الأحد , يونيو 25 2017
الرئيسية / أدب / شخصية الحاج بومة في رواية نوزت شمدين : ( شظايا فيروز )

شخصية الحاج بومة في رواية نوزت شمدين : ( شظايا فيروز )

ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ متمرس -جامعة الموصل
رواية الروائي العراقي الكبير الاستاذ نوزت شمدين، والتي تحمل عنوان : (شظايا فيروز) ، وقد صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، ضمت 284 صفحة من القطع المتوسط .ومع انها تتحدث عن شاب عربي مسلم يدعى (مراد) من قرى غرب جبل سنجار(غرب نينوى) يقع في حب فتاة أيزيدية كردية إسمها (فيروز) من قرى شرق الجبل ، إلا ان الشخصية الرئيسية فيها هي شخصية الحاج خليل ابراهيم أحمد (72 سنة ) والذي يعرفه الناس ب(الحاج بومة ) لانه قضى 65 سنة من عمره يسجل أسماء الموتى في سجلات اكتظت بها إحدى غرف منزله ، يسميها (المقبرة)، عاصر أنظمة الحكم العراقية المتعاقبة من الملكية الى الجمهورية مرورا بفترة البعث والاحتلال الأمريكي للعراق وما تلاها من سطوة التنظيمات المسلحة وصولا الى ما سمي ( دولة الخلافة ) .
حبه وإرتباطه بالموصل منعاه من مغادرتها وكان يردد بإستمرار (اذا خرج الحاج بومة من الموصل فلمن يبقيها ) واثناء الحرب رفع شعا ( بيتك قبرك ) ، وكان لقبه يتغير بتغير الأنظمة الحاكمة ( بومة ، الرفيق بومة ، الحاج بومة).
سأله يوما احدهم : لماذا لم تغادر الموصل الى مكان آخر كما فعل الكثيرون ؟ ما الذي يبقيك ؟ أجاب :” أنا حيادي مثل الهلال والصليب الاحمرين ، أقوم بواجب لم أجرب غيره في حياتي ، وهو لايعترض مصلحة أحد بمعنى آخر لستُ هدفا لأي جهة مؤمنة كانت أم كافرة ” .
كان الحاج بومة يحتفظ في منزله بإرشيف من سجلات الوفيات تختنق بها غرفة واسعة .كان يقول : “الانسان يخاف دائما من أشياء يجهلها ، ولهذا تجده متشبثا بالحياة ، ويحارب من اجل البقاء فيها حتى آخر نفس ظنا منه أنها أفضل من الموت ” .كان يقلب الاوراق .. أوراق سجل الماضي .. سجل التاريخ ليستطرد قائلا :” الحياة متغيرة مثل رمال الصحراء لاتستقر على حال ، مليئة بالصراعات والتنافضات .اما الموت فثابت وجهته واحدة مهما تعددت طرق وصوله ..عادل ..لايفرق بين غني او فقير متعلم أو أمي ،مؤمن أم كافر
” .

لم يكن خليل ابراهيم أحمد وهذا اسمه الحقيقي ، قد تجاوز السابعة من عمره عندما وثق أول جالة وفاة وكانت لصبي من الجيران من حي باب لكش وسط الموصل غرق في نهر دجلة صيف سنة 1950 ، فكتب إسمه بأحرف كبيرة على غلاف علبة سيكائر ….معلم اللغة العربية كان أول من رصد نزعته التوثيقية …لم تسجل سيرته الذاتية البيضاء الا حالة توقيف واحدة بسبب انتماءه لتنظيم غير مشروع .أسس مكتبة في منزله أخذت تنمو بمرور السنوات .
بعد احتلال الظلاميين للموصل في حزيران 2014 اختار مراد معاونا له يحمل له سجل الوفيات والموتى سجل التاريخ . وعندما شعر بالموت يقترب منه كتب وصيته وفيها يقول :” ستكون هذه الصفحة خاتمة لعمل استمر نحو خمس وستين سنة وثقت خلالها نهايات الالاف من الناس غير آبه بالامر الاساس الذي وجدوا من أجله وهي حياتهم ذاتها ”
شارك الحاج بومة مرادا في رحلة بحثه عن ( فيروز) مؤمنا بالظلم والتعدي الكبيرين اللذين وقعا على اليزيدية . يلقي عناصر الدولة القبض عليه ويتهمونه بشتى التهم منها اعادة اليزيديات الى ذويهن بمساعدة مراد ، ويقف القاضي ليقول ثبت لدى المحكمة الشرعية ان المدعو خليل ابراهيم احمد المعروف بالحاج بومة قام بجرائم ومخالفات عديدة أخطرها شراؤه السبايا ، وقيامه بالتنسيق مع المرتدين بتهريبهن الى خارج حدود الدولة الاسلامية ليرجعن الى الشرك والكفر اللذين كن قد تطهرن منه ؛ لذا حكمت عليه المحكمة الشرعية بالقتل ضربة بالسيف جزاءا على ردته ، وما اقترفه وليكون عبرة لغيره ، والله غالب على امره ولكن اكثر الناس لايعلمون ”
انتظر مراد ، وهو يرى مديره مكبلا وبملابس الاعدام ، ليتذكر ما قاله الحاج بومة :” هؤلاء ينتقلون لاحقا الى مرحلة الخوف من الدولة الاسلامية التي أتت من اجلها ..لان ابسط تحرر يظهرونه تكون عقوبته القتل بتهمة الردة …يمكنني رؤية هذا الخوف في أعينهم ..إنهم عالقون ولايريدون الموت ” .
لكنه والقاضي يتلو الاحكام يقف الحاج بومة ليقول له بالنص :” لاتستعجل ،سأمنحك تهمة حقيقية بدلا من ان تجور بالتي سقتها : ” انتم تحاولون نشر إسلام رفضه المسلمون قبل غيرهم ؛ لانه يتنافى مع عقيدتهم القائمة على البناء ، والسلام ، والتعاون، والمحبة بين الشعوب فقُتلوا على ايديكم ، وهُجروا والقوا في غياهب السجون ، وسلبت اموالهم وممتلكاتهم ودمرت مدنهم التي عمرها وآبائهم طوال قرون وجُرفت شواهد تاريخهم السحيق واحُرقت مكتباتهم وحرم ابنائهم من التعليم ، والتمسك مستقبلا بدين قدمتموه لهم بصورة ممسوخة ” .
أمر واحد آخر قاله الحاج بومة ، وهويحرك قدمه يمينا ويسارا على الارض :” اكثر شئ يزعجني هو انني لن اكون هناك لكي ادون اسمائكم في سجلاتي وانتم جثث تفحمت وسحلت على الطرقات وعلقت بأعمدة النور ”
صاح القاضي منتفضا من مكانه : ” إخرجو هذا الزنديق من هنا ” ..وصدر الحكم بإعدامه بضربة سيف .
لمح مراد ، مع هبوط السيف ابتسامة مديره الحاج بومة ،اطلقها أخيرا صافية ووديعة مستقبلا بها وبشجاعة ميتة اختارها وسعى اليها بنفسه .أطبق مراد جفنيه حين وصل السيف هدفه ” أراد ان يظل الحاج بومة المكتمل بإنسانيته مكتملا بجسده ايضا في ذهنه والتفت ليذرف دموع حزنه بعيدا فيما كان الجمهور المنتشي لمنظر الدماء يصيح :الله اكبر ..الله اكبر ”
كتب على قبره :خليل ابراهيم احمد اللقب :حاج بومة العمر : اثنان وسبعون عاما سبب الوفاة :ضربة سيف مكان الدفن : الموصل .
الذي يمكننا هنا قوله ان التاريخ .. اقصد الحاج بومة لايزال حيا ، وهو الذي رأي ما حدث منذ 17-10-2016 بعد بدء عودة الموصل الى حضن العراق، ولايزال يدون ولايزال يوثق ، ومهمته ابدية تتوارثها اجيال عن اجيال .. اجيال تصل بعضها ببعض بحبل التاريخ ، وبصفحاته المشرقة منها والمؤلمة. واذا كان ثمة من يرى ان التاريخ يغفو أو ينام أو يهمل ، فهو مخطئ فالتاريخ حركة ، والحركة دائبة ومضطردة ومتقدمة الى الامام ، ولايمكن ان تتوقف الا بتوقف الحياة على ارض كوكبنا هذه وتلك الايام نداولها بين الناس والعاقل فقط من يتعلم ويتعظ .

شاهد أيضاً

وردَةٌ موصليـّة

يونس صديق توفيق وردةٌ من زجاجٍ ونارْ تتألقُ بين الصخورِ كياقُوتةٍ من قَديم الأزلْ. وردةٌ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *