الأحد , أكتوبر 22 2017
الرئيسية / أدب / ” فصلٌ في البلاد “

” فصلٌ في البلاد “

فارس السّردار

في اللحظة التي وضع فيها رعـد فاضل النقطة وراء كلمة: ((وليت)) التي ختم بها (فصل في البلاد)، ومنذ افتتاحه الكلام بجملة: ” حُزَّ عُنْقُ دجلةَ ” زجّني في المتاه والفزع والوحشة.. وكأني لم أعش ذلك معه!، وضعني تماماً أمام زمني المتخبّط بعشوائية الفوضى، والدّمار. زجّني بقوة في الاستفهام، فصرتُ أسأل النّص عن واقع كأنّي لم أعشه إلاّ معه هو وحده!!:

” حُزَّ عُنْقُ دجلةَ، والكرخُ كانَ داميَ الوجهِ يبكيهِ،

وكانتْ تخيطُ أكفانَهُ الرّصافة “.

 

هل وحدها بغداد، بشاطئيها الكرخ والرصافة مَن كان يتلقّى ردّة الفعل هذه؟.

إن هذه الإحالة توكد لي ما تعنيه الكرخ والرصافة في ذاكرة التاريخ، شعراً، وتصوّفاً، وعلماً، وثقافة، وفقهاً وعمارة.. كونها مستودع هذا النتاج وخلاصته. الجهد الذي اؤتمنت عليه بغداد

( فحزَّ العنقُ). لغم كبير يزرعه الشاعر في أوّل مثابة للنص، مغادراً بذلك ما عرف به من أسلوب يُعنى بما هو (داخلي/ داخلي) منفتحاً بما هو(داخلي) على ما هو(خارجي)، مُستمدّاً القوّة الخلاّقة من براعة صياغاته الشعريّة، ليضعنا في علاقة تعلّقنا ما بين التأمل والتحليق: (أَظِلَّني). كأني وأنا أقرأ أسمع البلاد كلّها تصيح:

” أَظِلَّني يا هذا الغيمُ.

كوني عشباً أخضرَ الوَجهِ يا صُفْرةَ الصّحراء.”

 

بقوّة رؤيا صوفيّ رأى أنّ الغيب والمستقبل لا يمكن أن يتخلّيا عنه، وأنّهما سيظلاّنِه، ذلك أنه يعرف أنّ الغبار وإن لفّه سيخضرّ هو الآخر يوماً.

ينبّه رعـد فاضل إلى:

” الوردُ هو الآخرُ ممنوعٌ مِن التّجوال ”

لماذا؟!:

” يَرُدُّ (مثلَنا) عليهِ أبوابَهُ قُبيلَ المساء.”.

زارع فخاخ، هو، أيضاً؟. يأتي الجواب مُبطَّناً وملمِّحاً بمكاشفة وعتاب للبلاد نفسها:

” ما كنتِ في أيّ جَلجلَةٍ صَعَدتُها معي

غَيرَ أنّي دونَكِ

كنتُ أصعَدُ كلَّ مِقصَلة.”.

 

لسنا أمام تحوّل آيديولوجيّ ما، بل نحن في مواجهة غسْل عطنِ مرارات سابقة كان يغصّ بها الشاعر، ولا بدّ أن يكون الأمر كذلك إذ:

” رتلُ غُزاةٍ طويلاً… طويلاً… يظلّ ُ يمرُّ…

غيرَ أنّ ظلَّ النّخلِ أطوَلُ…… ”

 

لذلك أقول: إنّ هذا الفصل- القصيدة يقرأ المشهد بعلمية مجازيّة (إن صحّ التّعبير) عالية، يفهم آلية حركة الأشياء من حوله، فالرّتل يمرّ وسيمرّ لزمن، بينما النّخلُ لا زمن مُحدّداً لمروره.

لا تكتفي القصيدة بهذا المنحى، إذ تمرّ على العلاقات الاجتماعية وما فيها من حميمية تحسّ أنّها تدخل قلب الرؤيا، مُنحّية كلّ الشوائب التي راهن عليها مَن راهن ليلقي بها القارئُ خارج ما انطوت عليه فطرته وذائقتُه التي شكّلها نسيج العلاقات الحميميّ:

” أمسِ جيرانُنا كسّرَ الغُزاةُ فيما كسّروا لهم أصابعَ ظليّاتِهم، وسيقانَ وردِهم،

غيرَ أنَ وردَ حديقتِنا قامَ يَمدُّ أصابعَهُ ويُعَرِّشُ فوقَ أبوابِهم وسياجِهِم”.

كان الشاعر في نصوص شعرية سابقة يؤكّد أنّه لا ينام إلاّ مثل ذئب ليحرس كتابته من لصوص الكلام، والآن صار لا يحرس الكتابة وحدها وإنما أشياء لا تقلّ أهميّةً عنها، لأنّ الغزاة:

” صاروا حتّى تحت الوِسادةِ

كلَّ ليلةٍ يَتجوّلون”.

 

يتصاعد العنفوان الدراميّ للقصيدة، مُرتقياً بعد هذه المشاهد- إلى الفعل الذي يتربّع على ردود الأفعال:

” لِمَ دائماً بينَ يَدَيَّ (تساءلَ الليلُ)

يُمنَعُ التّجوال؟.

 

إنزلي إلى الشّوارع ِ إذاً

أيّتها النّجوم”.

 

كما رأينا يأتي التمرّد هذه المرّة كونيّاً، في إشارة من الشاعر الذي عُرف عنه اهتمامه بتاريخ العراق القديم وثقافته، إشارة إلى سماء بابل التي رسمت خرائط النجوم لتتمظهر حرّاساً في الشّوارع، وتعلّمنا مرّة أخرى اتجاهات الطُّرق، وقدرتها على إماطة لثام الظلام بالضّوء. إنّه يدفع بالرموز، والدَّلالات- قديمها وحديثها إلى النزول- ليعيد إلى العالم ما تزعزع فيه من ثقة من خلال( إن استطاعوا أن يحزّوا عنق دجلة) فليحزّوا إذاً الضّوء والنجوم والنّخلَ، وجبل زاجروس.. إلى آخره. يتساءل الشاعر:

” بِمَ ماتوا/ ويَموتون؟

– برصاصِ الغُلاةِ.

غيرَ أنّهُم بينَ يديهِ

في كلِّ مِيتةٍ يَتسنبَلون”.

 

وعلى الرغم من أنّ فعل (الحزّ) يأخذ أكثر من معنى، فهو التّهجير والمنفى، الشّلل والتكبيل، القتل والاقصاء والتّهميش وفقدان الحرية، الإحساس بالاختناق وسط النفق، وغياب الهادي، إن كان هدهداً أو حمامة، وعلى الرغم من تشابك الظلام بصورة الطّوفان، إلا أنه يقرأ ويبصر ما يلوح من بين كل هذه الفوضى، وكلّ ما يمكن أن يضيء.

هذا التدافع المحكم والاحتدام للصّور، والقراءة العميقة للعلاقات بين الأشياء، وفهم حركتها يخبّئ قوة دافعة مبشرة، داعمة لكلّ ما هو قادر على التّجاوز.

إنّ الشاعر لا يهوّم متعلقاً بالتّمني الطوباويّ الحِسيّ المنفعل، على العكس تماماً إنّه يكتب نصاً (لا يذكِّرنا) وإنما (يحرّضنا) على التّخيّل من خلال الألم، تخيّل حتّى ذكرياتنا! بالأسلوب الذي يدفع باتجاهه- هو، فكأننا نتعرّف لأوّل مرّة على مفردات مثل: ((سطح البيت، الطيّارة الورقية، الشمس، الثلج بوصفه لحيةً للشيخ زاجروس- الجبل، وعمامته الغيوم، الجوز والبلوط، السماء والغيم، القشّ والصحراء والسنابل، والنخل..)).

ترى ما الذي يتهاوى فينا وينبني، ونحن نقرأ هذه العلاقات الخلاّقة بين هذا المفردات التي كنّا نظنّ أننا نعرفها؟!. سؤال يبقى معلّقاً أمام كلّ قراءة قادمة.

على الرغم من أنّ رعـد فاضل يدرك جيداً أنّ الكلمات لا يمكنها أن تحرّك فعليّاً ولو غصناً، فهو يدعو إلى البحث عن كلّ ما هو بِكر، لا بل يجلس هو نفسه إلى نفسه، ويقلّب أوراق حياتها، أي كأنه في حالة مراجعة لذاته الإنسانية عبر ذاته الشعرية المُفكِّرة- لغربلتها. يقف أمام صورة جّده المرسومة بقلم الرّصاص، وبين يديه إرثه منه الذي هو ليس سوى: ((صرّة مخملية تضمّ: خنجراً، وحزاماً جلدياً عريضاً، ومسدساً فَرْداً)) هي صورة أخرى لجدّه لم يعرفها الشاعر عنه من قبل:

” لا تَــرْثـِها. وَرِّثها…”.

 

من هنا تنبعث مسالك الضوء، ومن هنا تشرئبّ الأعناق متطاولة مع زاجروس، فسياج البيت لا تحميه: ” لعلّ، وكيفَ، ومِمّ، وليت” كما يرى الشاعر، فالطريق واضحة، هي معراج الضوء، الضوء الذي ارتضينا يوماً أن يبقى مخبوءاً في صرّة مخمليّة، لكنّ صورة جدّنا الأخرى التي قادتنا إلى ما كنّا عليه هي شيء آخر علينا أن نتلقّفها بكونها إرثاً لنا، وعلينا أن نورّثها تالياً، لا أن نرثيها كعادتنا.

هل أبدو شارحاً للنّص؟!.

يبدو لي ذلك. سأتوقّف إذاً!.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*(فصل في البلاد) من مجموعة ( رعد فاضل و  اسمي الشّخصيّ)* للشاعر رعد فاضل، نشر في العدد الخاص ببعض رموز الشعر العراقيّ، جريدة الأديب العراقي.

شاهد أيضاً

براءة دمي ..

 حسب الله يحيى عندما تلقيت رسالة التهديد بالقتل؛ كنت في ذلك الوقت بالذات أعمل في …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *