صروح موصلية- القناطر الموصلية بين الماضي القريب والحاضر المريب

 

بلاوي فتحي الحمدوني

تتميز مدينة الموصل بهذا الطراز من القناطر الموصلية حيث استفاد اهل الموصل من البناء فوق الشوارع فيقيمون اقواسا من الرخام ويعقدون سقفا فوق الشارع بالحجر والجص يستند على هذه الاقواس ويبنون فوقها غرفا ومرافق فيوسعون دورهم (1) وقد يكون لاحدهم ارضا صغيرة بجانب طريق واخرى تقابلها في الجانب الثاني منه فيقيم قنطرة فوق الطريق ليصل بين القطعتين ويوسع داره واستعمال سطحها غرفة تضاف الى بيته لتزيد من مساحته بعد طلب من البلدية العثمانية لذلك” انذاك وهي من فوائد القناطر اضافة الى :

1- سهولة الاتصال بين دارين متقابلين في جانبي الطريق واكثر ماكانوا يبنون فوق القناطر غرف المجالس ويتخذون لها شبابيك تشرف على جانبي الطريق     2- تكون ملجا للخيول والحيوانات التي كانت واسطة التنقل داخل البلد فاذا زار احدهم صديقه ترك فرسه مع السائس في القنطرة التي امام داره فيقيها المطر شتاء واشعة الشمس صيفا

3-يستريح بها من يمر من السابلة فكانوا يتخذون دكات على جانبيها يجلس عليها من اتعبه المشي

4-وكان بعض الكهول والعجائز يقضون نهارهم يروحون عن انفسهم بمشاهدة المارة بل ويزاول بعضهم عمله فيها كالغزل والنسيج وبعض الحرف البيتية….الخ

5- كانت مراكز مراقبة ودفاع قبل هذه الايام وهي ماتعرف في الموصل بايام(القوغات)التي كانت غالبا ما تحدث بين الانكشارية في البلد فكان الانكشارية على نزاع مستمر على الزعامة في البلد وربما تعطلت الحركة اياما وتفاقم الامر بينهم وحدث بينهم ما حدث من فتن يسميها اهل الموصل (ايام القوغات) والقوغة لفظة فارسية معناها الهرج والقتال, وكان يجلس فوق القنطرة من يحرس الطريق من الاعداء وربما سدوا القنطرة بمتراس اثناء الليل.

هذه القناطر كانت معروفة في الموصل منذ القرن الاول من الهجرة وذكرها العمري في كتابه (3)” أنه كان في الموصل سنة 660هج (1600قنطرة) قال المؤرخ سعيد الديوه جي ادركنا الموصل وقلما كانت تخلو محلة من قناطر عديدة ثم اخذ يتناقص عددها ولم يزل باقيا منها عدد يستحق المحافظة على هذا الطراز من العمارة التي عرفت بها الموصل وبعضها كبيرة جدا كقنطرة بيت (علي اغا الديوه جي) في محلة الامام ابراهيم مبنية فوق ثلاث طرق قد شيدوا فوقها جناحا كبيرا يشمل على ايوانين واربع غرف كبيرة وامامها فناء”

ويرى المهندس علي حيدر سعد الجميل الاستاذ في كلية الهندسة بجامعة الموصل:ان اعادة تأهيل الموصل القديمة بما فيها القناطريصطدم بمجموعة من العقبات بعضها يتعلق بالقوانين الخاصة بالاثار والتراث التي جددت عقارات بعينها على انها ذات قيمة تراثية وكان ذلك من زمن بعيد وتركت على حالها دون ان يتمكن مالكوها من تاهيلها ولم يحصلوا على اية مساعدة مادية او فنية لتأهيلها من قبل الدولة” ويذكر الباحث سلوان عبد العزيز: ان التوثيق لتراث وتاريخ الموصل لم ينشط سوى في العقود الاخيرة وهو ما ادى الى ضياع الكثير من تفاصيل حضارة الموصل ونينوى عموما,والقناطر واحدة من علامات تلك الحضارة فلا يعرف منها سوى الماثل منها اليوم في حين ان المئات منها كانت تحيط الاحياء السكنية وحتى التجارية منها منذ (14) قرنا مضت”

وللتاريخ: ان المسيحيين هم اول من بنوا القناطر في الموصل وهو امر بديهي لكون المدينة كانت مسيحية الدين في الاصل ,ثم كان للمسلمين حضورهم واعتمدوا اطر البناء تلك وبرعوا في تطويرها لتصبح جزءا من تراثهم ..

في المدينة سبع قناطر فقط تمكنت من الصمود وبقيت حتى اليوم في انحاء متفرقة من الموصل القديمة احداها في منطقة شهر سوق او ما يطلق عليه سوق (النبي جرجيس) وشيدت قبل ما يقرب من ثلاثمئة عام و(قنطرة الجليلين) وهي عبارة عن قنطرتين ضمن دار(الجليلي) بناها محمد امين اغا الجليلي وهذه العائلة لها تاريخ متجذر في مدينة الموصل والبيت من البيوت الكبيرة جدا حيث يتكون من طابقين يتوسطها فناء واسع تتوسطه حديقة ويتكون من ثلاثة اجنحة زيادة على المرافق الخدمية وبعض الوحدات السكنية للحراس والخدم فضلا على احتوائه على قنطرتين لمرور العامة, واخرى في محلة القنطرة وقنطرة الديوه جي في محلة الامام ابراهيم, وقنطرة القطانين التي تربط السرجخا نة بالجهة المقابلة وتوجد قنطرة بيت(اغوان) وتقابل قنطرة ( القطانين )

في الطرف الثاني من الشارع العام , وقنطرة( الجومرد) وهي من اشهر قناطر الموصل تصل السوق بالجهة الثانية اما قنطرة (حاج توتو) فتقع في منطقة الجامع الكبير وعلى مسافة غير بعيدة توجد قنطرة (بيت حافظ) وتصل بين ثلاث مناطق دفعة واحدة اما( قنطرة الجان) الواقعة بالقرب من محلة النبي جرجيس وهي طويلة وتربط عدة طرق ويروي الاهالي قصصا مخيفة عنها تتعلق بظهور الجن وكان الصبية يتجنبون المرور فيها ليلا. وتوجد ايضا قنطرة (حوش الخان) وتقع بالقرب من منطقة باب الطوب وهي من اصغر القناطر, وفي منطقة الميدان توجد قنطرة يطلق عليها قنطرة(الميدان)”ويشيرالمؤرخ ازهرالعبيدي في كتابه موسوعة الموصل التراثية الى ان هناك قناطر هدمت في سنوات سابقة ومنها قنطرة (البرذعجية) التي هدمت في عام 1972م وكانت تقع في الطريق المؤدي الى الجسر العتيق والقنطرة الاخرى التي تم هدمها قنطرة ( باب الجديد) بالقرب من مبنى محافظة نينوى الحالي” فهي ممرات نحو تاريخ يخفي الكثير من اسرار المدينة التى ستبقى مجهولة بالنسبة الينا والى الابد..

ويجدر المحافظة عليها لتبقى نموذجا معماريا فريدا من نوعه في مدينتنا الموصل العريقة .لكن ما حدث خلال الهجمة الوحشية لداعش على المدينة واختباءهم فيها وفي سراديبها ادى الى تدمير الكثير منها ولم يبق منها الا شواخص هياكل نخرها الرصاص وذلك ما سيذكره التاريخ والاجيال بكل اسى واسف وحسرة والم على تخريب تراث مدينة  وتدمير حضارة  امة   .

(1) المصدر:من كتاب –مباحث في تاريخ وتراث الموصل لذات الكاتب)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *