الجمعة , مايو 25 2018
الرئيسية / أدب / براءة دمي ..

براءة دمي ..


 حسب الله يحيى
عندما تلقيت رسالة التهديد بالقتل؛ كنت في ذلك الوقت بالذات أعمل في تهذيب وتشذيب النباتات في حديقة منزلي ..
وقد أثار انتباهي ان النباتات الطفيلية والبرية كانت قد انتشرت في مدة قصيرة على نطاق واسع..
جاءت رسالة التهديد تلك لتجعلني أمام مقارنة لاسبيل لي للخروج من حقيقتها المرة.. حيث اقترن اتساع تلك النباتات غير السوية والمنشرة بطريقة عشوائية، مع ما أنا عليه من القلق إزاء تلك الرسالة التي جعلتني حين تلقيتها أقف حائراً أمام ما ينبغي لي اتخاذه .
كان الأمر شديد الوطأة على أولادي، ولو كانت تلك الرسالة قد وجهت لي مباشرة؛ لكنت عالجت الموقف بطريقة فردية متأنية وقورة، خارجة عن الانفعال المفاجئ، وردة الفعل الحادة.
رسالة تلقاها أصغر أولادي، قرأها قبلي مراراً حتى حفظ ما ورد فيها ، وما كانت به رغبة الى اخباري بما ورد فيها.. لذلك توجه الى أكبر إخوته سناً وحكى له حكاية التهديد بالقتل .
وانتشرت أنباء الرسالة بين أفراد العائلة انتشاراً سريعاً .
كانت الرسالة أشبه بالنيران التي تلتهم كل شيء قريب منها..وفي الحال وجدت كل فرد من أفراد العائلة.. خافراً، على اهبة الاستعداد لاتخاذ أي قرار عاجل .
أجمعوا على رأي واحد :
– أترك العمل، لا عودة الى العمل .
وجمعت حواسي كلها على احتواء الموقف. قلت:
– كما تريدون.. سأظل كل الزمن أمامكم وجهاً لوجه .
وانصرفت لاعداد نفسي للوضع الجديد ..
عدت الى الحديقة، اتأمل الاشجار والنباتات، وما كان قد تفتح من الأزهار، كانت زهرة عباد الشمس تتجه نحو الشمس، فيما كنت أتجه الى حواسي كلها، أبحث عن فرصة للانفلات من مأزق التهديد هذا .
كنت اعرف انني لست من تلك النباتات الطارئة على الزمان والمكان.. وكنت أعرف جيداً ان مثلي لا يرضخ لتهديد، ولا يستجيب لأمر لايجد قناعة فيه .
بحثت عن أخطائي، وفيما إذا كنت قد أسأت لأحد، أو أخذت حق أو مال أو شرف أحد.. لم يكن هناك أحد ألحق به الضر أو اغتصب حقاً يعود إليه ..
كان حقي في الحياة، قد تعرض للقتل من قبل مجهول، لم يعلن عن نفسه، وإنما وضعني في موقع الانتماء والعمالة والخضوع لأحد ..
فتشت في كل خلية من خلايا دمي، لعلّي قد نسيت، أو اتجهت صوب أحد من دون انتباه ولا صواب ولا موقف !
لم يكن هناك أحد سوى حقيقة ان أكون شجرة مثمرة، أن أعمل بوصفي رجلاً مطلوب منه اداء عمل، وقطاف ثمرة عمله أجراً متفق عليه في نهاية كل شهر .
ما كان طعم الثمرة يعنيني، وما كانت الشجرة الباسقة همي، وما كان مظهر الاغصان والاوراق يبهرني.. وإنما كان كل ما يشغلني ويبرئ ساحتي جذوري، فهي حقيقتي وهي لوني وهي أفقي الذي أتنفسه ثماراً أتقاضى عنه أجراً مقابل عرق جبيني ..
لم يكن بوسعي ان أرتوي، واعلوا في الفضاء واواجه الشمس، واتناول غذائي من تراب هذه الحديقة، من دون أن أدر مقابل ذلك كله ثمراً .
ترى هل كان وفائي لذاتي وللآخرين.. خطأ ينبغي ان أحاسب عليه.. ويقطف عنقي عن جسدي، لأنني كنت وفياً لجذور أخلاقي ؟
ما كنت دغلاً في حديقتي، أو غباراً في مكتبة، أو لوحة جامدة على جدار، أو قطعة أثاث وضع للتباهي .
ماكنت طعاماً فاسداً لمخلوق، ولا قرص دواء فات اوان الاستفادة منه لمريض ..
ماكنت عاصفة مغبرة في عيون إنسان، وما كان الانسان – أي إنسان – يشكل ضداً لوجودي، وما كان وجودي يستأذن المحبة من أحد، وإنما كان هذا الأحد يدق أبواب روحي.. فأحبه صادقاً.
ما كنت أطلب للوردة في الحديقة أن تعطر المكان، وإنما كنت أحنو على الشتلة حتى تنمو في ظروف صحية حسنة ..
كنت أعد الشتلة للشمس، واغذيها بتربة وسماء وماء وهواء وشمس.. وانقذها من النباتات الطفيلية التي تريد ان تسرق منها عطر وردتها ..
من هنا كانت الشتلة تكافئوني بوردة معطرة كلما قدمت لها خدمة تستحقها.. وما أن يفتح الفجر جفنيه، حتى يستبقني الى الحديقة عطر تلك الشتلة التي باتت تباهي نفسها بالبهاء ..
تأملت وردة الصباح تلك.. وسألت نفسي :
– هل ينبغي لي قطف الوردة عن جسد الشتلة.. هل هذا جزاء من بذل وأعطى وملأ الكون بالبشر والحبور ؟
لم أكن أريد ان اباهي نفسي أمام اولادي.. فهم يمتلكون القدرة والشجاعة على اعطاء شهادة حقة لا بشأني بوصفي والدهم وحكيم العائلة التي ننضوي جميعاً تحت لوائها .
كنت قد اعددتهم واحداً واحدا.. أن يتعلموا نقد أنفسهم ويعالجوا اخطاءهم بأنفسهم، قبل أن يدلهم الآخر على تلك الأخطاء..
علمتهم أن نقد عمل الآخر ليس انتقاصاً منه ولا النيل من قدراته.. علمتهم ان خطأ الكبير أكثر فداحة ممن هو أقل عمراً او تجربة.. لذلك حرصت على أن نتبادل النقد بيننا.. بطريقة صحيحة خالية من الكذب والنفاق والمجاملة ..
وكذا الحال مع زملائي وزميلاتي في العمل ..
لا أريد بكل ما ذكرت ان أقدم نفسي على أنني إبن الفضيلة ومشروع قانون النقاء، وأنني أملك بساطاً سحرياً يؤدي الى فجر الحقيقة ومهاد الصدق ..
لا لم أكن كذلك، ولن اكونه ابداً، ولن اسيء الى نفسي بمديح ذاتي.. لن افعلها وان كان القتل المهدد به مصيري.. فالموت مصير كل الكائنات، وما كان خلود الاشياء حقيقة أزلية ابداً.. لكن من طبع الورقة البيضاء ان تباهي نفسها بالبياض الذي لا تشوبه شائبة، ومن طبع العافية ان تكون خضراء، ومن طبع الشمس ان تكون مشرقة بهية .
لا ابرىء نفسي ابداً، ولكن من حقي على (خصمي) ان اضعه امام حقيقة روحي وصفاء قلبي وصحوة عقلي.. وامامه ان يخاصم الحقيقة والصفاء والصحوة بالتهديد الذي لايسنده الى نقطة في بحر انسان مثلي ..
له ان يطفئ سيجارته في بحر حقيقتي.. وله أن يكتب رسالة يقطف مابعدها روحي.. له ان يحول تلك السطور الحذرة، الى حقيقة شجاعة واضحة تدلني على اخطائي.. حتى اعفيه من تلويث يديه بدمي.. فأنا سأزهق روحاً زائفة لم أكن اعرفها من قبل وقد دلني عليها.. وعندئذ سأشفى من براءة ادعيها ونقاء وطيبة تتسع للجميع.. املكها وحـدي اكثر من كل من عرفتهم ..
لن اغفر اخطائي.. ولن اتستر عليها، ولن ابرئ نفسي منها ابداً، ولن ألقيها على أحد، ولن أطلب العفو ممن اسأت ..
لن أفعلها.. لأن فعلها اعتراف وذل وطبع سيئ لا أرتضيه لسواي فكيف ارتضيه لنفسي ؟
سأرضى بالتهديد وترجمته الى فعل دامٍ.. إن كان ذلك يرضي قلب وعقل ووجدان وروح من كتب رسالة التهديد تلك ..
سأغفر جنايته، سأحكم عليه بالبراءة.. لأنه بقتلي سيقتل البراءة بكامل صفاتها.. وسأرتاح لأن روحي ستظل ترفرف في أحلامه.. وسأظل ألاحقه وأنا ميت.. فيما سأغفر له.. لو أنه استعاد محاكمتي ومحاكمة نفسه عن ما ألحقه بي من ضر.. وما كنت ضاراً بأحد.. وما من أحد اشتكى من إنسان اسمه : حسب الله يحيى .

شاهد أيضاً

ورش قتل المواهب

  جودت هوشيار انتشرت في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة ظاهرة إقامة الورش ( الإبداعية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *