بين شكوى الجائعين و جدال “المثقفين”ما هي الأنسانية؟

الموصل/ سهى عودة

قررت الذهاب الى الجزء الغربي من مدينة الموصل المعروف بأسم بـــ “المدينة القديمة”، فأنطلقت مبكرا من الجزء الشرقي مستعينة بدليل يساعدني على التجول في الشوارع العتيقة وأزقتها الضيقة التي باتت يصعب التعرف عليها مع أطنان الأنقاض والدمار في المنطقة.

تقدمنا من شرق المدينة حيث الحياة تسير بشكل طبيعي، الطرقات مزدحمة جدا بسبب الدوام الجامعي، وتتزاحم سيارات الموظفين للحاق بأعمالهم.

أجتزنا نهر دجلة من خلال الجسر القديم أو ما يعرف موصليا بــ (الجسر العتيق) الذي أعيد أعماره قبل شهر. رؤيتنا للبنايات المتهدمة هو المؤشرعلى دخولنا جانب المدينة الغربي (الأيمن).

توقفنا أولا في مركز المدينة حيث (الجامع النوري)، لفني الحزن برعشة سرت في جلدي و أنا أقف وسط باحة الجامع المفتوحة على الدمار المحيط بلا أسوار. ملأت نظري بالنقوشات التي تحيط ما تبقى من منارة الجامع (منارة الحدباء) وقبته. هذا المكان كان يمثل أرثا تاريخيا يعود لتسعة قرون أكثر من كونه مكانا دينيا تعود لفئة معينة.

فجأة تقدمت سيدة لا أعرف من أين ظهرت متوشحة بجلباب أسود ويغطي رأسها غطاء ملون. لم أستطع تحديد عمرها فأخبرتني لاحقا أنها في بداية الثلاثينات رغم أن ملامح التعب على وجهها و خشونة كفيها، تكسبها سنوات أكثر بكثير.

لم أستغرب حين سألتني “هل أنتم من المنظمات”؟ فهذا أول سؤال يطرحه الأهالي للأشخاص الغرباء.

أم (عبد الرحمن)، أخبرتني أنها أضطرت للعودة لبيتها المتفحم و المدمر، بلا كهرباء وتشرب ماء البئر المر، لعدم قدرتها سداد الأيجارالمرتفع في الجانب الشرقي بعد خروجها من المخيمات. كانت تبتسم كثيرا رغم أنها شكت لي كثيرا، مترفعة عن أن تطلب شيئا خاصا مني. قالت: أنا أمية و كنت أحلم أن يتعلم أولادي القراءة و الكتابة”.

تمنت أن يفتحوا المدارس لتعود أبنتها لمقاعد الدراسة مرة أخرى بعد أن أصبحت تبيع قناني الماء والعلكة في الشارع وسط المشردين. لم نستطع تقديم شيء لها غير الأستماع.

تحركنا بأتجاه أحياء أخرى، بدا كأن اعصارا عملاقا ضرب المنطقة وتركها خاوية. كل شيء كان جافا، بقايا الأشجار ميتة تماما و الوجوه منطفئة لا تبتسم.

الأهالي العائدون ينحصر يومهم بكيفية الحصول على الماء للشرب و نور ضعيف ينير عتمة منازلهم. المنازل محترقة تماما، المقابر الجماعية تعيش بين الأحياء. رأيت أحدهم يعيد إعمار بيته، تقابله مقبرة يطلقون عليها “أم التسعة” أسمها لايشبه ما تحتويه. قال لي الساكنون هناك أنهم دفنوا أربع الى خمس جثث في كل قبر أثناء العمليات العسكرية على المدينة.

عدد الأطفال شحيح هناك لقلة أعداد العائدين من المدنيين. رأيت طفلة تجلس على باب مخبز، كانت تأكل قطعة كعك محلى، أبتسمت لها فلم تعرف كيف تتصرف أو ترد الأبتسامة لي كما يفعل الأطفال، كانت ربما مرتبكة من تصرفي ولم أتعجب فهي لم ترى أحدا يبتسم ربما منذ زمن.

بعد ثلاث ساعات، عدنا أدراجنا مرة أخرى الى الجانب الشرقي من المدينة الذي يعج بالحياة والأنشغالات، دخلت مكانا تعقد فيه ندوة و يتجادل الحاضرون حول “جشع” الشركات التي تحول بعض أرباحها الى مشاريع بأسم الأنسانية. وأنتهى النقاش أنه لا يوجد مؤسسات تقدم مشاريع أنسانية دون أجندة فكرية ومنفعة مادية. ولم يفعل ذلك غير الأنبياء!

وأضاف أخر أن “من يريد القيام بأعمال انسانية في الموصل اليوم، عليه أن يفعل ذلك مجانا”. متناسين أن تحويل الأرباح الى خدمات نافعة للمجتمع تسمى بــ “المسؤولية المجتمعية”، وتحاول الدول اليوم دعم هذه الشركات لما لهذه الخدمات من أهمية.

غالبية المتحدثين كانوا كبارا في السن، يرتدون ملابسا نظيفة ويشربون ماء معقما ويأكلون ثلاث وجبات للطعام على أقل تقدير في اليوم. يجلسون في المقهى لساعات طويلة ويشربون فناجين عديدة من الشاي والقهوة.

أعترض شخص ثلاثيني، وأبدى رأيه محاولا النقاش ولم يفلح في أقناع المتحدث الذي قاطعه بالقول: “أنا أفهم يا بني قصدك ففي النهاية أنا أنساني ومثقف”.

كنت متعبة، جائعة إضافة الى أنني مكتئبة منذ أيام، ومع ذلك أستفزني الكلام برمته، فلا أعرف كيف يعطي الشخص لنفسه صفة الأنسانية بعد أن أنكر وجودها في الزمن الحالي.

في زمن الحروب وما بعدها، باتت كل المصطلحات بحاجة الى إعادة تعريف، ما هي الأنسانية ومن هو المثقف؟”. فأمثال (أم عبد الرحمن) لا يهمها كل هذا التنظير،  وهي تحلم فقط في العيش بسكن صغير خالي من الجثث وبعيد عن الكلاب المسعورة الباحثة ليلا عن لحم بشري متفسخ!


 

نقلا عن مجلة عراقيات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *