السبت , أغسطس 18 2018
الرئيسية / آخر الأخبار / عندما تتهشم القناعات القديمة

عندما تتهشم القناعات القديمة

 د. حيدر السيد سلمان

نحن نعيش في القرن الحادي والعشرين حيث بلغت الحداثة والتحديث قمة ازدهارهما وتربعت تقنيات الاتصالات على دست العالم كميزة له وشكل من أشكال التطور العلمي البالغ مستوى أرفع وأرقى نتيجة لجهود العقول البشرية التي تثابر في صراع مع الزمن باستخدام العلوم والمعارف لتسخير كل شيء لخدمة الإنسان.
كان العراقي نتيجة لثقافة متراكمة وربما لسنوات الحصار الطويلة والعزلة عن العالم الخارجي، قنوعاً راضياً بحياته البسيطة وما يتوفر له من خدمات، خصوصاً تلك المرتبطة بحياته اليومية وطرق معيشته وحركته بحثاً عن الراحة والسعادة الدنيوية، وكان العراقي يرى في شوارع مدنه وساحاتها أنها تناسب ذوقه ولها مسحة متقدمة وعصرية، والخدمات التي تقدمها الحكومة له في أحيان كثيرة مِنّة أو ما يمكن أن نسمّيه كرماً من جانبها، وبالفعل فقد رسّخت الدعاية الحكومية هذه المفاهيم التصورية وأفرطت بإلحاح على أنها تقدم كرمها ومكارمها للناس من خلال افتتاحها مشاريع جديدة وإنشاء خدمات جديدة بطريقة إيحائية خبيثة تصوّر حالها وكأنها صاحبة مِنّة وكرم وعطاء.
ساهمت هذه الدعايات الضخمة في ترسيخ قبول الناس واقتناعهم بالأنماط الحياتية البسيطة، وحتى البعيدة أصلاً عن كل تطور عصري، ولعلّ الجهات الأخرى المساندة لدعاية الحكومة من خلال بث ثقافتها العقائدية التي تروّج بتركيز عالٍ لعبثية الحياة الدنيا ووجوب الزهد فيها وإهمالها والالتفات إلى الحياة الأخرى الموعودة ما بعد الموت والعمل بهذا الاتجاه كل ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلاً من خلال تسخير حياته ونشاطه بدلاً من الإبداع والعمل الدنيوي والتقدم؛ تسخير كل شيء إلى الحياة الأخرى التي تنتظره بعد مماته والنظر باحتقار لهذه الدنيا الزائلة وتفاهتها مقابل ما ينتظره من جنة سماوية بعد الموت، وهذه مخالفة صريحة وواضحة لقول الإمام علي: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا، وبالفعل أصبح الإنسان العراقي قانعاً خاضعاً للفلسفة الزهدية راضياً بحياته البسيطة الفاقدة للّذة والمتع والبهجة وبمستوى منخفض من الخدمات التي تقدمها له الحكومات، زاهداً بأماكن الترفيه والحياة العصرية حتى أن مسألة الترويح عن النفس والبحث عن السعادة أمست بطراً متناقضاً مع حياته العامة وكلّ متعة مؤجلة لما بعد الموت .
بعد أن كُسرت الجدران العازلة وتهشمت خطوط الصد المانعة لوصول المعلومات والمعارف وأنماط الحياة العصرية، وذلك عن طرق متعددة ومنها التوسع الهائل في وسائل الاتصالات الحديثة، والاستخدام الكبير لها من قبل الناس، بالإضافة إلى شيوع ثقافة السفر إلى خارج العراق، فقد كان لهذه الوسائل أثرها البالغ في تحطيم القناعات المعشّشة وتصورات المِنّة والكرم الحكومي، كما انفتحت آفاق جديدة مثيرة وغير معروفة سابقاً -إلاّ للقلة القليلة من الناس- ومنها التمتع بحياة الرغد والرفاهية والسلوكيات الاستهلاكية الخاصة بتوفير السعادة والتمتع بالثروة، فأصبحنا نلحظ حركة غير مسبوقة للعوائل لارتياد المطاعم وأماكن الترفيه لتسود بالتدريج ثقافة جديدة هي امتداد للثقافة العالمية .
خلال سفراته واطلاعه عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو ماتعرضه القنوات الفضائية، انصدم العراقي بعالم مختلف عن عالمه من نواحي البيئة والخدمات العامة المقدّمة له، فأصابه شعور بالظلم والغبن والحرمان وهو يقارن حاله بالآخرين من الشعوب، وساهم اتصاله من خلال تقنيات الاتصال بأشخاص هُم أصلاً من خارج دائرة قوميته أو دينه أو ثقافته في انبثاق صراع داخلي تميّزي بين أوضاعه وحياته وحياة الآخر في المكان الآخر (( وهذا موضوع آخر )) هنا بدأت صناعة ثقافية وذوقية جديدة تتولد بداخله وعلى سبيل المثال، فإن ميزة السفر التي أصبحت عامة بالعراق (يمكن لنا من خلال الانتشار المذهل لمكاتب وشركات السفر حسبان مدى شيوعها)، هذه الميزة دفعت شعورياً أو لا شعورياً العراقي الى أن يقارن بين المستوى الحضاري والبيئي والخدمي للمدينة التي يعيش فيها وبين المدينة الاجنبية التي يزورها، فمدينته الصحراوية المتربة دائماً الخالية من الاخضرار والشوارع العارية والساحات والحدائق البائسة لم تعد ملائمة لقبوله ورضاه، وتفتت صخرة قناعته التي عملت على ترسيخها الحكومات والجهات الساندة ومنها حكومات ما بعد 2003 مستهدفة إخضاعه وسرقة ثرواته وإبقائه تحت سلطة الجهل والتخلف والفقر الحياتي كوسائل لترويضه وحكمه بسلاسة، غير أن تلك القناعات القديمة حطمتها رؤية مدن، كطهران ومشهد وبيروت واسطنبول ودبي وغيرها من المدن ذات مواصفات الجودة المدنية العالية، ولم يعد العراقي ذاك القانع بمدينة غير مشجّرة ولا تتنمّط بالحياة العصرية من المطاعم والحدائق والمقاهي، ولم يعد راضياً بالسير في شوارع تملؤها الأوساخ والأتربة والجدران الكونكريتية والملابس العسكرية والمجاري الطافحة، ولم تعد نفسه مستسلمة لتقنينها بالسير النسقي البارد الجامد، وانتظار ما بعد الموت من رغد وهناء دون البحث عن أماكن للتسليه والترفيه والسعادة مثل المتنزهات والأسواق الكبيرة، ولم يعد مكتفياً العيش بحيّ سكني وسخ وقذر تعشّش فيه الأمراض ويجد أطفاله صعوبة بممارسة ألعابهم ولهوهم الطفولي البريء، فحدث تمرد أو ثورة داخلية تعتمد المقاربة بين حال البيئة التي يعيش فيها المحرومة من الحياة العصرية، والبيئة الجميلة التي يجدها في مدن العالم التي يسافر إليها، من النظافة والعناية الفائقة بالحدائق والأشجار والساحات الخضراء سواء تلك التي تتمركز في الإحياء السكنية أو العامة بشوارع تلك المدن، وأصبح يفاضل بعقلية الإنسان المدرك، محيط مدينته التي هي عبارة عن كثبان رملية وأحياء عشوائية ومناطق جرداء، وبين محيط المدن الخارجية التي تتشكّل وكأنها لوحات فنية طبيعية رائعة باذخة بالجمال والإبداع الهندسي، إذ تفنن المهندسون في صنع بيئة طبيعية مثيرة للانشراح، وفي مدينته يعبث من لا يملك الخبرة والمعرفة في فوضى وعشوائية بالشوارع والساحات، وفي الوقت الذي يجد في مدن العالم التي يزورها تلك الهندسة المعمارية والتخطيط العمراني البديع واهتمام الحكومة وإنفاقها الكبير على إصلاح ماتخرب وتضرر وتعبيد الشوارع وتنظيم حركة المرور والسير، ويرى دقة الترتيب والحماسة التي يتمتع بها العمال البلديون والمسؤول عنهم يعود إلى مدينته ليجد عالماً مختلفاً بتخلفه وبشاعة واقعه، فيصيبه الذهول عن مدى الظلم والاستهانة به وبحياته وبرفاهيته الدنيوية، ليرى أن أولئك الذين يحكمونه أجلاف جهلة بعيدون عنه وعن رغباته .
الآن هناك تدرج في رفض القبول والانصياع لثقافة الأوساخ والشوارع العارية من الجمال والمدن الفاقدة للمساحات الخضراء والأسواق البدائية، الآن لم يعد المواطن راضياً عن سيرهِ بشوارع طينية يتعثر بها عند سقوط الإمطار، وبالتدريج سيزداد الرفض والعناد على ضرورة تغير شامل في العقل والذوق المتسلط على إدارات المدن والبلديات وإحلال من يملكون خبرات في التخطيط العمراني وتنسيق شوارع المدن وتشجيرها وإنشاء الأماكن الترفيهية. لم يعد العراقي ذاك القانع بمناظر البشاعة والقبح التي تسيطر على مدينته وحيّه السكني، ولم يعد ذاك الموافق للعيش بمدينة لا تملك بيئة نظيفة واستغلالاً للطبيعة بمهارة وذوق بما يوفّر أجواءً نفسية مريحة وشعوراً بالحياة كإنسان حقيقي عصري وليس كإنسان يعيش عصر البداوة والقناعات البدائية، ولم يُعد ينتظر الحُلم العقائدي بعد موته.

شاهد أيضاً

شُكرًا للدراما السورية

  زينب علي البحراني لا شيء يملك تلك المقدرة السحرية على حِفظِ رائحة وطنٍ من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *