الإثنين , ديسمبر 18 2017
الرئيسية / مسرح / قراءة في كتاب: “أسئلة الحداثة في المسرح العربي لياسين النصير” إدامة البحث في العقل الإنساني هي جزء من مهمة المسرح الحديث..

قراءة في كتاب: “أسئلة الحداثة في المسرح العربي لياسين النصير” إدامة البحث في العقل الإنساني هي جزء من مهمة المسرح الحديث..

 

 

أحمد الماجد

تعبّر كلمة حداثة (Modernity)(عصرنة أو تحديث) عن أي عملية تتضمن تحديث وتجديد ما هو قديم، لذلك تستخدم في مجالات عدة، لكن هذا المصطلح برز في المجال الثقافي والفكري التاريخي ليدل على مرحلة التطور التي شهدتها أوروبا بشكل خاص في مرحلة العصور الحديثة، حيث قسم ذلك التاريخ إلى خمسة أجزاء: ما قبل التاريخ، التاريخ القديم، العصور الوسطى، العصر الحديث، والعصر ما بعد الحديث “الحداثي”. والحداثة تدل على المعنى اللغوي لها وإن لم تعد تحمل في حقيقتها طلاوة التجديد، ولا سلامة الرغبة، فهي أصبحت رمزا لفكر جديد متجدد، فالحداثة تدل اليوم على مذهب فكري جديد حمل جذوره وأصوله من العالم الغربي واستفاد منه العرب في مختلف المجالات ومنها المسرح.

وتنطلق حداثة الطرح الذي اختاره ياسين النصير في كتابه “أسئلة الحداثة في المسرح العربي” مقدما للأسباب التي دفعته لأن يعيد إصدار هذا الكتاب بشكل مغاير ومع جهة مختلفة في موقع جغرافي مختلف، حينما ذكر في مقدمة كتابه – ذو الطبعة التي أصدرتها الأمانة العامة للهيئة العربية للمسرح ومقرها إمارة الشارقة، في أبريل 2011م، والتي جاءت في 103 صفحات من الحجم الكبير، في سلسلة الدراسات التي حملت الرقم (3) – أن نفاد الطبعتين الأولى التي صدرت في العراق والثانية التي صدرت في سوريا، أكدا بما لا يقبل الشك أهمية “أسئلته”، وأهمية الموضوعة التي تطرق إليها، لما للحداثة في المسرح من أهمية عظيمة كونها أداة التطوير، ومؤشر قياس للوقوف على محطات سير المنجز المسرح العربي ومكانه التي وصل إليها مقارنة بالمسرح العالمي، عبر مفاهيم عديدة للحداثة تنتج من جرّاء التمازج التجاربية بين العوالم المختلفة.

وقبل التعريف بأهمية هذا الكتاب وجب علينا التعريف بكاتبه والذي هو الأغنى عن التعريف، لكنها ضرورة تأتي لمنح الكاتب حقه لمن لا يعرفه، فولد ياسين النصير مؤلف هذا الكتاب في العراق وتحديدا محافظة البصرة في العام 1941م، وهو عضو الهيئة الادارية لاتحاد الادباء في العراق لسبع دورات متتالية وعضو هيئة تحرير مجلة الاديب المعاصر التي يصدرها اتحاد الادباء في العراق بين عامي 1971-1979 وعضو هيئة تحرير مجلة الثقافة الجديدة في بغداد ما بين عامي 1971- 1978 وعضو هيئة تحرير مجلة التراث الشعبي – مستشار التحرير ما بين عامي 1985-1988 كما أنه عضو هيئة تحرير جريدة الفكر الجديد  وعضو هيئة تحرير جريدة طريق الشعب في بغداد ما بين عامي 1971 –1977. شارك النصير في معظم مهرجانات المربد الثقافية ومعظم مهرجانات جامعة البصرة وصلاح الدين والموصل وبغداد كما شارك في عدد من المهرجانات الثقافية في دمشق وعمان والقاهرة وبغداد. وللظروف القاهرة التي مرت على العراق التجأ إلى السفر حاله كحال الكثير من مبدعي ذلك البلد، حيث هاجر في العام 1991 إلى هولندا واستقر فيها عام 1995، وهناك كان من مؤسسي رابطة بابل للثقافة والفنون في هولندا عام 1996  وأصدر في هولندا جريدة ثقافية مستقلة، كذلك أسس مؤسسة اكد للثقافة والفنون في هولندا عام 2000 وترأس هيئتها. كتب للمسرح (قصة أوبريت بيادر خير) 1969م، و(القضية) عام 1969م، و(شارع النهر) عام 1986م. وكتب في النقد المسرحي (وجها لوجه مقالات في المسرحية العراقية) (المسرح العراقي)- مشترك- بتكليف من اليونسكو، (بقعة ضوء بقعة ظل مقالات في المسرح العراقي)، (في المسرح العراقي المعاصر ). ومن أهم الدراسات والكتب التي صدرت له: (الرواية والمكان) بحزئيه، (المكان في ادب الاطفال)، (الاستهلال فن البديات في النص الأدبي) (اشكالية المكان في شعر السياب) و(المساحة المختفية دراسات في الحكاية) كما كتب العديد من القصص القصيرة وله العديد من البحوث المنشورة في المجلات العراقية والعربية.

في الفصل الأول من الكتاب والذي جاء تحت عنوان (اسئلة الحداثة) عرّف النصير مفهوم الحداثة وموقعها التاريخي، مؤكدا على أن الحداثة فن يقع في منتصف الطريق بين قديم منسحب وجديد متقدم، حيث ركزت الفلسفة في القرن التاسع عشر على الانسان بوصفه المكتشف الاغنى في العصر الحديث، حينما تحرر من الجبرية باختياره للعقل، من خلال ثورة الارادة، فإن أي تجديد في أي جانب من جوانب الحياة بما فيها الثقافة وفق ما يرى الكاتب يحمل ضمنا السؤال الذي يقول :فكر قدر ما تشاء، وحول كل ما تشاء، إنما أطع!! ، من هنا يرى المؤلف أن مصائر الإنسان هي موضع السؤال في المسرح ولكن لم ستكون تلك الطاعة؟ هذا هو السؤال الجوهري في نقلة حداثة القرن التاسع عشر، هل ستكون الطاعة للعلم بعد أن جرد العلم بعض القيم الايمانية من محتواها، أم للتقنية؟ بعد ان اختصرت مسافات واسعة من التفكير بترويج العولمة؟ ام للمزاوجة بين الروح والعلم ؟ حيث يرى المؤلف أن الحداثة في أواسط ونهاية القرن التاسع عشر قامت على نبوءات فلسفة التنوير التي مهدت لقيام خروقات هائلة وكبيرة في نظم المعرفة القديمة باعتمادها العلم.

ويعرج المؤلف في الفصل الاول أيضا من الكتاب إلى مستويات الحداثة فارضا حركتها في ثلاث مستويات (تقني/اقتصادي)، (قانوني/سياسي) ( نفسي/ثقافي) كما شخص دانيال هيرفوليجي لمستويات الحداثة، فمحاولة إدامة البحث في العقل الإنساني هي جزء من مهمة المسرح الحديث. ثم يذهب المؤلف بنا إلى مفهوم الدراما وتوصيفها، موضحا أن كلمة الدراما تعني “المسرحيات” بينما تعني كلمة الدرامي صفة المسرحيات، والدرامي صفة تطلق على نصوص غير مسرحية أيضا لكن الدرامي في المسرحية أقرب إلى التوصيف الدقيق منها في النصوص الأخرى، فالدرامي تعني أيضا وضمن بنائها المجازي “الاستخدام الشعري الخلاق للغة”، بمعنى أن الدرامية صفة قارة في كل الفنون. ثم يشرح المؤلف شكل الدراما الحديث بين التنوع في التراجيديا والكوميديا منذ القرن الثامن عشر، حيث يؤكد تطورها عبر الزمن، لتصبح في القرن العشرين المفهوم الذي يرتبط بالفلسفة قبل أن يرتبط بالمسرح، مؤكدا خضوعها في أشكالها الجديدة إلى علم الجدل الذي ما يزال متعلقا بالمفاهيم الأرسطية القديمة. وفي الفصل الأول أيضا يناقش النصير موضوعة القالب الفني ومتطلبات التحديث، مؤكدا على أهمية الشكل في المسرح، مستندا إلى مدرسة بيتر بروك وأحاديثه المسرحية وهو يصف لعبة المسرح الكامنة بقوله :”أصبح صنعة.. ولذا فهو يصيبه الغثيان أحيانا…. إن شكلية المسرح هي سبب قوته”. كما يذكر النصير أن ثمة نمطية متوارثة في التعامل مع تقنيات المسرح، أي ثمة موسم وعروض تملأ بالجمهور وثمة حركة اجتماعية ومظهرية أسواق، كل هذه الفاعليات المتنوعة تؤلف “شكلا” والشكل هذا يتطلب تقنية، وهذه مشكلة لا تبدو سهلة للعاملين في المسرح، فهي من التعقيد ما تجعل العاملين يصرفون جهدا وأموالا طائلة من أجل التقنية.

الفصل الثاني جاء بعنوان “المسرح في القرن العشرين” وشمل ثلاثة محاور (الإرهاصات الأولى للتحديث) و (الهوية والحداثة) و(المسرح والتجديد الفكري). في الإرهاصات الأولى للتحديث، يؤكد النصير على أن الحداثة جاءت وليدة تجارب مسرحية ومدارس وتيارات أخذت من الاشتغال المسرحي الكثير، وأفردت لها مجلدات وتنظيرات وكتبت فيها مئات المسرحيات ليس في العالم الغربي وانما في عالمنا العربي أيضا، ومن تلك التجارب: (مسرح اللامعقول) (مسرح العبث) (مسرح الشمس). ولا أعرف السر وراء تقسيمة ياسين النصير هذه، كون العبث واللامعقول هما تعريفان لنفس المدرسة المسرحية، ونعود إلى الكتاب، حيث سرد النصير تاريخية مقتضبة عن مسرح اللامعقول أو العبث ومسرح الشمس، مبينا الكثير من الأسباب التي أدت إلى التطور في اتجاهات المسرح الحديث ونبذ هذه المدارس القديمة. وفي المحور الثاني (الهوية والحداثة) حيث اكد المؤلف هنا على أهمية الذاكرة الجمعية لملايين الناس، وثقافتهم الشعبية في إعادة الروح للمسرح الشعبي بروح ثورية حيث هنا بدأت الفنون الشعبية الغنية بالرموز والميثولوجيا تبرز على السطح وتمارس دورا وطنيا لتعميق هويتها في الإنتاج الثقافي وتصبح سندا لاحقا للتيارات الحديثة في الثقافة عموما، متخذا المؤلف من الصين واليابان نماذج تدعم موضوعة البحث.  وفي المحور الأخير من هذا الفصل (المسرح والتجديد الفكري) ينصر النصير الرأي القائل أن المسرح الجديد لم يظهر دفعة واحدة في القرن العشرين بل سبقته سلسلة طويلة من الانجازات الفكرية والفلسفية التي استمرت من منتصف القرن الثامن عشر وحتى بداية القرن العشرين، مؤكدا على أن الحداثة انطلقت من الايمان بأهمية العلم في التحديث، فالإنسان تحرر من قيوده من خلال طرحه أسئلة حديثة تمحورت حول علاقة الانسان بالطبيعة وبالقانون وبالثقافة.

وفي الفصل الثالث (تيارات الحداثة في المسرح) يحدد النصير ثلاثة تيارات رئيسية للحداثة في المسرح، والتي تفرعت إلى تيارات أخرى ربما لم تكن بالفعالية أو القوة نفسها أو حتى بالاهتمام ذاته وهذه التيارات هي: (المسرح السياسي) ، (مسرح القسوة)، (المسرح الملحمي) ساردا نبذة تاريخية عن هذه المسارح الثلاثة، وموضحا سمات وملامح كل مسرح على حدة، في توصيف أرى أن المؤلف ياسين النصير فيه قد وضع خبرته المسرحية المعتّقة وخلاصة أفكاره الحداثية التي تبلورت عبر السنين في هذا الفصل من الكتاب.

ويؤكد النصير في الفصل الرابع (التقنية والحداثة) من هذا الكتاب، أن الحداثة لا تنطلق من النص وحده، ولا من المخرج وحده، ولا من الممثل وحده، ولا من أي جزئية من العمل الدرامي لوحدها، بل تنطلق من تضافر جهود عدة حقول وجدت نفسها في لحظة تاريخية ما قادرة على إنتاج أدوات فنية تتلاءم وطبيعة التغيير والاحتياجات. حيث يذكر النصير أن اللحظة التاريخية نفسها فيها تصبح الأدوات الفنية القديمة كلها أو بعضها عاجزة تماما عن القيام بوظيفتها الكاملة لاستيعاب القفزة النوعية في التغيير. فقد مكنت التيارات التقنية الحديثة المخرجين من تجديد خطابهم الفني والفكري بالربط بين الهوية ولغة الجسد بين ميثيلوجيا قديمة والترابط التاريخي بين الأزمنة ومن تحويل المفردة إلى مساحة من فعل التأويل لتنشيط الذاكرة واغنائها بالحياتي ومن ادامة العلاقة مع المسرح برؤية رومانتيكية محلية تسهم في بلورة أفكار وطنية كي يواكبوا فيها التجديد الفلسفي الثقافي العام. ثم يفصل بعدها المؤلف أسئلة التقنية الحديثة التي برزت في القرن العشرين،  مركزا أسئلته حول النص المسرحي والرؤى الاخراجية والتمثيل وفضاء العرض المسرحي، واتجاهاتها الجديدة في الشكل والضمون التي تتصدى له وفق متطلبات العصر والإنسان الذي يشغله.

أما الفصل الأخير من الكتاب (الحداثة في المسرح العربي) فيركز المؤلف على البحث عن ملامح الحداثة في المسرح العربي خلال هذا القرن، مركزا على الزاوية التي يثيرها المسرحيون العرب بأنشطتهم الثأليفية والاخراجية والتمثيلية. مؤكدا على ان المسرح العربي تطور ونما وتجدد بعيدا عن أي درس فلسفي أو فكري عربي وكانت المساهمات التي طور بها تراثه الشفاهي والمدون محدودة بالرغم من أنها شكلت مسعى حداثوي مهم، فتيارات التجديد في المسرح العربي وكما يرى المؤلف لا علاقة لها بأية جامعة أو درس أكاديمي أو تنظيم فكري ممنهج، وانما حصلت نتيجة التلاقح مع المسرح الغربي والبعثات الدراسية والترجمات، التي تعد ترجمات المسرح في ثقافتنا العربية مهمة وكبيرة لم توازها ترجمة في أي ضرب آخر.  بعدها يذهب المؤلف إلى توصيف أربعة تيارات مهمة في التأليف أثرت في المسرح العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين والتي مهدت إلى تكوين اجيال من الفنانين أكمل بعضهم دراسته في أوروبا وأمريكا واشتغل البعض الآخر مع ثقافته المحلية لتطوير رؤيته: (التيار الكلاسيكي الحديث)، متخذا من تجربة الكاتب والشاعر صلاح عبدالصبور نموذجا (تحديث التراث)، مركزا على تجربة الكاتب الطيب الصديقي نموذجا (المسرحية الملحمية والحكاية)، آخذا بتجارب الكاتب سعدالله ونوس نموذجا، وفي (الاحتفالية) تجربة الكاتب عبدالكريم برشيد نموذجا.

إن أهمية كتاب “أسئلة الحداثة في المسرح” لياسين النصير تكمن في كون هذا الكتاب قد سدّ النقص الحاصل في المكتبة المسرحية العربية بما له علاقة بموضوعة الحداثة ومفهومها وأهم سماتها وملامحها وأسباب وجودها وتطورها. كما يعتبر هذا الكتاب مرجعا مسرحيا كتب بنَفَسٍ مسرحي اتخذ التجديد ليس في الموضوعة فحسب بل حتى على مستوى الأسلوب الذي اتبعه الكاتب في الإجابة عن أسئلة الحداثة. كذلك فإن تركيز الكاتب والباحث المسرحي ياسين النصير في هذا الكتاب على العديد من النقاط الهامة في المسرح الجديد (تأليفا وأخراجا وتمثيلا وسينوغرافيا) والتي قلما تطرق إليها باحث معاصر، منحت الكتاب عمقا وبعدا إضافيان. ونتيجة لاحتكاك ياسين النصير بالمسرح الغربي خلال الفترة التي هاجر فيها منذ بداية التسعينات من القرن المنصرم كان الأثر واضحا على الإيجاز الذي اختاره في هذه الطبعة من الكتاب، وعلى التأثر الذي لاحظناه في أسلوبه في الكتابة، والقريب كثيرا من الأسلوب الغربي.

لقد طرح هذا الكتاب العديد من الأسئلة لا في موضوعة الحداثة فحسب، بل في المسرح بشكل عام، فأعتبره من وجهة نظري الشخصية دراسة مسرحية يستفيد منها الطالب والباحث والممثل والمخرج والمؤلف وكل مشتغل في مجال المسرح على حد سواء، فقد اتخذت هذه الدراسة من موضوعة الحداثة قالبا لكنها تطرقت إلى العديد من الشؤون والشجون المسرحية التي أرقت وما تزال أهل المسرح العربي متشغلين ومنظرين، فأوجد النصير في كتابه هذا إجابات عدة اتخذت في أحرفها حوارات جادة لبست التجديد أيضا في إيصال المعلومة وشروحاتها.

بقي أن نشير إلى أن إمارة الشارقة في ظل سلطان الثقافة والفكر، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى لاتحاد دولة الامارات حاكم الشارقة، شهدت وتشهد عصرها الثقافي والمسرحي الذهبي، من خلال النشاط الكبير والملحوظ في طباعة ونشر المجلات والكتب المسرحية عبر العديد من الجهات الثقافية والمسرحية، خاصة دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، وجمعية المسرحيين، والهيئة العربية للمسرح التي قامت بطباعة ونشر هذا الكتاب.

شاهد أيضاً

المسرح الحديث يستعد بحلم وردي

BT-الإمارات تواصل فرقة المسرح الحديث بالشارقة تدريباتها واستعداداتها للمشاركة في مهرجان أيام الشارقة المسرحية المزمع …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *