الجمعة , سبتمبر 21 2018
الرئيسية / أدب / حيويةُ الحُضور في مَشغَل الرّواية العَربيَّة

حيويةُ الحُضور في مَشغَل الرّواية العَربيَّة

مروان ياسين الدليمي

اي مراقب لماكنة الثقافة العربية منذ مطلع تسعينات القرن الماضي سيجد إهتماما كبيرا بالنتاج الروائي العربي بدأت تعلو وتائره من قبل مؤسسات وفعاليات ثقافية عربية في مقابل تراجع حاد برصيد الشعر،مع ان النص الشعري بقي ثابتا في مكانته العالية ولم يتزحزح منها حتى بعد ان نزح كثير من قوافل الشعراء منذ نهاية خمسينات القرن الماضي عن مضارب القصيدة الكلاسيكية باتجاه حقول قصيدة النثر ومن ثم فضاءات النص الشعري المفتوح،وبقي الشعربكافة اشكاله يحتل المركز في السياق العام لمسار الثقافة العربية وذاكرتها النرجسية لعشرات السنين،وإذا ماحاولنا تحليل هذه الظاهرة ومعرفة العوامل المؤثرة فيها فإننا سنجد من ضمن هذه العوامل التي لعبت دورا مهما بهذه الموضوعة ماحصل من تحولات ثورية كان العالم قد شهدها في مطلع العقد الاخير من القرن العشرين ، لعل ابرزها ظهور البث التلفزيوني الفضائي،واكتساح اجهزة الهاتف الخليوي والاجهزة الرقمية،فتركت هذه المفردات اثرا عميقا سلبا وايجابا في حياة الانسان الشخصية وعلى المجتمعات عموما،فكان من المنطقي ان يحصل تحولا في  مزاج الانسان واهتماماته وانشغالاته،وصولاً الى الروافد الثقافية التي تتشكل منها ثقافته،هذا اضافة الى ماشهدته المنطقة العربية من هزات عنيفة بعد غزو الكويت8 اب (أغسطس) 1990من قبل الجيش العراقي وماتركه هذا الحدث من تصدعات وانكسارات وانهيارات دراماتيكية مازالت تتفاعل وتفعل فعلها المؤثر في خارطة المنطقة الجيوسياسية والاجتماعية،وبدأنا نرى بأم اعيننا اولى ملامحها .

وبتقديرنا كان لهذه العوامل التي اشرنا اليها اثر عميق،وفي محصلته النهائية جاء لصالح الكتابة السردية بشكل عام والرواية بشكل خاص، فأمست تتسع المساحة التي تتحرك عليها وتتجذر في تربة الثقافة العربية بعد ان اصبحت هنالك ضرورة ملحة لملاحقة ورصد التحولات الهائلة التي عصفت بسكونية الواقع العربي،والسرد يملك من الامكانات التقنية مايتيح له ان يتعامل ويتفاعل مع تنوع الادوات التي باتت تحتشد بها وقائع الحياة من احداث وحكايات ورسائل ووثائق وافلام وخطابات وسجلات ومخطوطات ومذكرات،بالشكل الذي يستوعبها ويتمكن من توظيفها فنيا في بنية متخيلة دون ان يكون ذلك على حساب قيمتها الوثائقية والموضوعية،وهذا الخيار التقناتي لايتوفر لدى الشعر ، وفي ما لو توفر في النص الشعري المفتوح وقصيدة النثر فإن ذلك لن يكون على هذه الحرية التي يوفرها السرد الروائي .

يمكن القول بأن الرواية هذه الايام تعيش مرحلة انتعاش وازدهار في عموم المنطقة العربية وفي مقدمة ذلك العراق،حيث بدأنا نشهد تحولا مدهشا نحو الكتابة السردية وخاصة الرواية اكبر بكثير مما كانت عليه قبل العام 2003 ، وتشير الاحصائيات التي عمل عليها عدد من الروائيين والنقاد العراقيين الى أن مجموع ماتم إنتاجه من أعمال روائية قبل العام 2003 لم يصل الى اكثر من 140 رواية عراقية،بينما قفز هذا الرقم بعد هذا التاريخ ليصل حتى شهر تموز(يوليو) من العام 2014 الى اكثر من 500 رواية عراقية تم انتاجها خلال عشرة اعوام .

إلاّ ان هذا الكم الهائل من العناوين الروائية الذي تفاجأنا به في زمن قياسي لايمكن تصنيفه كله في خانة الادب المستوفي لشروط الكتابة الروائية اذا ما اردنا ان نكون منصفين وموضوعيين من بعد ان ندفع به الى طاولة النقد الاكاديمي،ويمكن القول أن هناك الكثير من تلك الاعمال لاتستحق القراءة لانها لاتحمل من العناصر الفنية مايؤهلها لأن توضع في المكتبة الروائية العربية.

بنفس الوقت فإن هذا الكم كان يحمل دلالة ذات اهمية تشير الى ان فن كتابة الرواية اصبح يتصدر اهتمام المواهب الجديدة من الكُتَّاب ،هذا اضافة الى بقية العاملين في ميدان الثقافة والابداع من شعراء وقصاصين وكتاب صحفيين ،حتى ان كتابة الرواية امست بمثابة مدعاة للمباهاة والتفاخر لكل من يسعى الى الشهرة وإثبات الحضور في المشهد الثقافي ،فكانت النتيجة ان تكدست على رفوف مكتباتنا الشخصية كثير من المطبوعات التي اهديت لنا من مؤلفيها باعتبارها اعمالا روائية، ولم نستطع ان نكمل قراءتها ليس لانها تتوفر على جرعة زائدة من التجريب الفني في اطار الشكل ولغة الخطاب بما يجعلها تتفوق على ذائقتنا النقدية لتضعنا بالتالي امام تحد يرغمنا على اعادة النظر فيها، انما لانها تحمل قدرا من الثرثرة اللغوية الزائدة والتخبط في التركيبة الفنية بما يدفع بها الى ان تفقد هويتها التجنيسية مما يعني فقدانها  لغة ومفردات التواصل مع القارىء،وربما  مثل هذه النتاجات يصح ان تكون اعمالا ادبية تنتمي الى اجناس ابداعية اخرى غير جنس الرواية،كأن تكون  قصيدة نثر او مذكرات  او سيرة ذاتية الى غير ذلك من اشكال الكتابة الاخرى التي تحمل بين سطورها سردا روائيا مبعثرا هنا وهناك إلاّ انها ابعد من ان تصنّف عملا روائيا ،وهذا ايضا يستدعي منّا ان لانستبعد من دائرة الاهتمام النقدي  اعمالا روائية فريدة في بنيتها الفنية غامر مبدعوها من خلالها الدخول الى مناطق جديدة من الاشتغال الفني، على سبيل المثال لاالحصر رواية(مالك الحزين)للكاتب المصري ابراهيم اصلان.

ونظرا لما تحمله تلك الاعمال من هاجس التجاوز في بنيتها ولغتها وتعاملها مع الزمن وبقية مفردات خطابها الفني نجدها دائما ماتكون حاضرة في دائرة التناول والتداول النقدي  على الاقل في اطار الحلقات والدراسات الاكاديمية حتى وإن لم تحظى بمساحة واسعة من اهتمام عموم القراء.

كان من نتائج هذه الفورة الروائية ان انتجت لنا عديد الاسماء الجديدة وفي اكثر من بلد عربي، وقد بدأ على هذه الاسماء انها تملك موهبة  وامكانية حرفية بما يجعلها قادرة على ان تقدم لنا اعمالا تستحق القراءة والمتابعة النقدية لما تحمل في داخلها من توق الى التحديث في بنية الخطاب الفني سواء من حيث اللغة التي ابتعدوا فيها عن الصيغ البلاغة الزخرفية اومن حيث تقنيات السرد التي ركزوا عليها وباتوا يولونها اهمية في تشكيل معمار الرواية وفي مقدمة ذلك تقنية التبئير أو وجهة النظر(حسب الناقد جيرار جينت)التي يسرد من خلالها الكاتب خطابه الروائي، هذا اضافة الى انهم بدأوا اكثر حرصا على ان ينتظم عملهم بالشكل الاحترافي، لذا نجدهم في غاية الحرص على أن يقدموا للقراء عملا روائيا جديدا كل عام ،وهنا لعبت جوائز ومسابقات الرواية دورا اساسيا في ذلك والتي لم تكن موجودة حتى مطلع القرن الواحد والعشرين.

لسنين طويلة كان المشغل الروائي يعاني من ضعف في خصوبته وماكان امامنا سوى اسماء معينة بقيت تتسيد المشهد عقودا طويلة ودائما ماكان القراء يتطلعون اليها بكل اهتمام وفخر وينتظرون منها اعمالا جديدة وعادة ماكانت اعمالهم ترى النور خلال فترات زمنية متباعدة،ويقف الكاتب المصري الكبير نجيب محفوظ في مقدمة هذه الاسماء الى جانب اخرين لم يستطيعوا رغم موهبتهم وامكاناتهم ان يزاحمونه على المساحة والمكانة الجماهيرية الواسعة التي بقي يهمن عليها لاكثر من نصف قرن،وربما مايزال محفوظ  يشكل رقما صعبا من حيث عدد القراء الذين يبحثون عن رواياته لانهم يجدون فيها متعة الحكي والسّرد  نظرا لِما تحمله من خصوصية فنية مشبعة بالعلامات المحلية سواء من حيث الشخصية التي اكتسبت وبامتياز بصمة  نجيب محفوظ او من حيث الفضاء المكاني  الذي تدور بين اروقته  الاحداث والحكايات، هذا اضافة الى ماتحمله من احتفاء بنزعة التمرد الانساني على السلطة في اشكالها المختلفة الدينية والاجتماعية والسياسية .

لابد من التوقف هنا أمام نماذج روائية خرجت علينا خلال العقدين الأخيرين قادمة من منطقة الخليج العربي وهي ارض بكر تعدنا بالكثير ،لم يكن لهذه المنطقة حضور يذكر في الانتاج الروائي حتى منتصف تسعينات القرن الماضي ــ باستثناء الكويتي اسماعيل فهد اسماعيل ــ  حيث بدأت تعلن عن نفسها  وتفرض حضورها بما  يدعو لمتابعتها عبر عدد من الاسماء  ـــ كتَّاب وكاتبات ـــ بناء على ما حفلت به نتاجاتهم من تفاعل واستيعاب للمنتوج الروائي العالمي نتيجة اتقان اكثريتهم للغة الانكليزية وبعضهم تخرج من جامعات اميركية واوربية ،ومن هنا حفلت نتاجات عدد منهم  بارهاصات الكتابة الروائية الحديثة من حيث الوعي بتقنياتها هذا اضافة الى ماطرحته من  اسئلة  منها مايتعلق بتجديد لغة وآليات السرد ومنها مايتصدى للواقع .

إن التجديد في تقنيات الكتابة السردية في المنتوج العالمي في اطار الخروج عن التنميط والمحددات النقدية دائما ما فرض على الروائي العربي أن يعيد النظر في مشروعه الروائي منذ ان دخل هذا الجنس الادبي مشغل الثقافة العربية،ليكون هاجسه الدائم البحث في  آليات اشتغاله عن طرق مختلفة في تلقي العمل الادبي القائم على بنية مركبة بما يضعه في حالة انسجام مع عصره الذي تداخلت فيه الطرز الادبية مع بعضها البعض،ولتتقدم علاقة الكاتب الثقافية والانسانية التي يتفاعل من خلالها مع الواقع بمحتواها وشكلها الى مايتوق اليه في أن يخرج بمقدمات فنية تحمل ملامح التجاوز على ماهو معطى من اساليب سبق للرواية العربية أنْ اجابت عليها وقدَّمتها في نماذج مهمة طيلة مسار تاريخي قطعته خلال رحلة تأسيسها ومحاولات تجذُّرها في بنية الثقافة العربية منذ مطلع القرن العشرين .

 

شاهد أيضاً

الفساد في الرأس!

  محمد سيف المفتي استغرب من حكوماتنا عندما تقف مبهوتة أمام غليان الشعب، هذا الشعب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *