الإثنين , أبريل 23 2018
الرئيسية / أدب / رمزية الصورة الشعرية في تجربة معد الجبوري

رمزية الصورة الشعرية في تجربة معد الجبوري

أسامة غانم

تمثل التجربة الذاتية للشاعر معد الجبوري في ديوانه الأخير “في مهب دمي” ، مرجعية: تاريخية-سياسية-سوسيولوجية في آن واحد، لذا علينا دراسة النص الشعري بناءاً على وسائل الاتصال، لكي يتمكن القارئ بواسطتها من التواصل مع واقع الشاعر الذي يمثله، ومدى تأثير النص الشعري فيه، لقد أدخل الناقد كينيث بيرك في الحوار النقدي حول الشكل مصطلح “المعنى الشعري” الذي يعني إيقاظ توجهات معينة في القارئ بواسطة ما أطلق عليه بيرك “استراتيجية الاتصال”، لقد ساوى بين التأثير للنص والمعنى الشعري الذي يحدثه النص، عليه ينبغي فهم النص كمجموعة من العلامات والرموز الموزعة لتوجيه مخيال القارئ، بالإضافة إلى جدلية العلاقة بين الشعر والواقع، فهي علاقة صميمية، ومتعددة الأبعاد كذلك، فالشعر في جدليته (=ثوريته) إما أن يمثل الواقع أو أن يعيد صياغته أو أن ينشئ واقعاً جديداً، ما كان له أن ينشأ من دونه، وهذا يجعل الشعر يؤدي وظيفته كعلامة ورمز بين الشاعر والقارئ، بان يستنطق القارئ النص بما فيه، ويحاوره، فإن الاستنطاق يعني فهماً أعمق للذات القارئة، وكذلك عند استكشافه للنص فهو يستكشف ذاته، والمسكوت عنه، والمتغاضي عنه، عندئذ يعثر على المختفي (= المختبيء) في داخله، ليشكل كل ذلك رؤيته عن العالم وعن ذاته.
وعليه، تمكن معد الجبوري أن يؤرخ للحظة (حقبة استثنائية فريدة) في تاريخ العراق الحالي، عندما حول هذه اللحظة المظلمة إلى نصٍ شعري، معتمدة (متكئة) على الذكريات المغمسة بالدم، والحاضر المغمس بالتحدي، والآتي المغمس بالترقب والأمل لبلد مسكون بالموت والخرائب والدمار أسمه العراق.
فالشاعر معد الجبوري أحس بالمسؤولية الأخلاقية والتاريخية تجاه ما يجري وتجاه الحقيقة، ومن خلالها ينبثق الشعور بالحرية، لأن الحس التاريخي يجبر الإنسان على الكتابة، لا ضمن تقاليد جيله بالذات فحسب، بل وبوعي متزايد واستشراف اللحظة والوقوف في مهب الآتي، وبأن كل الشعر الحديث المبلل بروح الإنسان في العالم: مايكوفسكي، لوركا، نيرودا، اركون، ياتيس، ميلوش، وفي العراق: السياب، البياتي، فوزي كريم، بلند الحيدري، الصائغ، فاضل العزاوي، الخ، يتمتع بوجود متزامن، ويؤلف ترتيباً متزامناً، هذا الحس الذي هو شعور بالخلود مثلما هو شعور بالفناء (=الغياب)، يجعل من معد الجبوري يمتلك وعياً كبيراً تجاه موقعه في الزمن، وتجاه عصره، ووطنه، وهذا مكنه من أن يمتلك أيضاً حرية واسعة في إعطاء لغته الشعرية بناءاً متجانساً وقوة في تشكيل (=تخطيط) الصورة الشعرية، مع غنائية متناغمة رصينة، لان الشعر هو الشاهد على حقيقة الحرية الإنسانية من خلال “الثروة الهائلة من الاحتمالات التي يطرحها، انه يمثل اللغة التي تحررت من الواقع فانطلقت(1).
ومنذ البداية أقول أن قراءتي تتفق مع مقولة الناقد بول دي مان: “عملية القراءة حري بها أن توضع فيما بعد عملية الفهم”، وهذا ما ينطبق تماماً على ديوان “في مهب دمي” فمن المستحيل ان تستبق القراءة الفهم، فالفهم يكون هنا سبّاقا ومتوازياً مع القراءة في الوقت ذاته، لانه معتمد بالأساس على الرمزية-التأويلية، التي حولت الواقع إلى رمز، فعند القراءة المسبوقة بالفهم يتحلل الرمز ويتفكك، عملية تبادلية تكون هكذا:
الواقع الرمز
متداخلة، تمنح القارئ نتائج إيحائية في كشف أسرار الحقائق، والمعرفة في كيفية اختيار الأسئلة الملائمة التي يوجهها لها، فالقصيدة المرمزة المبطنة عند معد الجبوري لانستطيع ان نستشف أغوارها ونكتشف أعماقها إلا بمفهومية القراءة، فالقصيدة كما قلنا عبارة عن مجموعة من العلامات والرموز التي تتوزع على إحدى الصفحات.
ان قصائد الديوان تتوزع على ثلاثة محاور رئيسة: الانا – الاحتلال – المرأة، ولعل اغلب القصائد تحتوي على محورين أو أكثر، مثل قصيدة: رحلة ثامنة، في مهب دمي، نجم يتيم، مرايا الألوان، وجه آخر لابن دانيال.
فمنذ القصيدة الاولى(رحلة ثامنة) تواجهنا الانا الواعية الباحثة بين ذكرياتها واوراقها القديمة، عن الطفولة المعسّلة وماضي رغيد:
ولكنني عدتُ،
احمل صُرْة عمري
الى حضن ذاك الصبيِّ،
الذي كان غادرني،
ذات غُرّهْ..
أطارده مرةّ،
واناديه مَرَّهْ:
تعال.. تعال
أسكب حفنة العطر
التي بقيت بكفي..
هنا يمكن العثور على “معنى الحياة في التشكيل المتواصل لوعي الذات وإعادة تشكيله في عملية تأويل مستمر”(2)، لتمتد وتتماهى، مع أسطورة السندباد ورحلاته السبع، فالأسطورة رؤية للإنسان والعالم، وهي المعبرة عن نظام كوني وإنساني، ولتكون الأنا هذه صرخة ممزوجة بالتحدي والحلم:
أنا السندباد…
الذي حمل الطين والياسمين..
الى جزر
لم يحط بها طائر الحلم
من قبل
ففي صُرتي بُعد،
ستون طائر حُلْم
وستون زهرةْ..
يفعل معد الجبوري، كما فعل السندباد.. فكانت المغامرة (=الحياتية والشعرية) رائده، والمحاولة (=الخروج على السياقات) مرشده، وخوض المجهول (=التجريب) متعته، ورحلته الثامنة ما هي إلا رحلة ملحقة للرحلات السبع للسندباد، ولكن في هذه الزهرة الستون يتحول الحلم إلى كابوس مخيف، رغم ذلك يبقى التشبث بالتحدي الممزوج بالخلود متناسلاً، وتبقى نار بروميثيوس ومردوخ مشتعلة لإضاءة المسالك الضيقة، ويبقى كلكامش/العراقي الأصيل الباحث عن الخلود في مدنه: اور-بابل-نينوى، المتجذر فيها، وفي ذاته الإنسانية الكونية عبر الأزمنة:
انا العنقاء..
أولد من رمادي
هذا أنا،
أعدو .. وأعدو،
في مهب دمي
استمرارية بالانبعاث.. واستمرارية بالتجذر في التراب والروح، واستمرارية الانبعاث من الظلام مهما امتد.. وطال.. فالاحق ملحق بالسابق.. من مغول وانكليز.. وطعينُ اليوم يصبح مطعانُ الغد:
وأنا منفي العينين،
طعينُ حتى اعماقي
برماح مغول الامس،
ومنْ خانَ،
ومن هانَ
ساعود..
أعودُ..
أعودُ
أضمُّ ثرى بلدي
هذه الصورة الشعرية للانا، هي التي “تتخطى الأشياء، محاولة القبض على حقائق الأشياء المستترة”(3)، فهنا يخلق الشعر نوعاً من تعقيد المعاني بحيث انه يتيح الحد الأقصى من احتمالات التأويل-المرمز، لان المعنى المفهوم للنص هو حدث يكون بالضرورة نتاجاً لإدماج وتفاعل الآفاق التي يحققها النص مع القارئ معاً، ولذا تكون الصورة الشعرية كما يقول
أ. ريتشاردز: تمثل الجوهر الدقيق للغة الحسية.
وعندما نقرأ “في مهب دمي” القصيدة التي حمل الديوان أسمها، والتي تعتبر محور (=جوهر) الديوان بما تحتويه من الصور الشعرية (الاستعارة-المجاز-التشبيه-التلميح)، والعلامات والرموز، والبؤرة المكثفة، وليس ذلك فحسب بل تعبر عما اراده الشاعر، وعن الواقع من خلال الرؤية الحقيقية للوضع الراهن، عبر الترميز المكثف ايضاً، مختزلة متمحورة في : الاحتلال-الذات (=الجمعية ايضا):
هلعاً،
اهمْهم في البراري،
مثل فحل ضيع الأنثى،
اكنتُ نايتُ،
أم افردت كالطلل القديم،
أم انغلقت عليَّ كالحجر الكريم،
فلم يعد احد يراني،
وأمحت حتى ظلالي؟
هذا أنا،
واسحل خلف ظهري جُثتين:
الامس.. مبتور اللسان
وحاضر اقدامه عميتْ
وساخت في الرمال
هنا تتطابق حالة جديدة من الوعي، إدراك وشعور جديد لماهية الشعر، ولعلاقته مع الآتي، عند كل مستوى في: اللغة-الأسلوب-التركيب، فان البحث عن الحاضر، عن اليومي، يؤدي إلى الكشف عن التشكيل الجديد، والوضع الجديد، لان هنالك “ثمة ما هو خارج النص! ثمة تاريخ، ثمة سلطة”(4)، وثمة مقاومة، ولان الكتابة “صراع ومقاومة ومقاومة، الكتابة صيرورة”(5)، فقصيدة “في مهب دمي” متلبسة بالتمرد والحرية والنضال المتواصل، كونها صرخة مرعبة في زمن العولمة.
أصيح بالغضب،
الذي غطى براري الروح:
ياغضب اتقد فيَّ
اتقاد عيون ليث حاصروهُ،
ويا خطى تمضي،
الى مدنٍ بلا أغلال،
مري من خلالي..
في قصيدة “مرايا الألوان” تكشف القصيدة عن وعي عميق لأهمية الألوان وتحولاتها في تجربة الشاعر، المحكومة بطاقة المخيلة والواقع اليومي، وتفجر هذه التحولات في المقاطع الستة عند الاستخدام، والقيام بتوظيف اللون بوصفه رمزاً يعيد تأسيس الواقع على هيئة علامات دالة في الموقف تجاهها(6).
لقد تفنن معد الجبوري في تشكيل لوحات ايحائية مرسومة بالألوان، نلاحظ فيها بشكل يثير الانتباه، ان هنالك توزناً محسوباً بين المخيلة والواقع، فلا المخيلة ألغيت الواقع لتكوّن عوالم متخيلة تجريدية، ولا الواقع طمس المخيلة أو طغى عليها، للوقوع في فخ الواقعية الساذجة والمباشرة، فكانت الألوان هنا نابعة (=مستمدة) من التجربة/الداخل والحقيقة/ الخارج، لتصبح رموز لها معان مرجعية.
يقول بول ريكور “ان نقرا، يعني ان ننتج خطاباً جديداً وان نربطه بالنص المقروء، يكشف قدرة أصيلة على استعادة الخطاب ذاته بشكل متجدد، وهي التي تعطي خاصيته المفتوحة على الدوام”(7).
انهضْ..
يا مُهراً ابيض،
يكبو.. ويحَمحِمُ،
في صحراء سوداءْ..
عودي يا امرأة الأبنوس،
وخذيني للغرق الفاتن،
أيتها اللؤلؤة السوداءْ..
من الممكن أن نستخرج من خلال قراءتنا لهذه الأبيات، والأبيات اللاحقة، ثنائية اللون، التي تكون متناقضة في المعنى الشعري، والمختلفة في دلالة الرمز، فالابيض هنا ما هو الا هو /الرجل/الإنسان، الطالب للسلام، أو الإنسان الصانع لتاريخه، بينما يكون اللون الاسود هي /المرأة/الإنسان، “جسداً غضّ العُود”، ويكون فيه قرائية منحرفة عن السياقات العامة، مع انحراف في المعنى، ولانها تحتوي على صور متداخلة، متناغمة، كقطع الزجاج الملون التي تعكس اشكالاً رمزية.
قُضي الامرُ،
في كل زاوية بُقعةُ من دمٍ،
سكينه بعدُ حمراءُ،
قبضته بعدُ حمراء،
يا كلماتي التي ما تزال تفورُ،
وتخضرُّ؟
مدي جذورك،
أعمق.. أعمق
مغايرة وانحراف في رمزية اللون الأحمر، فان الراية الحمراء تمثل الثورة، والكفاح، والانتفاضة بينما هنا الأحمر يرمز إلى صورة مغرقة بالبربرية الوحشية، لتعلن عن الموت والمأساة، بعكس الأخضر: الكلمة/الانثى/الحياة، اما الأصفر فيرمز إلى الذبول، والانكماش، والى النضوج، مفارقة رائعة في الصورة الشعرية، ومفارقة في المعنى، كما قلت انها صور متداخلة متناغمة، تدل على امكانية عالية وقدرة في التعبير عند معد الجبوري الشاعر.. هكذا:
تصفر الأوراقُ،
فتساقطُ،
تصفرُّ حقول القمح،
فتحصدُ،
يصفرُّ الليمونُ،
فيقطفُ،
والعودُ، فيكسرْ..
المدن كالنساء، مختلفة في الطعم، والمذاق، وبعضها يكون كالوشم المحفور عميقاً في الروح والذاكرة، كمدينة الموصل التي تتميز بانها تكون متوغلة في المولود فيها، فنحن نلمس حالة صوفية من التوحد والفناء في آن، بين الشاعر والمدينة /الموصل-نينوى-أشور، وعلاقة عشق بين الاثنين عنيفة، بحيث ان مجموعته “في مهب دمي”، تكون مليئة بمعالم المدينة، باب سنجار-باب العراق-باب الجديد (من الأبواب السبع للمدينة)، بوابة نركال (الأشورية)، جامع نور الدين (العهد الاتابكي)، الثور المجنح، قلعة باشطابيا-ابن دانيال (الشاعر الذي هاجر من الموصل إلى مصر، بعد احتلال المغول مدينته)، فيقول فيه:
الا أيها الموصلي ابن دانيال
لم اقُلْ، وانا مطرقُ:
اين صوت القصائد؟
لا صوت أكبرُ،
من صوت جُرح العراق،
وفي توحده مع المدينة، حيث لا نستطيع ان نفرق بينهما، أيصبح هو المدينة؟ أم تصبح المدينة هو؟
واسمي محفورٌ
بالخط المسماري
على حجر في (بوابة نركال)،
وأسمي منقوش،
بالخط الكوفي،
على ركن السور الغربي
في جامع نور الدين
إن المجموعة الشعرية “في مهب دمي” ما هي إلا امتداداً للمجموعة الشعرية “حرق في فضاء الارق”، من حيث الرؤية، والقضية، والوجع إلى حد تفتيت الروح، والمرارة والمعاناة نحس بهما عميقاً في الذات، ولكن المجموعة الأولى تبدو بنية متناسقة، متماسكة، مع نضوج أكثر قوة للكمال الفني، تتناسب فيها المحاور، وتتوازن المستويات المختلفة، لتتوحد في شعرية حقيقية، ولتكون فيها الصورة الشعرية الرمزية وسيلة خلق وإبداع.. واكتشاف العالم بالسحر الشعري واكتشاف الشعر بالسحر الأنثوي.
– رويدك،
كيف أبعُدُ عنك سيدتي؟
هواك وهذه الكلمات سيان
أنظري
لم لمْ تكوني لمْ يكنْ شعري
الهوامش والإشارات
1- تيري ايجلتون-كيف تقرأ القصيدة، ت مصطفى ناصر، مجلة الثقافة الأجنبية، العدد 3/2008، بغداد.
2- جيفري. ك. اوليك- الذاكرة الجمعية، ت عبد الستار جبر، مجلة الثقافة الأجنبية، العدد 2/2009، بغداد.
3- د. رجاء عيد- دراسة لغة الشعر-منشأة المعارف بالإسكندرية، 1979، ص32.
4- جونثن كلر- الدعوة إلى التاريخ، ترجمة سهيل نجم، مجلة الثقافة الأجنبية، العدد 2/2009، بغداد، الاستشهاد يعود لميشيل فوكو.
5- جيل دولوز- المعرفة والسلطة- ت سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، 1987، ص51.
6- اسامة غانم- البنية الجمالية والدلالة الأسطورية، مجلة الموقف الثقافي، العدد 38/2002، بغداد.
7- بول ريكور- النص والتأويل، ت منصف عبد الحق، مجلة العرب والفكر العالمي، العدد 3 مركز الإنماء القومي، بيروت، 1988، ص47.
* في مهب دمي – اتحاد الكتاب العرب – دمشق 2008.

____________

نشر اول مرة في موقع الحوار المتمدن

____________

أسامة غانم: ناقد عراقي من الموصل

شاهد أيضاً

أكبر طاقة كامنة في العالم

    بقلم: سيكمون أوس / Sigmund Aas ترجمة محمد سيف المفتي استوقفني مقال سيكمون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *