الإثنين , ديسمبر 18 2017
الرئيسية / ثقافة / صروح موصلية: اقليعات

صروح موصلية: اقليعات

بلاوي فتحي الحمدوني

كتب الدكتور احمد قاسم الجمعة عن منطقة اقليعات (1) (وتناولناه بتصرف)

المنطقة تشرف على ضفة نهر دجلة اليمنى من الشرق وتتميز بارتفاعها وانحدأره المصطبي نحو النهر بحيث تركت بصماته على المنظور الافقي للمدينة وجعلتها في منأى عن تأثير المياه الجوفية ويحدها من الغرب شارع سوق الشعارين ومن الجنوب منطقة الميدان ومن الشمال مرقد عيسى دده فضلا عن نهر دجلة من الشرق . ولمنطقة الميدان عمقها الحضاري الذي يمتد الى سبعة الاف سنة قبل الميلاد حيث ترقد مبانيها اليوم على بقاية قرية زراعية تعود للعصر الحجري الحديث .

وفي العصر الاشوري بنى عليها الاشوريون قلعة محصنة لحماية عاصمتهم نينوى من الغرب سماها السريان (حصنا عبرايا) أي الحصن الغربي . وبعد سقوط نينوى عام( 612ق م) على يد الميديين والكلديين اصابها الخراب وخلت من السكان وبمرور الوقت وهدوء الاوضاع استقطبت السكان تدريجيا وسميت (اقليعات) . وبعد فتح المسلمون للموصل عام (16هج /637م) اصبحت اللبنة الاولى لاعادة تمصير المدينة فبني المسجد الجامع مع دار الامارة واسواق البزازيين والسراجين والشعارين المجاوره له . ومن الناحية الاثرية ضمت منطقة اقليعات خلال العصور الاسلامية العديد من المباني فضلا عن المسجد الجامع ودار الامارة و الاسواق المذكورة منها كنيسة مارا شعيا والمدرسة الكمالية وقصر المنقوشة .ولكل من هذه المباني اهميتها التاريخية والحضارية فالمسجد الجامع فضلا عن كونه اللبنة الاولى لاعادة تخطيط المدينة واداء الصلاة كان رمزا لسيادة المسلمين ومركزا لادارتهم في بداية الامر وكان واسعا انطلقت منه الجيوش في عهد الخليفتين عثمان وعلي ( رضي الله عنهما) لفتح ارمينا واذربيجان واحتوى على عناصر عمارية وفنية منها بقايا مئذنته ومحرابه الذي نقل في مابعد الى الجامع النوري والمزخرف بانفس زخارف الارابسك في العالم الاسلامي التي حيرت كبار المستشرقين بمميزاتها وعناصرها الفنية واسلوب تنفيذها على الرخام امثال هرتزفيلد.

وشهد الجامع في بداية العصر العباسي سنة ( 133هج/750م) حدثا تاريخيا داميا اسماه المؤرخون (حادثة قتل الموصل) وتجلى ذلك بطلب اهل الموصل من الخليفة ابو العباس استبدال واليهم محمد بن صول الذي كان مولى وخادم في قبيلة خثعم ولا يتناسب ذلك ومكانة الموصل فضلا عن فساده وظلمه. بيد ان الخليفة وبتوجيه من وزيره ابو سلمة الخلال على الاغلب ارسل اخاه يحيى بن محمد على رأس جيش من خليط من اجناس مختلفة اعمل السيف في رقاب الاهالي ولما قاوموه بشدة بادر يحيى باعطائهم الامان ونادى منادي ( من دخل مسجد الجامع فهو آمن بأمآن الله وامان رسوله) فدخل الناس المسجد وعندها اقام الجند على ابوابه قتل الناس قتلا ذريعا بلغ عددهم ثلاثون الفا حسب الروايات المتواترة التي اوردها المؤرخ الازدي (محاضرة ميدانية للدكتورالاثاري احمد قاسم الجمعة على طلاب قسم الآثارالاسلامية في جامعة الموصل(وانالا اميل الى هذاالعددالمبالغ فيه )وخلاصة رواية المؤرخ الازدي (ومفادها قول احدهم ما نصه : حججت ذات سنة فاذا انا برجل عند البيت يقول اللهم ارحمني وما اظنك تفعل) فقلت يا هذا ايها اعجب

اقليعات الموصل- الحضارة والتاريخ-

 

ايأسك من ما عند الله او قنوطك من رحمة الله)؟ قال ان لي ذنبا عظيما .قلت اخبرني به قال: كنت مع يحيى بن محمد فركبنا جمعة فاعترضنا المسجد فارى انا قتلنا ثلاثين الفا.ثم نادى مناد(من علق صوته على دار فهي له) فدخلت دارا فقدمت الرجل فقتلته ثم قلت للمراة هات ما عندك فقالت (ما عندي غير هذا) فقدمت ابنيها فقتلتهما فقلت للمراة  هات ما عندك  والا الحقتك بهم فلما رات الجد قالت ارفق ان عندي شيئا كان اودعني ابوهما فجاءتني بدرع مذهب لم ار لحسنها شبيها فجعلت اقلبه عجبا به فاذا مكتوب عليه بماء الذهب:

اذا جار الامير وحاجباه           وقاضي الارض اسرف في القضاء

فويل ثم  ويل ثم  ويل              لقاضي الارض من  قاضي السماء

فسقط السيف من يدي وارتعبت من موضعي الى ما ترى..! قلت(المؤلف) :

وما من يد الا يد الله فوقها           وما من ظالم الا سيبلى بظالم

ومع ذلك لم يستكن اهل الموصل على ضيم واستمرت المقاومة مما دعا الخليفة العباسي المهدي ان يستبدل والي المدينة بآخر هو مصعب بن عمير سنة (167هج-738م ) ودفع الدية لقتلاها واصلاح عمرانها ونظرا لمزاولة اهل المنطقة صناعة كيزان المياه (الحباب) المميزة في العالم الاسلامي ذات الزخارف الملصقة الذي اطلق عليه الاوربيون مصطلح (الباروبوتين) سميت المنطقة احيانا ( الكوازين) واشتهرت فيما بعد بصناعة وعمل تنانير الخبز. وبعد الغزو المغولي للموصل عام ( 660هج-1261م) توالت الخطوب على الموصل ومنها اهمال امرالمسجد الجامع فآلى الى الانهدام ونقلت بعض عناصره الى اماكن اخرى وسطا الحجارون على انقاض المباني. وفي سنة (1225هج-1810م) اعاد الحياة الى قسم من المسجد الجامع الحاج محمد مصفي الذهب فسمي الجامع ب(جامع المصفي) ولا زال الاسم الغالب عليه .وتقع بجوار المسجد الجامع كنيسة(مراشعيا) التي اسست في الفترة (570-581م) على هيئة ديرسمي بدير(مارايشوعياب) واصبح بعد ذلك كاتدرائية للموصل ومركزلرئيس اساقفتها النسطوري ومرت بعد ذلك بعدة ادوار عمارية وضمت اليها ثلاثة هياكل هي : هيكل ماريوحنان وهيكل ماركوركيس وهيكل مارقرياقوس واطلق عليها اسم كنيسة(ماراشعيا) وفيها كثير من العناصر المعمارية والفنية.

والى الشرق من المسجد الجامع وتشرف على نهر دجلة المدرسة الكمالية المعروفة لدى العامة بجامع شيخ الشط التي نهض ببنائها زين الدين ابو الحسن بن بكتكين والد الملك مظفر الدين كوكبري صاحب اربيل سنة(563هج/1167) ولهذا سمي المبنى ب(مسجد زين الدين) وكان الوظيفة الدينية كمسجد والوظيفة العلمية كمدرسة وممن تقلد التدريس بهذه المدرسة كمال الدين بن يونس موسوعة عصره قرابة ستة عقود .ولهذا سميت ب(المدرسة الكمالية ايضا) اما تسمية المبنى ب(جامع شيخ الشط) فنسبة الى الشيخ محمد افندي الافغاني الذي اتخذ تكية له بجانب المبنى في نهاية القرن(13هج/19م) ودفن فيها بعد موته ونظرا لتقواه نسبت اليه العديد من الامور الخيالية منها انه كان يعبر نهر دجلة مشيا على الماء ولم تبتل قدماه .. ؟

كما يمتاز المبنى بتخطيطه المضلع وسعة قبته نصف الكروية …

قصر المنقوشة : وفي سفح منطقة اقليعات الغربي قبالة شارع سوق الشعارين كان والي الموصل الحر بن يوسف في العصرالاموي قد بنى له قصرا (108هج/726م) اتخذه في الوقت نفسه دار امارة اسماه المؤرخون بقصر (المنقوشة) لكثرة زخارفه الملونة والفسيفساء البديعة والساج المنقوش وبقيت اثارها ماثلة الى اوائل القرن(7هج/13م) والى عصرنا هذا تسمى محلة في الموصل المنقوشة وكذلك حمام المنقوشة(9)

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

نوزت شمدين: “شظايا فيروز” بالنسبة لي مدينة الموصل

الرواية في إحدى أبعادها إنما هي ” شظايا الموصل ” ضيف يزن : إسطنبول الرواية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *