السبت , سبتمبر 22 2018
الرئيسية / آخر الأخبار / الموصل بعد الخلاص من داعش: بوصلة الشباب بين التدين والاتهام بالإلحاد

الموصل بعد الخلاص من داعش: بوصلة الشباب بين التدين والاتهام بالإلحاد

 

نوزت شمدين

ما أن وضعت الحرب أوزارها وأحكمت قوات الأمن العراقية قبضتها على مدينة الموصل بعد تحريرها من داعش الصيف المنصرم، حتى بدأت حرب أخرى طرفاها شبانٌ حَملوا التشدد الديني مسؤولية الخراب ودعوا الى رفع سلاح الثقافة لتحرير المجتمع من تخلفه. ورجال دين اتهموا هؤلاء بالإلحاد وتنفيذ أجندات خارجية هدفها النيل من الإسلام بذريعة ما قام به داعش من فظائع باسم الدين.

صراعٌ يتحصن فيه الشباب بعناصر الأمن المنتشرين في المدينة كدرع واقٍ ويستعينون بفترة النقاهة الشعبية وما يكتنفها من قبول بعد ثلاثة سنوات من تطبيق داعش أحكامه الشرعية المميتة. ويستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي لتمرير أفكارهم.

مقابل فقدان رجال الدين ترسانتهم التي كانت قوامها منابر(2700) جامع ومسجد في محافظة نينوى بعد ان تم توحيد خطبة الجمعة التي تضعها لجنة من ديوان الوقف السني. كما انهم ولاسيما الأكثر تشدداً يتجنبون المواجهات الكلامية المباشرة التي قد تفضي الى اتهام بالانتماء الى داعش. وهي تهمة شائعة في الموصل وغالبا من تؤدي بصاحبها الى حبل المشنقة.

 

الكاتب والناشط المدني (شهاب آغا الصفار) يرى بان رجال الدين غيروا خطابهم المعتدل الذي كان سائداً في عقود ما قبل الاحتلال الأمريكي للعراق في سنة 2003 وحولوه بعد ذلك وصولا الى سيطرة داعش على الموصل في حزيران/يونيو 2014 من النصح والإرشاد وتسيير المجتمع الموصلي نحو السلام الى اداة لنشر الكراهية والتحريض بأتباعهم لنهج السلفية الجهادية وكان لذلك اثر جسيم دفعت الموصل ثمنه غالياً جدا في نهاية المطاف.

وقال بأن : “قصة الوجع في الموصل بطلها رجل دين تحول من داع للسلام والطمأنينة الى حامل لصولجان السلطة وساهم وعلى مدى اكثر من عقد بعمليات غسل للعقول، وملء سوح الاعتصامات والتظاهرات بالناس الغاضبين والحاملين للشعارات الدينية ضد الحكومة مدعين الحرص على المصلحة العامة لكن الحقيقة كانت غير ذلك تماماً”.

وأضاف شهاب: “رجال الدين في الموصل كانوا يتبعون بروتوكولات متفق عليها مع نظرائهم في محافظات عراقية أخرى لإضعاف الجهد الامني وتضييق الخناق على المجتمع بهدف أحداث فجوة أمنية، وجدار عازل بين المواطن ورجل الأمن. ونجم عن ذلك سقوط آلاف الأبرياء الذين لم ولن يستخلص المنبر يوماً من الايام حقوقهم من السلطة الحاكمة”.

ولفت الى هنالك اليوم وبعد التخلص من مرحلة داعش بكل ما فيها من عذابات جهوداً قوية مدعومة من المنابر التي وصفها بالمنفلتة، لإعادة تغليف المجتمع الموصلي بغلاف ديني من جديد. والبعض يحاول اظهار رجل الدين بمظهر القديس غير القابل للنقد والحساب ولا حتى النقاش. حسب تعبيره.

ثم استدرك قائلا:” إذا استمر الحال واستفحل فان نهاية مأساوية تنظر المجتمع الموصلي الذي اعياه الدوران حول نفسه” .

 

الشباب وبوصلة الدين

 

أما (محمد الشماع) وهو إمام وخطيب جامع النبي يونس(فجره داعش في تموز 2014) ومدير سابق للوقف السني. يعتقد بان ما يحدث في الموصل الان هو ردة فعل من شباب لم يقرأ اصلا عن الاسلام شيئا، وفجأة وجد امامه داعش بكل همجيته ودمويته التي ادعى انها من الاسلام، فحدث ما وصفهما بالارتجاج وعدم التوازن تجاه الاسلام واهل العلم.

وشبه مطالبة البعض بانسحاب العلماء(رجال الدين) من الساحة، كمطالبة من يريد انسحاب الاطباء من المستشفيات بسبب طبيب خان مهنته وعمل مع عصابات خطف تقوم بنزع الكلى من اجسام المخطوفين، ثم ذهبوا ليتهموا كليات الطب وأساتذتها انهم لقنوا هذا الطبيب فن الاجرام .

وتابع بشيء من الحدة : “هذا هو ما اراه من خلط وهرج ومرج”.

ويرى الشماع بأن انطلاق ما أسماها دعوات الإلحاد مقرونة بالتسيب الاخلاقي والقيمي على حد تعبيره.

وزاد بأنها: ” تنبع من اناس يتبين من أستقراء مسارهم انهم يمثلون كل صور الابتذال المجتمعي ، مما يجعل هؤلاء في صدام مع المجتمع وقيمه وتقاليده قبل صدامهم مع علماء الدين”.

وقلل من إمكانية تأثيرها على خط سير المجتمع الموصلي بقوله أنها مجرد دعوات غير منضبطة من شباب اضاع البوصلة. ودعا الى الحكمة والتعقل في بيان الاوجه التي انطلق منها الناقمون وإزالة الشبهات التي في افكارهم عبر بيان صفحات الاسلام من مصادرها وشرحها وبيان مزالق داعش وتهورهم الفكري وعدم امتلاكهم للعلم الذي قادهم لتفسيرات جنونية اضرت بالإسلام والمجتمع والشباب على وجه التحديد.

 

الثقافة سلاحاً ضد التطرف !

يدافع الصحفي (صالح الياس) عن توجه الشباب الانفتاحي في الموصل بعد مرحلة داعش بالقول: “كل ما نطالب به هو احترام حريات الناس، وهذا حق مكفول بالقانون والدستور”.

وبين بان الحريات المستهدفة هي (الاعتقاد والحريات الشخصية وحرية الراي) وغيرها. منوهاً أنها جميعاً من الأمور البديهية في المجتمعات الطبيعية والدول التي يسود فيها القانون.

” اما في المجتمع الموصلي الذي تتسيده (العمامة والمشيخة) اكثر من القانون” يعني بذلك رجل الدين وشيخ العشيرة)، فتبدو المطالبة بالحريات من التابوهات، لهذا نواجه حملات تكفير وتشويه وتشويش ازاء مطالباتنا بالحريات”، هذا ما يقوله صالح بأسف. واتهم من أسماهم رجال المعبد(رجال الدين والمتعاطفين معهم) بتصوير الامر على انه صراع بين الكفار والمسلمين!.

وأوضح : “هذه ادواتهم دائما  للحفاظ على سلطتهم او استعادة احترامهم وهيبتهم التي ذهبت هباء منثورا خلال فترة داعش بسبب سكوتهم على جرائم التنظيم قبولا او خوفا. طوعاً او كرهاً”.

وبالنسبة للبعض من رجال الدين ومحاولاتهم للعودة وتسيد المجتمع، فهي لم تخرج والكلام ما زال لصالح الياس عن سياق ترسيخ فكرة المقدس. وواصل: ” هم يريدون تصوير الجامع مثلا على انه محور الحياة لذا يدعون من على منابرهم الى إعادة ترميم الجوامع في المدينة القديمة المدمرة تماما بسبب حرب التحرير من داعش، ويقودون حملات لأجل ذلك. وحين نعترض وندعو الى بناء المنازل المدمرة اولاً. يهاجموننا. ويتهموننا بازدراء الدين والمقدسات”.

صالح الياس، قاد أنشطة ثقافية عديدة في الموصل بعد تحريرها من داعش صيف العام الفائت، وفضلاً عن مهرجان الكتاب الأول، وعدد من التجمعات وحملات التوعية الثقافية، قام بتأسيس مقهى القنطرة الثقافي في الموصل والذي تحول سريعاً الى مقر حافل تعقد فيه الانشطة المتنوعة بتفاعل شبابي كبير.

لذا فأنه يوازي اهمية الأنشطة الثقافية في الموصل بعد التحرير بأهمية حملات الاعمار والبناء.

ويؤكد: ” لا يمكن ان نعمر ونبني، بينما معاول الهدم القديمة ذاتها التي دمرت المدينة ما تزال موجودة ومهيئة لتعيد الكرة مرة اخرى وتدمر البنيان والانسان معا كما فعلت من قبل”.

وأردف بان اي نشاط ثقافي الان تحديدا هو عملية اعمار من نوع اخر وهي الاصعب :” لأننا نواجه سلطة مركبة دينية/عشائرية “.

ويصر على ان الحل يكمن في توسيع بقعة النشاط الثقافي في الموصل، وتوجيه رسائل السلام والمحبة عبر الموسيقى والفن التشكيلي والأدب ووسائل التواصل الاجتماعي من خلال منشورات نكتبها بكثير من جرأة الطرح.

ويشرح التوجه الشبابي القائم في الموصل بأنه استثمار لهامش الحرية الموجود والأمن النسبي الذي تشهده المدينة بعد سنوات طويلة من تدهور الأمن والفوضى. واستغلال للحظة ضعف سلطة رجل الدين او الهزة العنيفة التي تركها داعش. على حد توصيفه.

وقال: ” لكن ذلك لا يعني اننا نعادي رجال الدين. بل نتواصل مع معتدلين غير مؤدلجين سياسيا او تنظيميا ونتناقش معهم بكل احترام وود. وبعضهم يشيدون بمطالباتنا في اعادة النظر بالخطاب الديني لكنهم لا يجرؤون على الخروج بذلك الى العلن خوفاً من الاستهداف.

 

 

شاهد أيضاً

من غرائب أحداث ذلك الزمان

– بلاوي فتحي الحمدوني “تعد مدينة الموصل من المدن التي حبتها العناية الالهية بالكثير من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *