعاون مع السلطة لضبط تحركات رجالاتها ورجال العشائر الأخرى، وإنّما شمل ذلك المنظومة الأخلاقية والمعنوية لها. فالتاريخ الحديث والآني يخبرنا في أنّ العشائر لم تتردد عن المطالبة بالتعويضات، “الفصل” و”الديّات” ومثيلاتها من الممارسات غير المتحضّرة تحقيقاً لمصالح ضيقة، على أسنّة الحِراب، لحل نزاع ما أو إسقاط دعوى قضائية مشروعة. وشهدت فترة الحصار الاقتصادي المفروض على العراق أممياً خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، العديد من الأمثلة المخيبة للآمال من جانب العشائر بما في ذلك الانتصار للقاتل والسارق والغاصب ضدّ المقتول والمسروق ومن غصب حقه.
اليوم تظهر العشيرة بصفحة أخرى لا تقل هوناً وخطورةً عما أشير إليه توّاً. فقد أظهرت دراسة علمية قام بها د. عدنان ياسين وآخرون، بتكليف من رئاسة مجلس الوزراء حول المخدّرات في ثلاث محافظات عراقية، هي البصرة وذي قار وميسان، أنّ العشيرة تلعب على وتر جانبين خطيرين لتسهم في انتشار المخدرات في صفوف الشباب وحماية المتاجرين بها والمروّجين لها. فمن جانب، تقاوم العشيرة الإجراءات الحكومية الهادفة إلى إلقاء القبض على المتعاطين من أبنائها تلافياً لوصمة العار التي يلحقها هؤلاء بها مما يسهم حتماً في الحدّ من إمكانات القضاء عليها أو معالجتها ويمثّل عقبة كأداء أمام الأجهزة الأمنية المختصة في شعب مكافحة المخدرات التابعة لقيادة شرطة المحافظة لمواصلة عملهم وتحقيق أهدافهم لحماية المجتمع وإبعاده عن مخاطر السماح لانتشار مثل هذه الآفة المرعبة والخطيرة.
من جانب آخر، فإنَّ العشيرة وبحسب شهادات غير معلنة من المشتغلين في أجهزة مكافحة المخدرات، تقوم بحماية التجّار والمروجين لها لتواطئات لا تخلو من منافع مادية لها ومن يعملون بمعيتها. بل وتهدّد الكثير من العشائر الأجهزة الأمنية بالانتقام والثأر إذا ما تجرأ أحدهم على الحضور بصفة شاهد في المحاكم المختصة للمساعدة في حسم قضية تورط فيها أحد ممن يحظى بحمايتها غير القانونية. اذا ما أخذنا في الاعتبار أنّ هناك (4000) متعاطٍ وتاجر ومروّج أودعوا بالجرم المشهود في المؤسسات الإصلاحية في المحافظات المذكورة، بحسب الدراسة المُشار إليها، فإننا نقف قبالة وضع يقرب من الوبائي يهدّد السلم الأهلي والتضامن الاجتماعي بدرجة غير مسبوقة في المحافظات المعنية، ويمكن أنْ يعمّ لينتشر في بقية المحافظات. واذا أضفنا إلى ذلك أنّ المحافظات الثلاث المُشار إليها، تقع على الحدود مع إيران، حيث يوجد ما يقدّر بخمسة ملايين متعاطٍ، فلا بد من قرع ناقوس الخطر من احتمال يكاد يكون قطعياً باحتمال استشراء المخدرات على نطاق أوسع في العراق. يحصل هذا على الرغم من أنّ الكلفة اليومية لتناول جرعة من المخدرات للفرد الواحد تتراوح بين 50 – 60 ألف دينار عراقي وهو مبلغ مكلف جداً.
كان يمكن للتحول نحو نظام ديموقراطي سليم أنْ يعطي فرصة للعشيرة كمؤسسة غير رسمية في دعم الإجراءات الحكومية ولعب دور الساند والداعم لها لو أنّها تمسّكت بقيمها التي تأنف فيها من السارق والقاتل والغاصب والمعتدي ولو أنّها تمسكت بالقيم التقليدية المنزّهة عن الجريمة والخطأ إلاّ أنّ النزعة الأنانية غير المسؤولة التي تخلو من مشاعر الالتزام الوطني بمعانيه السياسية الواسعة والأخلاقية أدّت إلى خلق أوضاع مختلفة تماماً.
سيكون لزاماً الاهتمام وتصعيد الدور المهم والفعّال للدولة لوضع الأمور في نصابها السليم. وسيبقى المجتمع رهن الأهواء والأمزجة غير المسؤولة اذا ما تمّ الإصرار عن غض النظر عن مثل هذه التجاوزات الخطيرة على سلطة القضاء ذات المساس بسلامة المجتمع وأمنه. فتحجيم دور العشيرة ليبقى في حدود العائلي والقرابي والاكتفاء بدعمها لمؤسسات الدولة الرسمية على مستوى القضاء والتعليم والدفاع الوطني من جيش وشرطة، هو الذي يسهم في تعبيد الطريق لتسييد سلطة الدولة وتمكين الأجهزة المختصة من القيام بمسؤولياتها التي تتأهل لها ويسمح بمحاسبة المتواطئين والمقصرين بواجباتهم الوظيفية والوطنية. بل ويسهم بتقديم خدمات مهمة على المستويين الأمني والاجتماعي.
يتعلم المواطن في المجتمعات التي تحظى بالاستقرار والأمان احترام الدستور والبسملة بما يستهل به ويعبأ باتجاه أنْ يكون عيناً للدولة والمجتمع بقدر تعلق الأمر بالقضايا التي تمسّ الشأن العام وتعرض الأموال العامة للتطاول. وهذا ما يتوقع الاهتمام به من حيث أنّ انتظار أنْ ينزل الوعي وتشيع الروح الوطنية على العشيرة كبنية ومؤسسة ثقافية تقليدية تُدار بعقليات لا تعتمد معايير متفق عليها سيكون طويلاً وقد لا يصل إلى وجهته بالنهاية. ستبقى العشيرة رهن الفرد الذي يهمها من أبناء جلدتها وستجادل مطولاً بطريقة لا نهاية لها، وبالنهاية لن تتحمل عبء الفشل الذي يلقى بتبعته على الدولة شأنها بذلك شأن ما قاله ميكافيلي مخاطباً الأمير ما معناه: إذا اعتمدت المرتزقة في القتال من أجل قضايا وطنية سيكتب النصر لهم بينما تنسب الهزيمة إليك. وهذا ما يتوقع أنْ يحصل مع العشيرة التي ستفلت بعقالها وتترك الفشل والعار لحكومة محلية أو اتحادية يمكن أنْ توصف بأنّها غير فاعلة وغير مؤثرة.
حدث هذا في أكثر من مناسبة ادعت فيها العشيرة استعدادها لحماية الحدود ووقف الاختراقات الأمنية أو حماية المنشآت النفطية. وكانت النتيجة أنْ اخترقت الحدود وتعددت الاختراقات ونهبت المنشآت النفطية. ستبقى الدولة هي المسؤولة وسيبقى العراق رهن مؤسسات متحررة من الفساد وجمهور من المشتغلين والمنتسبين التواقين إلى الأداء المتقن مع تشديد في إجراءات المتابعة والتدقيق والتوجيه لأن الثابت أنّ المبادرة والالتزام الذاتي وحده لا يجدي نفعاً، بل لابد من منظومة عمل ومتابعة ومحاسبة وإشراف مستمر ودؤوب من قبل مسؤولين مؤهلين بحق لوظائفهم الحكومية وغير الحكومية الحسّاسة.

شاهد أيضاً

المدرسة بوصفها حديقة جامع وهوشة عشاير

  “الغناء حرام”، هذا رأي معلم في أحدى مدارس الموصل نشره على فيسبوك، فسألته: من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *