قصة قصيرة / أحلام الظل

جمال نوري

كانت ستحتفي في ليلة السادس والعشرين من تشرين الثاني بإطفاء شمعة خريفها الخامس والأربعين ومثل كل عام قررت أن تضفي على الحفل طقساً خاصاً وتسارر أقرب صديقاتها اللائي نبذن الزواج أو أخفقن في اللحاق بعربته المسرعة.. وستعد لذلك ما يتيح لها لتجعل تلك الليلة حافلة بالقفشات الضاحكة وأنواع مختلفة من المشروبات المتنوعة وسيكون بالتأكيد لصوت فيروز حضوراً عجيباً سيستدرجهن إلى الحديث عن ذكريات بعيدة وتجارب حب عديدة توقفت عند حافات الأنفاق أو انطفأت بذرائع مدهشة يتبجح بها أنصاف الرجال الذين يتصيدون الشهوة ويناورون بلغة معسولة كن يقعن في فخاخها في كل جولة. وكان عليها أن تسقي النباتات الخضراء والبنفسجية التي رصفت بمهارة على امتداد النافذة العريضة التي لم تكن لتستوعب غير مساحة ضئيلة من ضوء الشمس وفي ساعات محددة من النهار. لقد كانت المساقط المصنوعة من الاسمنت تمنع الضياء الهاطل ولا تسمح له بالإرتخاء على مساحة ضيقة من الغرفة. وبهذا فقط جعلت تزحم الأصص قرب النافذة آملة أن تنال كل واحدة شيئاً من الدفء المفقود في كلا أركان البيت.. ولأن الوعود الخرافية التي تلقتها قبل أسبوع من الآن أوقدت في أعماقها تلك المباهج المعطلة منذ زمن بعيد فإنها ظلت حذرة هذه المرة..وأوجست خيفة من كل حركة كان يهم بها ومع أنه لم يكن ليكبرها إلا بسنوات قليلة إلا أنها أدركت بمجسات أنوثتها نوايا الرجل.. ستقول هند بثقة: ما الضير من ذلك.. سوف تهنئين بحياة باذخة بعد هذا التعب.

ولن تتورع عن إبداء قلقها واضطرابها وترددها كلما اقترب مشروع من هذا النوع إلى حيز التجسيد.. وستردف هيفاء: لا أظنه يخدعك يا ليلى.. فهو رجل وحيد، غادرته زوجته.. وما عاد أمامه غير مرافئك اليانعة.. ثم ينفجرن ضاحكات.

تطلع الرجل إلى هندامه قبل أن يغذ خطاه نحو بوابة المديرية.. ما كانت البهجة لتؤرقه أو تجعله في الأقل فريسة القلق والاضطراب الذين عهدهما في مطلع أيام شبابه لقد قرر مع نفسه وحسم الأمر.. ليلى وحدها هي التي تليق به.. لن تربكه على أية حال بمخاوف الإنجاب فهي كما اعتاد أن يقول لأصحابه.. عليّ أن أتزوج من امرأة غير مثمرة ثم تأكد من قارورة الطبيب في قبضته.. يبدو أن كل شيء كان سينتهي بصورة طبيعية وأن التفاوض مع امرأة مثلها سيكون سهلاً للغاية.. وكان يرد على مماحكة بعض أصحابه قائلاً: أنا أفضّلها كثيراً على غيرها.. عطاؤها يختلف بالتأكيد.

وقف ازاء موظف الاستعلامات ثم ارتقى السلالم ناشداً غرفتها في الطابق الرابع.. تروى كثيراً ليداري نبضات قلبه المضطرب.. هنا بإمكانه أن يعيد توازنه وأن يرتب ربطة العنق وأن يتأكد للمرة الأخيرة من استقامة النظارات وتمنى في قرارة نفسه أن يجد مرآة لكي يتأكد من ملامحه التي تخونه كثيراً إذا ما أجهد نفسه.

مررت أصابعها النحيفة على غطاء أحمر الشفاء واستأنست بالنهاية المكورة وبدت وكأنها استسلمت لحلم لذيذ.. ومن يضمن أنه لن يكون مثل غيره؟ سيكتفي بشم رحيق الزهرة.. ويمضي من دون أن يلتفت! لطالما شعرت بذلك.. ربما كان الأمر سيبدو أكثر جدية لو حصل قبل عشرة أعوام.. أما الآن.. من يدري!!

في الشرفات المطلة على الحديقة الغافية انفتحت النوافذ لتستقبل عبق الزهور الذابلة وأغصان اليوكالبتوس الباسقة وهي تنحني بفعل هبة ريح مفاجئة.. كان المكان كله يتماهى في موسيقى عذبة ظلت تراودها طيلة الساعات الثلاثة الأولى من ذلك الصباح التشريني المشرق.. وحين تجاوزت الحادية عشرة تبددت أشياء كثيرة وأصبحت الجدران أكثر قسوة في صمتها العجيب والمراوح في دورانها البليد.. تقبلت الأمر بجلد ولم تنكفئ لتبكي مثل غيرها.. لقد اعتادت على ذلك وكان بإمكانها أن تعود إلى غرفتها من دون وجل أو غصة كادت تودي بحياتها في أكثر من مرة.. أما ما سمعته بعد ذلك، فلقد تضارب وتقاطع في أكثر من رواية.. صديقاتها الأثيرات أكدن لها رؤيتهن له وهو يزهو ببدلة بيضاء وربطة عنق مرقطة، وخطواته الواثقة نحو غرفتها، إلا أنهن انسحبن في اللحظة الأخيرة لكي لا يتفاقم ارتباكه واضطرابه.. والشيء الذي لا يمكن إنكاره والذي اتفق عليه كل من كان في المديرية، تلك الرائحة المدهشة التي انبثقت في الطابق الرابع وانتقلت إلى كل الغرف المتجاورة، وقيل أن موظف الأرشيف المدفون بين الأضابير النتنة قد استمتع بشذى تلك الرائحة الغريبة.. واستبشر الكثير من خلال تلك الرائحة الزكية بمستقبل زاهر ينتظرهم في نهاية الطريق.. يقينا أن قارورة الطيب التي تحطمت على بعد خطوات من غرفتها، قد استدرجت الكثير لاكتشاف منبع هذه الروائح المدهشة، وجزم البعض: إنها رائحة ((هاواي)) وضمن غيرهم: بل هي رائحة ((ماء الورد)) وذهب آخرون إلى أنها عطر مستورد ولا شك أنه باهظ الثمن.. وحسبوا أيضاً أن صاحبة الحظ التعيس لا بد أن تكون على قدر كبير من الجمال والأنوثة بحيث تستحق كل هذا البذخ.. وأشيع أن كل الذين زاروا المديرية في ذلك النهار لن ينسوا تلك الرائحة النفاذة التي غمرت كل شيء..

وصلت الشمس إلى حدودها القصوى فقصمت الطاولة الصغيرة إلى نصفين وغمرت بعض الأوراق الخضر الملاصقة لزجاج النافذة.. وفي الجهة الأخرى من الغرفة تواصل نشيج روح شفيفة كانت على الأرجح لإمرأة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *