الإثنين , أبريل 23 2018

فكرة

 

علي لفته سعيد

المكان ليس خارطةً، والزمن ليس ساعاتٍ وتاريخاً.. في النصّ يكون المكان روحاً ملموسةً وهائمة، مثلما هو الزمن الذي يعد لحظة النّفخ في روح النصّ، ليتحرّك ويعيش ويصيب النصّ ديمومةً كبيرة.. ولأن المكان غير ثابتٍ، وهو متغيّرٌ حتى في المعالم عبر الزمن أو المتغيّرات الطبيعية أو اختلاف الرؤى في معانيه بين منطقةٍ وأخرى، فإن الجدلية الأخرى تقول إن الزمان أيضا غير ثابت لأنه صنو المكان.. ولا مكان بلا زمنٍ، ولا زمنٍ بلا مكانٍ، حتى لو كان فضاءً أو مخيلةً، فهي منطقةٌ ينطلق منه الفعل فينتج الزمن.. ومنطقةٌ يشير الى الفعل فيولد الزمن.. ومعالم ترسم الملامح فيتحرّك الزمن، حتى لو كان يحمل ذات التاريخ بين مكانين.. لأن الزمن والمكان ينتجان بيئةً ووعياً وثقافةً مختلفة.. بل إن التعريف يختلف من مكانٍ الى آخر و من زمنٍ الى آخر.. وهو لحظة تجلّي قد تمكّن معالم التنقيط والتأشير والولادة من دمجها ليكون مصطلح الزمكان ولم يقل أحدٌ منهم (المكازمن) لأن اللّفظ أقرب الى القبول في الحالة الأولى من الثانية.. ولذلك يبدو السؤال متاحاً: هل هناك اختلافٌ في ثقافة تلقّي النصّ بين مكانٍ وآخر وبين زمان وتوقيتاته؟ بمعنى هل هناك فرقٌ في التلقّي بين مجتمعٍ وآخر.. بين مكانٍ آخر وزمانٍ مختلفٍ.. مع افتراض وجود النصّ ذاته الذي وُلد وأُنتج في مكانٍ آخر أو دولةٍ ما تختلف عاداتها وتقاليدها وتلقّيها وقدرتها على فهم النصّ؟

والإجابة هنا لن تكون كما تشير المعاجم العربية في الدلالة اللغوية إلى أن المكان هو( الموضع، وتعني التوسع المكاني، وتطلق على وكنات الطير والمنازل ونحوها (وان بعض النقاد العرب ترجم المصطلح الأجنبي بـالفضاء أو إنه الحيّز وإن المكان هو الفضاء وهو (بمثابة الوعاء الضخم الذي يستوعب بداخله الأمكنة المختلفة: الكون بمجراته ونجومه وكواكبه، والأرض بما عليها، وإن كانت دلالة الفضاء تعني في الذهنية العربية: الفراغ والخواء وأيضا العدم) والزمان هو الملموس غير المرئي.. بل يمكن طرح سؤالٍ آخر وفق هذا التعريف أو الإشارة الدّالة على المعنى التي أُريد لها أن تكون ثابتةً غير متحرّكةٍ في الدال والمدلول: هل يمكن أن يكون هناك نصّ بلا زمانٍ أو مكانٍ؟ وهل تتطابق أمكنة التلقّي وأزمانها مع النصّ ذاته؟ أم هناك اختلافاتٌ واعتباراتٌ خاضعةً لروحية التلقّي التي تفرضها البيئة المكانية؟ بمعنىً آخر هل المنتج للنص يأخذ بالحسبان إن نصّه قد يغادر مكانه ويتحرك في زمانٍ قادمٍ، ويُخضع بذات المعايير التي تنتج فهماً آخر للنصّ؟ أم تبقى هذه الثقافة واحدةً لا تتغيّر لأنه جعل التأويل والقصد واحداً وإنه أيّ المنتج يريد إخضاع التلقّي الى خاصيته؟

تفرض علينا الإجابة معرفة جدلية مفهومة مسبقة.. ان المتلقّي يمتلك خاصيتي الزمان والمكان كشيءٍ ثابتٍ أو إن من ثوابت التلقّي أن يتمكن من رسم مشهدية النصّ في التأويل والفهم والمعنى والقصد لاحتواء النصّ وتقشيره ومعرفة سيميائياته، كون الزمان كما يؤكد البعض أقدم من الانسان ويلحقه الزمن أيضا إذ أن خلق المكان يعني هناك توأمةٌ مع الزمن ثم إزاء الانسان الذي حوّل بوجوده المكان والزمان الى الوجود، فثّبت خواصّ المكان وعرفت أهمية الزمن في حركته.. فالنصّ إذا اعتبرناه منتجاً في مكان ما ولحظة ولادةٍ زمنيةٍ، فإن التلقّي لا يمكن أن يكون متشابهاً لأنه ينمو ويترعرع في بيئةٍ مكانيةٍ أخرى لها زمنٌ آخر ووعيٍ منتجٍ مسبوقٍ عن وعي النصّ ورسالته.. لأن النصّ كأيّ مستهلكٍ آخر، يخضع لتعاريف المكان الذي يصل إليه وبما تسبّبه الدعاية في تقبّله واستهلاكه ومقبوليته.. وحتى من عدم وجود هذه الدعاية والإعلان والإعلام، لأن أيّ النصّ سيكون فهمه عملية مختلفة. ومن هنا فان تلقّي النصّ يختلف من مكانٍ الى آخر ومن بيئةٍ زمانيةٍ ومكانية الى أخرى حتى داخل الرقعة الجغرافية الواحدة المتماثلة في التأثيرات الماضوية، بفعل عوامل كثيرةٍ لها ارتباطٌ حتى بالعادات والتقاليد والوعي والأثر والتأثير والواقع السياسي والديني.. بمعنى إن تأويل النصّ في مكانٍ ما مثل العراق الذي قد يكون فيه المتلقّي عاطفياً مع النصّ، يكون التلقّي للنصّ ذاته في دولةٍ أوربيةٍ مثلا من زاويةٍ التأثير الثقافي على الحركة اليومية بعيدًا عن العاطفة، قريباً من العقلانية، ولهذا فإن التلقّي في مكانٍ مثل العراق له إرثٌ حضاريٌّ وتأثيرُ احتلالاتٍ عديدةً تختلف عن حضارة المغرب العربي وتأثير الاحتلال عليه، في زمن كانت الدول العربية جميعها تقع تحت احتلالات عديدة تختلف في حينها ما بين الاحتلال الانكليزي والفرنسي والايطالي والروماني وما فعلته تلك الاحتلالات في النية الاجتماعية والثقافية.

_____

نشر اول مرة في جريدة الدستور

 

شاهد أيضاً

انتهى زمنُ الثوابِت

  زينب علي البحراني   عالمان تفصل بينهما ثورة الاتصالات الإلكترونية: عالمٌ قديمُ لا يتجاوز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *