شُكرًا لِناشِري مقالاتي

 

زينب علي البحراني

كثيرةٌ هي الذكريات التي تجمعها ذاكِرة الكُتّاب في “حقيبة الكتابة”، منها الموقّع بإمضاء الحُزن والإحباط والنقد والهجوم والمحاولات الشرسة لتدمير المعنويَّات، ومنها المختوم بختم التقدير والتكريم ومواقف التشجيع، كلها يضمها ملفٌ واحِدٌ عنوانه “الخِبرة”.

بين تلك المواقف صادفتُ مُفاجأة مُبهِجة خلال الأيَّام الماضية حين اكتشفت أن أحد المواقِع الإلكترونية المُتخصصة بنشر المقالات والأخبار المحليَّة كان يحرص على إعادة نشر كل مقالاتي التي تُنشر على صفحات الصحافة الورقية خلال الشهور الماضية حتى وصلت ثلاثين مقالاً دون أن أُرسلها لهم، ودون أن أدري لولا الصُّدفة.. لم يكُن ثمّة حدود لسروري وامتناني تجاه تلك البادِرة السخيَّة، فلم اتأخر عن إبداء تقديري لها عبر حسابات التواصُل الاجتماعي الخاصة بي، وهناك لفتت اهتمامي تعليقات بعض المُتابعين والقرّاء الذين اعتبروا سلوكًا كهذا فيه “اعتداء صريح على حقوق الملكية الفكريَّة”، وأنه يجدر بي “شرشحتهم” و”بهدلتهم” في المحاكم ورفع قضايا “ترد حقوقي المُنتهكة” بصفة قانونيَّة!

شعرتُ في أعماقي بالطرافة، فالسنوات التي عجَنت بها التجربة علاقتي مع القلم والنشر علّمتني – ومازالت تُذكرني باستمرار- أننا نعيش في الشرق الأوسط، لسنا في أمريكا ولا أوروبا حيث يؤخذ أمر “الكتابة” بجديَّة كي نستطيع أخذ “حقوق الملكية الفكرية” الخاصة بنا بهذا القدر من الصرامة، نحنُ هُنا نحمد ربَّنا ألف ألف مرّة حين نكتب دون أن يمنعنا أحد، بل يصل الأمرُ أحيانًا أن نشكر خالِقنا كثيرًا لأنه أعمى عنّا أبصار ومسامع وألسنة المؤذين من الحاسدين والحاقدين والكارهين والقادرين على تأجيج مُشكلاتٍ قادرة على الزج بصاحب أكبر الأقلام بين غياهب السجون إلى يوم يُبعثون.

نحنُ أيضًا نناضل كي تكون لنا اسماء “مسموعة” في حلبة سباقٍ غير عادلة، تفوز فيها الأقلام المدعومة من جهات متنوعة مهما تدنّى مستواها مقارنة بأصحاب الأقلام المُستقِلّة مهما بلغ مدى موهبتها ومستوى مهاراتها، فهؤلاء تتبعهم جماعاتٍ دورها التصفيق والتطبيلُ والتهليل والصفير على ما يكتبونه آناء الليل وأطراف النهار حتى إن عطسوا على الورق، أما نحنُ فيتم التعامل مع ما نكتبه وكأنه لم يكُن على أمل أن نبقى غير مرئيين وغير مقروئين فيكنس الزمن حروفنا قبل أن تجد الوقت الكافي الذي يحفرها على جُدران المُستقبل.. هناك أيضًا اعتباراتٌ أخرى لا يُمكن للإنسان الذي يخاف على أمنه ومُستقبله وحياته الإشارة إليها، وتلك الاعتبارات لها دورٌ كبيرٌ صمود قلم الكاتب في هذه الساحة أو تحوّله إلى رماد.

نحنُ نُكافح لإنقاذ أقلامنا من خطِر الغرق، وإذا انتبه أحدٌ لأهميّتها وألقى لها بطوق نجاةٍ يُقدّر قيمة بقائها على قيد الحياة ليس لنا التدقيق في مستوى طوق النجاة ذاك، أو مدى فخامته، أو الاعتراض على كونهم لم يستأذنونا قبل أن يُنقذونا، لا مجال في عالمنا العربي للغرور، لا مجال للكبرياء، لا مجال حتى للثقة الزائدة بالنفس وإن كانت مُستحقّة، تجربة السنين تُعلّم الكاتب والمُثقف في الشرق الأوسط أنه دائمًا هو المسؤول عن كل نصٍ أو مقالٍ أو كلمة يتفوّه بها أو صورة ينشرها لأن مستوى الوعي الجمعي في هذه المنطقة مازال تحت مُستوى “ثقافة الاستئذان”، وإذا حاول تحميلهم تلك المسؤولية فستكون النتيجة تورُّطِهِ بما هو اسوأ من حيث لا يحتسب، ثم انطفاء نجمه على ما لا يستحق. نحن في مُجتمعاتٍ إذا صادفَت مقالاً فيه كلمة يُمكن “تأويلها” كذبًا بما يمكن أن يضرّه فلن تُقصر في نشره انتشار النار في الهشيم، وإذا كانت مقالاته الأخرى المتميزة مُكدسة في كل مكان لا يلتفتون لها ولا يقرؤونها ولا يُساهمون في نشرها ما دامت لن تؤذيه ولن تؤلب الرأي العام عليه ولن تؤدي إلى رفع القضايا في المحاكم ضده، فكيف يُمكننا – تحت هذه الظروف- أن نُعلن غضبنا واعتراضنا واحتجاجنا على أولئك الطيبين ذوي النوايا الحسنة ممن يُساهمون في انتشار اسمائنا وزيادة عدد قُرائِنا؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *