الجمعة , سبتمبر 21 2018
الرئيسية / آخر الأخبار / شارع النجفي قلب الموصل الثقافي

شارع النجفي قلب الموصل الثقافي

حارث العباسي

يعتبر شارع النجفي من أهم اسواق مدينة الموصل ، وهو من الشوارع التي تأسست قبل عقودٍ من الزمن ، أمتاز الشارع في بداية نشأته بتنوع الحرف والمحلات فيه ، وغلب عليه أن يكون شارعاً للمثقفين وبيع الكتب ، فقد أصبح قبلة للقراء والكتّاب والمفكرين ، وهو كذلك مكانٌ لبيع القرطاسية المدرسية ، فيقصده مع مطلع كل عام دراسي طلاب المدارس والمعاهد والجامعات.

تاريخ بناء الشارع :-

في مطلع القرن التاسع عشر ، وتحديداً سنة 1913م عندما قرر والي الموصل ( سليمان نظيف باشا ) فتح شارع يربط بين شارع نينوى وشارع المحاكم ( العدالة حالياً ) ، وكان العجلات ووسائط النقل تمر من خلاله منذ افتتاحه الى اغلاقه بداية السبعينات واقتصاره على مرور المشاة .

وقد قام الإنكليز بتوسعة الشارع سنة 1918م على يد الكولونيل لجمن وهو أول حاكم إنكليزي للموصل ، وقد استقدم السجناء لتكسير الحجر ، يذكرها الكاتب واثق الغنضري في مقالٍ له عن شارع النجفي .

ويستمر الشارع في ازدهاره وتطوره ، فقد قامت أسرةُ النجيفي سنة 1959م الى هدم بيتها القديم والمحلات الكائنة على جانبي الشارع وقد شيدت بدلاً عنهما عمارتين متقابلتين .

كما تبعهم بنفس العمل عائلة عبد الباقي الشبخون ، إذ شيدوا عمارة الشبخون سنة 1984م .

ويستمر الشارع بتطوره وتوسعته ، وخصوصاً مع تقدم عجلة الحياة فقد قامت بلدية الموصل سنة 2008م بتسقيفه وترتيب أرضيته .

 

سبب تسمية الشارع بالنجفي :

تعود نسبة النجفي الى عائلة سكنت بهذا المكان ، تسمى بالنجفي أو النجيفي ، فقد كان بيتهم تبلغ مساحته 1200 متر مربع، وقد قاموا باستقطاع الجزء الاكبر من البيت لبناء الشارع .

أما تسمية عائلة النجيفي بهذا الاسم ، فتعود الى اشتقاقه من قرى النجيفيات في الشام ، وقد قدمت الأسرة مع السلطان مراد الرابع في حملته العسكرية لتحرير بغداد من الإحتلال الفارسي .

ولا يزال الشارع يطلق عليه هذا الإسم ولكثرة التداول أصبح الشارع النجفي بدل النجيفي لسهولة اللفظ .

ما هي أهم المكاتب الثقافية في شارع النجفي :-

يعد الشارع من الشوارع والأسواق الحيوية في مدينة الموصل ، واشتهر الشارع ببيع الكتب والقرطاسية ، ولكنّ الشارع لا يقتصر على بيع الكُتب ، فيباع فيه أيضا الحلويات والذهب ، ولكن الطابع الثقافي غلب عليه ومن أشهر هذه المكاتب هي :-

مكتبة الأهالي التي كان صاحبها عبد الرحمن نصار أبو عوف من أهالي الناصرية ويتحدث باللهجة البغدادية ، يهتم ببيع الكتب القيمة والمجلات المصرية ، ومكتبة الأمل لصاحبها عصام محمد عبد الله ، ومكتبة العصرية لآدمون الصائغ ، ومكتبة العروبة لصبحي ، ومكتبة الموصل لشمس الدين السيد حاتم ، ومكتبة المسيرة لقيس قاسم بشير ، ومكتبة محمد ثامر ، ومكتبة الأمين لسيد علي أحمد الغنام ، والمكتبة الوطنية لزهير ووالده شاكر شنشل ومكتبة أبو بكر لصديق قاسم محمد لبيع الكتب الدينية .

ولم يقتصر الشارع على بيع الكتب ، بل كان هناك أهتمام واضح ببيع الصحف والمجلات ، ومن هذه المكتبات ، مكتبة أزهر الطائي وعبد فتاح جسام ( أبو بسّام ) في مدخل شارع النجفي ، ومكتبة علي محمود مقابل جامع العباس ، ومكتبة مجيد ، فيما تخصصت مكتبات أخرى ببيع بطاقات اليانصيب التي كانت تشهد إقبالاً كثيراً في تلك الأيام ، يقتنيها طالبوا الحظ السعيد املاً بالفوز بمبلغ كبير دون جهد وعرق .

هذه أهم مكتبات وقد تستحدثت فيما بعد مكتبات أخرى كانت مشهورة بين الكتاب ، كمكتبة وقدالحكمة ومكتبة واثق ومكتبة المدينة المنورة وغيرها من المكتبات الأخرى التي بقيت قائمة الى آخر أيام الموصل قبل تحريرها من داعش .

ما هي أهم الحرف والمحلات في شارع النجفي :-

لم يقتصر شارع النجفي على بيع الكتب إطلاقاً ، وإنما غلب عليه ذلك بسبب توافد المثقفين وتواجدهم فيه بشكل كبير ، وإنما الشارع كان ذا تخصصاتٍ متعددة ، كان فيه باعة الأحذية وصيّاغ الذهب ، والحلاقين والمطابع والمصورين ، ولو عدنا الى أقدم هذه الحِرف والمحلات في الشارع لوجدنا هذه الاختصاصات واضحة منذ دخولك للشارع وفي جولة سريعة في أزقته ستجد هذا التنوع واضحاً وجليّاً للزائر ، ولكي نسلط الضوء على ابرز هذه الحرف والمحلات ، وقد ذكر المورخ أزهر العبيدي أهم هذه الحِرف ننقلها باختصار من المصدر :-

1.خياط الفرفوري ، كانت عبارة عن دكان صغير في مدخل الشارع الأيمن ، لـ ( عمّا علي ) صاحب المهنة التراثية ، فقد كان يجلس على الأرض ، ويعمل في خياطة الآنية الزجاجية من الخزف الصيني بخيوطٍ معدنية بعد تثقيبها بمثقب يدوي .

2.البقال عبد الجبار ومحمد علي ( أبو الكيك ) بائع الكعك الذي اشتهر بمرحه ونشاطه الفني في الليالي الملاح ، وكان هذا البقال بجانب ، خياط الفرفوري ( عمّا علي ) .

3.عيادة الطبيب نافع الخيّاط ، وفتحت كذلك صيدلية عبد الموجود ، بعد أن كان أمتلاك الصيدليات يقتصر على المسيحيين واليهود .

4.محلات التصوير ، والتي منها ستوديو الخيام لصاحبه فوزي حسين الجبوري ، وستوديو محفوظ لصاحبه محفوظ أحمد ، وستوديو الداغستاني لصاحبه غازي الداغستاني ، ومحل تصوير إبراهيم درويش ( أبو ناصر ) .

5.الخطاطين والمجلدين ، ومنهم الخطاط الاطرش نوري سعيد ، ومجلدان للكتب ( مُصحَّف ) أحدهما أحمد أسماعيل ، والآخر الحاج محمد ( أبو قيس ).

6.المطابع ويتواجد عدد كبير من المطابع في الشارع وأهمها : مطبعة الجمهور ، ومطبعة الزهراء .

7.الحلاقين ، وابرزهم الحلاقان ، حسن وعلي ، والحلاق حمودي ( أبو رعد ) وسليم الحلاق .

8.وقد تميز القسم الشمالي من شارع النجفي ، بوجود عددٍ كبير من الصاغة بسبب قربه من سوق الصياغ ، وعدد من باعة الحلويات والشكرجية ، بالإصافة لعدد من محلات الأحذية والخياطة ، ومحل لبيع الزجاجيات للتاجر عبد الكريم اليوزبكي .

بعد استعراض أهم المحلات والحِرف في شارع النجفي ، يبقى الشارع الى يومنا هذا يشهد التنوع في كل هذه الاشياء ، لكن الشارع غلب عليه بيع الكتب والقرطاسية المدرسية والمطابع وغيرها ، ولكن بقيّة الحِرف بقيت تستمتع بجزءٍ من الشارع ولكن بنسب مختلفة .

شارع النجفي بعد احتلال داعش للموصل:

معلوم أن داعش تدخل بتفاصيل حياة الناس وسلوكياتهم ، ولم يترك جزئية إلا وحشر أنفه فيها ، فبعد سيطرته على الموصل توقفت الحركة العلمية والفكرية ، فأغلقت المعاهد والجامعات والمدارس ، والمراكز الفكرية والتعليمية ، إلا التي كان تبث سم وشر الفكر الداعشي ، فاصبح شارع النجفي خالياً من رواده الذين كان معظمهم يراتدون الشارع لإقتناء الكتب أو القرطاسية المدرسية أو طباعة الكتب أو المختصرات ، أصبح الشارع خالياً من رواده ، فما عادت ضالتهم موجودة ، فقد قام داعش بحظر العديد من الكتب التي لا تنسجم مع فكره ، وبقي رواد الكتاب والقراءة والمثقفين ، ينتظرون لحظة زوال هذا التنظيم ، ولإن دوام الحال من المحال ، فقد تحررتْ الموصل وعادت لأهلها ، ولكن للأسف خرج شارع النجفي عن الخدمة ، واصبح ركاماً بعضها فوق بعض ، فالحياة العلمية والفكرية تعرضتْ للإبادة كما تعرض البشر ، وقد غاب رواد الشارع لمواسم دراسية عديدة ، على أمل أن يرتدوه بعد التحرير ، لكن هذه المرة جرت الرياح بما لا يشتهي العقل والمنطق ، فآلة الحرب لا تفرِق بين الفكر والحجر والبشر ، فهي تحصد الجميع ، وما زال الشارع مغلقاً الى يومِنا هذا ، بعد عقد كامل من الزمن على تأسيسه .

بعد قرنٍ كامل لم يبقَ الشارع على حاله وغدا الشارعُ خاوياً على عروشه ، يشكو الى الله ظلم الظالمين ، بما فعلوه فيه ، فانتقلت بعض محلاته الى شارع المجموعة الثقافية ، فيما أقام بعض المثقفين على جدار جامعة الموصل ما يعرف بـ ( رصيف الكتب ) ، فيما نظم مجموعة من الناشطين حملة لتنظيف الشارع ، وقد رفعوا شعار : ( عندي أمل ) ، وتبقى الأنظار متوجهة صوب الحكومة المركزية أن تقوم بإعادة إعمار هذا الشارع التاريخي القديم ، ويبقى الأمل أن يشهد مطلع العام الدراسي تواجد الطلبة لإقتناء القرطاسية وحاجيات الدراسة .

شاهد أيضاً

من غرائب أحداث ذلك الزمان

– بلاوي فتحي الحمدوني “تعد مدينة الموصل من المدن التي حبتها العناية الالهية بالكثير من …

تعليق واحد

  1. جميل و ثري. ..أما آخر مرحلة من حياته فتعتبر المرحلة المظلمة والتي يأتي بعدها النور والأمل بشارع نجفي أفضل بإذن الله تعالى.
    ارجو من الله أن يرزقنا حسن التصرف والعقل والحكمة كي لا نرضخ لمثل هكذا نكسات ونرقى بالمدينة إلى أعلى المستويات قريبا بإذن الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *