الأحد , يونيو 24 2018
الرئيسية / أدب / قبلة من نوع آخر

قبلة من نوع آخر

دعاء حمو الابراهيم

ذات صباح أستيقظتُ لآذان الفجر ذلك الصوت الحي في هذا الكون الدامس مررّتُ ماء الحياة على وجهي ، توضأتُ تناولتُ سجادتي وسجدتُ لله بقيتُ جالسة في موضعي بعد الصلاة لأتمّم أذكاري بقيتُ فترة من الزمن بعدها ارخيت ستائر الغرفة وأستلقيتُ في منامي الملاصق للنافذة أحدّق في السماء وأراقب نصل الضوء كيف يقوم بتمزيقها رويداً رويداً كأحلامنا تماماً التي مزقها نصل الزمان دون رغبةٍ وشعور منّا ، كانت السماء تنتقل من مرحلة الظلام الى الضياء بمنظر بديع في ذلك اليوم كأنها لوحة فنية تتخللها نسماتٌ هادئة باردة تشرح النفس ، دعوتُ الله كثيراً أن يخرج حياتنا من الظلام الراكد الى النور المتدفق وغفوتُ كرةً أخرى ، زارني كابوس ممتلىء بالفظاعة أستيقظتُ على أثرهِ مقطعّة الأنفاس أبحلق يميناً وشمالاً لكي أصدّق أنه كابوس ، أستمرت عيناي ترواح هنا وهناك بحلقتُ في السماء لأجد الصباح قد أنبلج وسيطرتْ جذوة النهار على فحمة الليل وهناك شمسٌ خائفة ترسل خيوطها الذهبية محاولة أن تزرع الفرح في قلوب البشر ، وصل الى أُذناي ضجيج السيارات والباعة المتجولة فراود القلب بعض الارتياح ولكن هناك غيمةٌ سوداء تربض على القلب لا تحملُ شيئا من حبات المطر  تجعل شعور الارتياح يمضي هباءاً منثوراً ، بقيتُ على وضعي مستلقية تراودني بعض الافكار ، أبي كان حينها بالمطبخ يحدّث أمي بأنه سيتناول فطوره هذا الصباح في المنزل بعد أن اعتاد على تناولهِ في محل عملهِ مع أصحابهِ ، الساعة تقترب من التاسعة والربع حاولتُ العودة للنوم ولكنني تخوّفتُ من زيارة كابوس آخر بهيئة أخرى ، أعدّتُ النظر في السماء ومع نظرتي هذه مرّت طائرة تمخر عباب السماء منذرة بالشؤم والحزن فدمدمتُ بكلمات راجفة يارب ألطف بنا ثواني قليلة ولم أسمع بعدها الا صوت أزيز الصاروخ يمر من فوق منزلنا ( وشششششششش) لا أعلم ماذا دهاني لحظتها قفزتُ من سريري وقفتُ بمنتصف الغرفة صرختُ بصوت مزّق السكون من حولي وتجاوز عبر الاثير الهادي ( مــــــــامــــــا صـــاروووخ ) ثم أنبطحتُ أرضاً وضعتُ يدي على رأسي مرّ الى أذني صوت أبي ( لاتخافين بنتي ) فأمتزج صوت أبي بدوي انفجار الصاروخ الذي سقط على(الروضة المحمدية) وألتحفتْ باثره السماء باللون الأسود الغامق التي لم يُكتب لها أن تنتزعهُ منذ أعوام مديدة في كل مرة تقرر فيها خلعهُ ولكن لم تلبث ألا وأن تعود اليه مجدداً مقنعة نفسها بأن اللون الاسود هو لون الجمال ولا تلبسهُ الأ الجميلات وطارت حمامات السلام من أوكارها مرتجفة مرتعبة وتناثرت شظايا الأنفجار ووصلت ألى اماكن بعيدة وأُصيب منْ أُصيب ومات من مات لتسجل مدينتنا رقماً قياسياً في عدد موتاها التي تقدمهم في الشهر الواحد أما أنا فهبط زجاج نافذتي من مضجعهِ على جسدي وقبلني قبلاتٌ قاسية جارحة قبلاتٌ جعلتْ الدم يخرج من كتفيّ وذراعي وساقيّ وقبلةٌ أخرى في ظهري كانت هذه أقسى قبلة وأكثرها ألماً لأسجل كرة أخرى في دفتري كيف رواغتُ الموت ولم أجعلهُ يتمّكن من أقتناصي ولكنه هذه المرة كان هو الأقرب الى حبل وريدي من الحياة ، أهلي سلموا منها ولم يصبهم أذى أما منزلنا فُسحق فيه كل شيء تقريباً من النوع الزجاجي .

حينما رأتني أمي في وضعي هذا لم يكن في أستطاعتها أن تفعل شيئاً سوى أن تذرف دمعاً وتختنق في بكائها أبي حاول تعديلي لكنني تألمتُ كثيراً فسألته ان يبقيني كما أنا عند هذه اللحظة دلف اخي فطلب منهُ الاسراع ألى احد أطباء العائلة ، لم يرغب أبي حينها أن يقلني للمستشفى فقال أنها الآن مكتظة ومختنقة بالحالات الصعبة ، كيف جعل الله أبي ذلك الصباح يمكث ليتناول فطوره ؟! أهو شعر بأن شيئاً ما سيحدث ؟! أم أنه رأى كابوساً مثلما رأيتُ أنا ذلك الكابوس اللعين الذي كان عبارة عن رجلٌ كبير عملاق في يده مطرقة ضخمة كان شبيهٌ لأشباح الليل دلف الى بيتنا في غفلةٍ منّا وبدأ يكسّر في أشياءنا ولانستطيع فعل شيء إزاءه بعد ان انتهى حدج فيّ وضربني ضربة قوية لأستيقظ مرتعبة منهوش قلبي من قبل وحش الخوف لم يكن كابوساً مطلقاً بل حقيقة تحققت بعد بضع ساعات يتيميات ، وصل طبيب العائلة ضمّد الجراح وتفوه بكلمة بسيطة لاتخافين . أيُّ بسيطة هذه ؟! من سيعوضنا عن أيامنا التي ذهبت لا تحمل سوى الألم ؟! منْ سيعوضنا عن أجمل فترة في حياتنا من سيعوض لنا شبابنا ؟! منْ سيعوض لنا أياماً أستيقظنا فيها على صوت قصفٍ دامي ؟! منْ سيعوض لنا أياماً بدل ان نذهب فيها صباحاً الى جامعتنا ومحل عملنا غدونا نذهب فيها الى المستشفيات لمدواة جروحنا !! وأيّ جروح هذه التي أصابتنا لو كانت على جروح الجسد لكانت هينة فمدواتها جرعٌ من المضادات والتعقيمات ولكن جرحنا هو جرح الذاكرة ، الذاكرة التي خُتمت باللون الأسود بأي طريقة ستدواى ؟! ذاكرة نتمنى لو نستطيع دفنها ولكن أين ندفنها ولم يبقَ في الأرض متسع فقد أكتظت بجثث البشر وغدت أجرة حفّار القبور من أغلى الأجر.

بعد ذلك لمجرد سماعي أزيز الطائرة يرتجف عقلي قبل قلبي وأهوي الى حضن أمي فتنظر أليّ بعين ممتلئة بالحب والخوف والدمع ، وتنطق من سيعوضنا عن أجزاء قلبنا التي أحترقت كمداً من سيبني لنا سقف أحلامنا الذي أنهار من سيرفع من قلبنا عشّ القهر الذي يوماً بعد يوم يكبر وغدّا يتسع لكل طيور العالم ، فأجيبها بصوت مرتعد فيه بصيص من الأمل الله يا أمي سيفعل .

كل ذلك يحدث يومياً في مدينتي وربما ماحدث معي هو شيء لايذكر مما حدث مع غيري ، فهناك ما هو أفظع وأبشع يحدث بشكل متكرر ، فبشر هذه المدينة أضحوا كحبات القمح التي توضع في الرحى وتطحن وتطحن فحجرتها السفلى هم من في الأرض الذين يطحنوننا كل يوم بألف طريقة وطريقة وحجرتها العليا هم من في السماء يطحنوننا بطائراتهم وصواريخهم والأنكى من كل ذلك أن دجلة الى الآن لم ينبس ببنت شفة لا زال صامتاً هادئاً مغمض العينين عن مايحدث في أرضهِ يادجلة ألم يحّن قلبك لأن تهيج لأن تثور لأن تنتفض ثوّر يا دجلة ثوّر وأنتفض وأغرق هذه المدينة فالموت جميعاً أهون من الموت ونحن على قيد الحياة .

شاهد أيضاً

مشروع تنوير

يعرب السالم جامع النبي يونس تضاربت آراء المورخين حول تاريخ بنائه القديم . يعتبر قبلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *