السبت , يناير 20 2018
الرئيسية / آخر الأخبار / شظايا فيروز

شظايا فيروز

أمجد توفيق
أمس عصرا ، تلقيت اتصالا يسأل صاحبه عن موقع بيتي ، لم استطع كتمان ضحكتي وأنا اسأل عن هوية المتحدث ، قال إنه من البريد ويحمل طردا لي ، ذكرت له العنوان وانتظرت ، لأكتشف أن الطرد يحمل رواية بعنوان ( شظايا فيروز ) للعزيز نوزت شمدين .
قرأت الصفحة الأولى ، ثم قرأت كلمات الغلاف الأخير ، فلم أشعر بأية رغبة في البدء بالقراءة ، فتركت الرواية إلى جانب سريري .
بعدها ، ربما ذهبت للعشاء .. ربما تصفحت فورات أصدقائي على الفيس بوك .. ربما أجبت عن رسائل لأصدقاء بعيدين .. ربما ..
فجأة قفزت صورة نوزت شمدين بابتسامته المعهودة وجسده المكتنز ، تصورته حاملا للرواية ، متجها إلى مبني البريد لأرسالها لي ، همست لنفسي : لو لم يكن نوزت محبا لروايته ، راغبا في أن اقرأها لما تجشم عناء ارسالها من منفاه الأوربي ، قررت قراءتها ..
شظايا فيروز رواية بمائتين وأربع وثمانين صفحة ، قرأت أكثر من النصف حين شعرت أن عيني مطبقتان تماما ، فطويت الصفحة ، واستسلمت للنوم ..
لا أدري إن كان حلما طويلا ، أو مجموعة أحلام ، عفوا كان الأمر محض كوابيس موصلية ، وجدتني مشاركا في أحداث الرواية ، معانيا من رعب لا أعرف كنهه ، سجينا يبحث عن خلاص .. حين استيقظت ، لعنت الرواية ، لكن لعنتي لم تمنعني من مواصلة قراءتها قبل التفكير بتناول فطوري ..
مشكلتي مع هذه الرواية أنني أعرف دقائقها ، أعرف يوميات الحزن والقهر والألم ، أعرف ضربات القلب حين تتمرد عن منهجها .. وفي كل ذلك كان نوزت شمدين صادقا وفيا مخلصا ..
ماذا يعني ذلك ؟
ثمة واقع فني ، وآخر حقيقي
والروائي فنان وليس مؤرخا
ولأنه كذلك ، فهو مطالب بتقديم رؤيته الجمالية وكشفه ، قبل تقديم يوميات مهما كانت صادقة ..
نوزت شمدين لم يتخل عن رؤيته الجمالية ، ذلك أنه قدم ملحمة عذاب أرغمنا فيها أن نعيش لحظاتها عبر امكانية مدهشة في مسك رقابنا لنتجرع آخر قطرة من العذاب .
لم يكن مهموما بالوصول إلى نتائج ..
ولم يفكر لحظة بمنحنا فرصة لالتقاط أنفاسنا ..
إنه يشيد ملحمته لبنة بعد أخرى ، وهو في صراع مع الزمن الذي تحولت أيامه ولياليه إلى أبشع الكوابيس .
نوزت يغرقنا بمعلومات حقيقية ، وجغرافية حقيقية ، وخريطة يرسم خطوطها بدراية مؤكدة .
الرواية ليست ساعة الحرب
وليست محنة أو كارثة يحكمها زمن محدد
إنها نكوص تاريخي شامل ، يشمل الثقافة والدين والاقتصاد ونظريات الاجتماع ، عبر مشاهد لم يكن يحلم بمثلها أكثر السرياليين جنونا وجموحا .
تلك هي ثيمة ( شظايا فيروز ) .
سبايا يزيديات ( برغم أن الروائي نوزت استخدم الأسم الكردي في تسميتهم بايزيديات ، مستجيبا إلى مصطلح شاع بعد 2003 ) ، ودواعش أجانب وعراقيون ، وأحداث ، وعلاقات ، ونظرة توثيقية مدهشة توفرت على احاطة شاملة بالعوامل المحركة لوحوش تنكروا بزي بشر ، وقاموا بعرض أبشع صورة عن الدين .
شظايا فيروز رواية تجعلني أظن أن كاتبها تشظى في محنة كتابتها ، إنها لا ترشو القارئ ، ولم تكن متحمسة إلا لقضية واحدة هي عذاب الإنسان الذي يجد نفسه في مواجهة غير متكافئة مع شرور العالم ، مواجهة لا ينتظر فيها عونا من السماء أو الأرض .
وأخيرا وأنا أكتب هذه الكلمات ، أتمنى ألا أعيش تجربة ليلتي الأولى مع كوابيس الموصل التي حملتها شظايا فيروز ، وأقول للمبدع نوزت شمدين أنني حين قرأت روايته الأولى ( نصف قمر ) قلت فيها لو لم يكن الكاتب أعمى لما استطاع أن يصل إلى دقائق تفكير رجل أعمى . يومها لم أكن قد تعرفت بنوزت ، واليوم أقول له أن روايته وإلى جانب قيمتها الجمالية ، فهي أفضل توثيق لزمن كان فيه الإنسان العدو الأول ، والإنسانية تهمة لا أحد يمكن أن يدافع عنها .

شاهد أيضاً

عزيزي نيوتن: تاريخنا العربي منحول ومكذوب

  عادل نعمان عزيزى نيوتن: تاريخنا يكتبه المنتصرون الأقوياء، فإذا ما انهزموا وضعفوا ووهنوا نسخه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *