السبت , أغسطس 18 2018
الرئيسية / آخر الأخبار / شارع النجفي قلب الموصل الثقافي

شارع النجفي قلب الموصل الثقافي

حارث العباسي

يعتبر شارع النجفي من أهم اسواق مدينة الموصل ، وهو من الشوارع التي تأسست قبل عقودٍ من الزمن ، أمتاز الشارع في بداية نشأته بتنوع الحرف والمحلات فيه ، وغلب عليه أن يكون شارعاً للمثقفين وبيع الكتب ، فقد أصبح قبلة للقراء والكتّاب والمفكرين ، وهو كذلك مكانٌ لبيع القرطاسية المدرسية ، فيقصده مع مطلع كل عام دراسي طلاب المدارس والمعاهد والجامعات.

تاريخ بناء الشارع :-

في مطلع القرن التاسع عشر ، وتحديداً سنة 1913م عندما قرر والي الموصل ( سليمان نظيف باشا ) فتح شارع يربط بين شارع نينوى وشارع المحاكم ( العدالة حالياً ) ، وكان العجلات ووسائط النقل تمر من خلاله منذ افتتاحه الى اغلاقه بداية السبعينات واقتصاره على مرور المشاة .

وقد قام الإنكليز بتوسعة الشارع سنة 1918م على يد الكولونيل لجمن وهو أول حاكم إنكليزي للموصل ، وقد استقدم السجناء لتكسير الحجر ، يذكرها الكاتب واثق الغنضري في مقالٍ له عن شارع النجفي .

ويستمر الشارع في ازدهاره وتطوره ، فقد قامت أسرةُ النجيفي سنة 1959م الى هدم بيتها القديم والمحلات الكائنة على جانبي الشارع وقد شيدت بدلاً عنهما عمارتين متقابلتين .

كما تبعهم بنفس العمل عائلة عبد الباقي الشبخون ، إذ شيدوا عمارة الشبخون سنة 1984م .

ويستمر الشارع بتطوره وتوسعته ، وخصوصاً مع تقدم عجلة الحياة فقد قامت بلدية الموصل سنة 2008م بتسقيفه وترتيب أرضيته .

 

سبب تسمية الشارع بالنجفي :

تعود نسبة النجفي الى عائلة سكنت بهذا المكان ، تسمى بالنجفي أو النجيفي ، فقد كان بيتهم تبلغ مساحته 1200 متر مربع، وقد قاموا باستقطاع الجزء الاكبر من البيت لبناء الشارع .

أما تسمية عائلة النجيفي بهذا الاسم ، فتعود الى اشتقاقه من قرى النجيفيات في الشام ، وقد قدمت الأسرة مع السلطان مراد الرابع في حملته العسكرية لتحرير بغداد من الإحتلال الفارسي .

ولا يزال الشارع يطلق عليه هذا الإسم ولكثرة التداول أصبح الشارع النجفي بدل النجيفي لسهولة اللفظ .

ما هي أهم المكاتب الثقافية في شارع النجفي :-

يعد الشارع من الشوارع والأسواق الحيوية في مدينة الموصل ، واشتهر الشارع ببيع الكتب والقرطاسية ، ولكنّ الشارع لا يقتصر على بيع الكُتب ، فيباع فيه أيضا الحلويات والذهب ، ولكن الطابع الثقافي غلب عليه ومن أشهر هذه المكاتب هي :-

مكتبة الأهالي التي كان صاحبها عبد الرحمن نصار أبو عوف من أهالي الناصرية ويتحدث باللهجة البغدادية ، يهتم ببيع الكتب القيمة والمجلات المصرية ، ومكتبة الأمل لصاحبها عصام محمد عبد الله ، ومكتبة العصرية لآدمون الصائغ ، ومكتبة العروبة لصبحي ، ومكتبة الموصل لشمس الدين السيد حاتم ، ومكتبة المسيرة لقيس قاسم بشير ، ومكتبة محمد ثامر ، ومكتبة الأمين لسيد علي أحمد الغنام ، والمكتبة الوطنية لزهير ووالده شاكر شنشل ومكتبة أبو بكر لصديق قاسم محمد لبيع الكتب الدينية .

ولم يقتصر الشارع على بيع الكتب ، بل كان هناك أهتمام واضح ببيع الصحف والمجلات ، ومن هذه المكتبات ، مكتبة أزهر الطائي وعبد فتاح جسام ( أبو بسّام ) في مدخل شارع النجفي ، ومكتبة علي محمود مقابل جامع العباس ، ومكتبة مجيد ، فيما تخصصت مكتبات أخرى ببيع بطاقات اليانصيب التي كانت تشهد إقبالاً كثيراً في تلك الأيام ، يقتنيها طالبوا الحظ السعيد املاً بالفوز بمبلغ كبير دون جهد وعرق .

هذه أهم مكتبات وقد تستحدثت فيما بعد مكتبات أخرى كانت مشهورة بين الكتاب ، كمكتبة وقدالحكمة ومكتبة واثق ومكتبة المدينة المنورة وغيرها من المكتبات الأخرى التي بقيت قائمة الى آخر أيام الموصل قبل تحريرها من داعش .

ما هي أهم الحرف والمحلات في شارع النجفي :-

لم يقتصر شارع النجفي على بيع الكتب إطلاقاً ، وإنما غلب عليه ذلك بسبب توافد المثقفين وتواجدهم فيه بشكل كبير ، وإنما الشارع كان ذا تخصصاتٍ متعددة ، كان فيه باعة الأحذية وصيّاغ الذهب ، والحلاقين والمطابع والمصورين ، ولو عدنا الى أقدم هذه الحِرف والمحلات في الشارع لوجدنا هذه الاختصاصات واضحة منذ دخولك للشارع وفي جولة سريعة في أزقته ستجد هذا التنوع واضحاً وجليّاً للزائر ، ولكي نسلط الضوء على ابرز هذه الحرف والمحلات ، وقد ذكر المورخ أزهر العبيدي أهم هذه الحِرف ننقلها باختصار من المصدر :-

1.خياط الفرفوري ، كانت عبارة عن دكان صغير في مدخل الشارع الأيمن ، لـ ( عمّا علي ) صاحب المهنة التراثية ، فقد كان يجلس على الأرض ، ويعمل في خياطة الآنية الزجاجية من الخزف الصيني بخيوطٍ معدنية بعد تثقيبها بمثقب يدوي .

2.البقال عبد الجبار ومحمد علي ( أبو الكيك ) بائع الكعك الذي اشتهر بمرحه ونشاطه الفني في الليالي الملاح ، وكان هذا البقال بجانب ، خياط الفرفوري ( عمّا علي ) .

3.عيادة الطبيب نافع الخيّاط ، وفتحت كذلك صيدلية عبد الموجود ، بعد أن كان أمتلاك الصيدليات يقتصر على المسيحيين واليهود .

4.محلات التصوير ، والتي منها ستوديو الخيام لصاحبه فوزي حسين الجبوري ، وستوديو محفوظ لصاحبه محفوظ أحمد ، وستوديو الداغستاني لصاحبه غازي الداغستاني ، ومحل تصوير إبراهيم درويش ( أبو ناصر ) .

5.الخطاطين والمجلدين ، ومنهم الخطاط الاطرش نوري سعيد ، ومجلدان للكتب ( مُصحَّف ) أحدهما أحمد أسماعيل ، والآخر الحاج محمد ( أبو قيس ).

6.المطابع ويتواجد عدد كبير من المطابع في الشارع وأهمها : مطبعة الجمهور ، ومطبعة الزهراء .

7.الحلاقين ، وابرزهم الحلاقان ، حسن وعلي ، والحلاق حمودي ( أبو رعد ) وسليم الحلاق .

8.وقد تميز القسم الشمالي من شارع النجفي ، بوجود عددٍ كبير من الصاغة بسبب قربه من سوق الصياغ ، وعدد من باعة الحلويات والشكرجية ، بالإصافة لعدد من محلات الأحذية والخياطة ، ومحل لبيع الزجاجيات للتاجر عبد الكريم اليوزبكي .

بعد استعراض أهم المحلات والحِرف في شارع النجفي ، يبقى الشارع الى يومنا هذا يشهد التنوع في كل هذه الاشياء ، لكن الشارع غلب عليه بيع الكتب والقرطاسية المدرسية والمطابع وغيرها ، ولكن بقيّة الحِرف بقيت تستمتع بجزءٍ من الشارع ولكن بنسب مختلفة .

شارع النجفي بعد احتلال داعش للموصل:

معلوم أن داعش تدخل بتفاصيل حياة الناس وسلوكياتهم ، ولم يترك جزئية إلا وحشر أنفه فيها ، فبعد سيطرته على الموصل توقفت الحركة العلمية والفكرية ، فأغلقت المعاهد والجامعات والمدارس ، والمراكز الفكرية والتعليمية ، إلا التي كان تبث سم وشر الفكر الداعشي ، فاصبح شارع النجفي خالياً من رواده الذين كان معظمهم يراتدون الشارع لإقتناء الكتب أو القرطاسية المدرسية أو طباعة الكتب أو المختصرات ، أصبح الشارع خالياً من رواده ، فما عادت ضالتهم موجودة ، فقد قام داعش بحظر العديد من الكتب التي لا تنسجم مع فكره ، وبقي رواد الكتاب والقراءة والمثقفين ، ينتظرون لحظة زوال هذا التنظيم ، ولإن دوام الحال من المحال ، فقد تحررتْ الموصل وعادت لأهلها ، ولكن للأسف خرج شارع النجفي عن الخدمة ، واصبح ركاماً بعضها فوق بعض ، فالحياة العلمية والفكرية تعرضتْ للإبادة كما تعرض البشر ، وقد غاب رواد الشارع لمواسم دراسية عديدة ، على أمل أن يرتدوه بعد التحرير ، لكن هذه المرة جرت الرياح بما لا يشتهي العقل والمنطق ، فآلة الحرب لا تفرِق بين الفكر والحجر والبشر ، فهي تحصد الجميع ، وما زال الشارع مغلقاً الى يومِنا هذا ، بعد عقد كامل من الزمن على تأسيسه .

بعد قرنٍ كامل لم يبقَ الشارع على حاله وغدا الشارعُ خاوياً على عروشه ، يشكو الى الله ظلم الظالمين ، بما فعلوه فيه ، فانتقلت بعض محلاته الى شارع المجموعة الثقافية ، فيما أقام بعض المثقفين على جدار جامعة الموصل ما يعرف بـ ( رصيف الكتب ) ، فيما نظم مجموعة من الناشطين حملة لتنظيف الشارع ، وقد رفعوا شعار : ( عندي أمل ) ، وتبقى الأنظار متوجهة صوب الحكومة المركزية أن تقوم بإعادة إعمار هذا الشارع التاريخي القديم ، ويبقى الأمل أن يشهد مطلع العام الدراسي تواجد الطلبة لإقتناء القرطاسية وحاجيات الدراسة .

شاهد أيضاً

شُكرًا للدراما السورية

  زينب علي البحراني لا شيء يملك تلك المقدرة السحرية على حِفظِ رائحة وطنٍ من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *