السبت , سبتمبر 22 2018
الرئيسية / آخر الأخبار / فصل من رواية( فارايا) لـ عبد المنعم الأمير

فصل من رواية( فارايا) لـ عبد المنعم الأمير

 

( 1 )

دهمته الشمس بأشعتها السوداء، لتسكبَ ظلّه على الرصيف جسدا بلا رأس، وهو يتحسّس طريقه هاربا من غابة الرؤوس التي تمتد على مساحة شاسعة من الأطفال والآباء والأمهات .

رأس طفل، شفتاه تتوردان على حلمة..

رأس فتاة، مبللة رموشها ببقايا حلم بالحياة..

رأس امرأة، عيناها تفيضـــــان حنانا وهــــي متكورة علـــى رضيع كرحم..

رأس شيخ، حرث الزمن وجهه بالحكمة؛ فانحنى يلامس الأرض امتلاء..

غابة على مد الفجيعة، وهو يتقلب على غير هدى في غابة الرؤوس المقطوعة بحثا عن رأس كان يوما ما رأسه، قال الرأس الشيخ :

  • يا بني، من يريد رأســــا فــــي زمن لا يصلح الرأس فيه إلا للقطع؟!

الشمس ترسمه جسدا بلا رأس . يترنح ويتشبث خشية السقوط به هو، وما من أحد سواه . يتخفى عن أعين الناس التي لم تعد فضولية كعادتها، وهي تمر به ولا تلتفت، وتراه، بلا مبالاة، جسدا بلا رأس!!

أنامله تنط كرؤوس أفاع في سلة حاو هندي . تتمايل مع جسده الناحل على أنغام الناي. بعد أن تحولت كل حواسه إليها، فهو يسمع ويرى ويشم من خلالها، وصوته الشاخب يخرج من مكان عميق فيه لا يدري من أين ؟.

كان هنالك ثمة كلب بوليسي يشمشم أكف الناس بحثا عن خيط ظلّ عالقا في كف أحدهم من أثر التدخين، فالرائحة شبهة، قد تجعل من صاحبها روحا هائما في لا مكان ورأسا مشتولا في غابة الرؤوس المقطوعة. تلك الغابة التي تمتد على مد الفجيعة، كأن لا يقبّل كفّ الجلاد وتنفلت من شفتيه كلمة، مثل ابن صديقي أبي بشار الذي ألقي القبض عليه بالجرم المشهود وهو يمص عقب سيجارة. صغيرا كان لم يبلغ عمره ستة عشر عاما، حين أمره الجلاد والسوط ينهش ظهره الغض ويديه وقدميه، أن يستغفر ربه عن أثم التدخين، وتعالى الله..

يجر خطاه على أرصفة لم يعد يعرفها، تائها عنه، يراه متشظيا في آلاف المرايا، لكنه لم يكن هو ، كان مسخا لا غير ، الأرصفة تنكره ، والشوارع والأمكنة ، كأنما حلت روحه المسخ فيها، صارت هي، وليست هي، البيوت التي تتكيء على بعضها بمحبة وحنو غريبين منذ أمد، في المدينة القديمة، حتى إذا تهدم بيت منها تداعت له بيوت عدة حزنا وكمدا، صارت تشي ببعضها، ربما لأنها تريد أن تحافظ على ذاتها مسافة أطول من الزمن، بعيدا عن الموت القادم لا محالة، وهي تجهل أن انتظار الموت أقسى من الموت نفسه ..

جرته قدماه بلا هدف أو رغبة منه في الشوارع التي نسيت أسماءها، متجها إلى لا أين، لكنه كان يمشي. في داخله صوت يحثه على المشي وهو غارق في التيه. يعرفه هذا الجسر الصغير الذي يمتد فوق وادٍ آسن بمحاذاة النهر، فهو الذي كان يعبره في طريقه الى كراج الحمدانية ( قرة قوش ) في رحلته السنوية للمشاركة في مهرجان المحبة الذي لم يخلف موعده معه أبدا. ربما لأنها قرة قوش، تلك التي علمت القلب لثغته الأولى فصار شاعرا. تمسح برأس الشعر؛ ليطير حمامات محبة. تضع يدها في خابية الغيم، فيمطر خمرا وحبا. تفتح ذراعيها كل عام بلهفة أم وشغف عاشقة وترش وجهه بماء الورد والحب معا، أترى الأحلام مازالت عالقة على أهدابها، بعد أن انكسر كل شيء فيها وفينا ؟

لما تزل مدينة الالعاب ملاذ صباه في مكانها، لكنها حتما ليست هي، لقد هجرتها الروح، فالأمكنة بالروح التي تطوف فيها وإلا لن تكون شيئا. باتجاه الجسر العتيق وهو يعبر دورة صغيرة، يرى في البعيد البرج المتبقي من قلعة باشطابيايتكيء بكسل على ما تبقى من القلعة، والمدينة القديمة ببيوتها وقباب مساجدها وكنائسها، كانت تطل على النهر وتدلي أقدامها في مائه بألفة، فهو الذي يمدها بالحياة وهي التي تمده بالحب .

زوارق صيادي الأسماك في الأفق تذرع النهر وترمي بالشباك التي تعود بعد حين محملة. خطوات ذاك الصياد الشيخ في صورة مراد الداغستاني مازالت محفورة على الرمل، وظل شبكته المفتوحة في عين شمس الفجر مرسوم على رمال ذاكرته التي تعذبه بإلحاحها عليه بالتفاصيل الصغيرة ، وأقتل ما في الذاكرة تلك التفاصيل التي انفلتت من بين الأصابع كرمال الشاطيء ذات يوم لتعود على شكل جرح فاغر يترك فيه ألف باب موارب للموت ..

وقف على الجسر العتيق، يرى النهر الذي منذ آلاف السنين يشق طريقه لا يلوي على شيء، يزرع الخير أنّى حلّت قدماه، لكنه ككل شيء اصطبغت عيناه بالسواد، مياهه سوداء، شواطئه سوداء، يراه منعكسا على صفحة السواد، جسدا بلا رأس، نقطة ما في هذا الظلام اللا متناهي الذي لبس كل شيء..

من مكانه ذاك، على حافة الجسر العتيق، ينظر صورته المنعكسة على صفحة الماء القاتم، يزعجهأن الناس تمر به دون التفات كأنه ليس هنا. هل أصبحت رؤية الاجساد المقطوعة الرؤوس مشهدا عاديا لا يثير فضول أو شفقة أو خوف أحد؟ أم أن المدينة كلها صارت أجسادا بلا رؤوس؟!!

 

* * *

 

كان هكذا، واقفا أمامه..

ومن مكان بعيد ، حيث المكتبة العامة في المدينة، فوهة تنفث رفات الفلاسفة والشعراء والأدباء والعلماء المحروقة في الهواء، فتمطرها السماء دمعا أسود يبلل كل شيء ويزيده عتمة. تزكمه رائحة الشواء التي تتسلل إليه من كل مكان، يرى الألم المحض، وهو يلتهم الروح البشرية ورقة ورقة، ألهذا حرم نفسه من مباهج كثيرة ليوفر ما يشتري به كتابا تستحيل أوراقه رمادا لمجرد أن تمد النار لها لسانا، فيفوح منها شواء اللحم البشري، لأناس سكبوا أرواحهم فيها حياة ؟

كان يجمع مصروفه يوما بعد يوم، ودرهما بعد درهم ، ليعرج يوم الخميس في طريقه من المدرسة إلى كشك منزو ليس له أسم أو ملامح، لا يثير اهتمام من يبصره ببضاعته الكاسدة من الصحف المتشابهة التي لا تنشر إلا أخبار الموت ليعيش العتْوي الأوحد، والمجلات والكتب، كان قد رأى ديوان المتنبي ، وهو يعلم يقينا أن دخول كتاب خارجي، لم تقرره وزارة التربية إلى البيت يعدُّ من الكبائر التي لا تغتفر ، فعليه أن ينجح. وينجح فقط؛ ليبتعد عن حجابات الموت التي تمتد على مساحة ثمان سنوات من عمر الوطن، وأجيالا من المأساة ، أما الثقافة والأدب والشعر فهي ترف يفسد أمثاله من الفقراء؛ لذا عرى المتنبي من لباسه المذهب ، وحوله إلى ملازم دسها بين كتب المدرسة، ورسم على وجهه البراءة والإيمان المطلق والتسليم المحض بأوامر ولي الأمر حتى لو حرّم الستلايت بوصفه جهازا خبيثا ينفث سمومه في العقول لإفسادها بالأكاذيب، أو الحقائق ، لا فرق ، فدفع ببعض السائبة ليلموا أجهزة الستلايت من البيوت ، ورغم أن الكثير من الأحياء في المدينة التمّ سكانها وأشبعوا السائبة ضربا بما تيسر من الأحجار والأحذية والشوامـي ( الهراوات ) ، إلا أنه هو لم يكن يفكر بمخالفتهم إن جاؤوا إليه ، كان بإمكانه الاستغناء عن الستلايت، والعودة إلى الكتاب، ويصل ما انقطع بينهما بعد أن أفسد علاقتهما الستلايت والأنترنيت ، فهو منذ زمن لم يعد يتابع القنوات الأخبارية ؛ لأنه يعتقد أن هذه القنوات غالبا ما تقدم الخبر بالصورة التي يمليها توجه المالك، بينما هو يبحث عن الحقيقة، والحقيقة عند الناس ..

تذكر مكتبته ، شعر بحاجة ملحة للبكاء، كان كل شيء فيه يبكي، ما الذي سيحل بها بعده ؟.. كان متأكدا أن كتبه المرصوفة بانتظام لم تعرفه حياته أبدا، على رفوف المكتبة.. تشعر باليتم الآن أكثر من أطفاله ! فالكتاب الذي لا تمتد يد لتداعب أوراقه، كالمرأة التي أحيط جسدها بآلاف الأسلاك الشائكة ؛ فلم يعرف يوما لذة المداعبة .. إذا ربما هي لا تشعر باليتم – أعني الكتب – إنما بالترمل .. فيراها كأي أرملة تخلو إلى جسدها ليلا تداعبه بأنامل راجفة لا تمنحها إلا المزيد من الجوع، أو تمارس السحاق فيما بينها على الرفوف، لكنها، رغم كل شيء، تظل عاقرا لا تستطيع أن تخلق حياة جديدة …

النوارس تكحل الأفق باللون الأسود ، وهو على حافة الجسر يرى كل شيء، هي أيضا تخلت عن لونها الناصع البياض، واتشحت بالسواد، أم أن أنامله مصابة بعمى الألوان، فمنذ انفلاته من غابة الرؤوس خارجا صار كل شيء أسودفي عينيه. المدينة تخلت عن فسيفسائها الجميل، وأخفت ألوانها البراقة التي تشع بهاء وحياة في كندورها العتيق ، ولبست اللون الأسود حدادا على ما اصطبغ منها بالموت ؟ المدينة تتغير ملامحها كل يوم ، وتلبس لباس كل فاتح جديد ، يمحو ما خطه القديم ليضع على قسماتها مكياجه هو ..

ينتبه إلى جسد يسير باتجاهه ، جسد بلا رأس مثله تماما، غير أن هذا يلبس جبة كان يلبسها رجال الدين في المدينة ، قال ساخرا :

  • كنت أتصور أن الأجساد التي سأراها بلا رؤوس تلبس الجينز كلها ، فما قصتك أنت ؟

قال الشيخ :

  • ناقشتهم، فبهتوا، ورجعوا إلى أنفسهم، ثم بدا لهم من بعد أن رأوا الآيات ليزرعوا رأسي في غابة الرؤوس خوفا على الناس من الفتنة !!
  • وكيف ذلك ؟ لو تركتني أجد رأسي في الغابة لرأيت ابتسامة ساخرة على شفاهي !!

قهقه بصوت يشبه الشخيب يطلع من مكان ما بداخله. مدّ الشيخ يده تحت جبته وأخرج نسخة قرآن مذهب الغلاف، وأعطاها إياه، فأخذ يقلب صفحاتها، كانت بيضاء كلها إلا من بعض الآيات المبتورة !!

 

* * *

شاهد أيضاً

من غرائب أحداث ذلك الزمان

– بلاوي فتحي الحمدوني “تعد مدينة الموصل من المدن التي حبتها العناية الالهية بالكثير من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *