الإثنين , ديسمبر 18 2017
الرئيسية / أدب / قطط-Cats

قطط-Cats

قصة قصيرة

بقلم، نازك ضمرة

يتجمعون كل مساء، عيونهم ترقب الطريق، كلما مرت انثى مدوا رؤوسهم للامام، حدقوا بأبصارهم، يخمنون او يتعرفون من تكون، لا بد ان يمطروها بتعليقاتهم، وربما يتبع ذلك سباب واتهامات وضحكات، اما اذا كان المار رجلا انكمشوا وخفتت اصواتهم، وان اقترب عبسوا وتحدثوا بمواضيع جدية، او تجادلوا باصوات منخفضة هادئة.

في غسق ليلة حارة، مشى القصير، كلهم يعرفون القصير، سواء صدقوا ما قاله الناس عنه ام لم يصدقوا، صادفوه الليلة خارجاً من منزله كانوا اربعة،احدهم طالب وثانيهم مدلل لا يعمل، والآخران لا يظهران الا ليلاً، صبروا حتى ابتعد قليلاً. سمعوا القصير يقول بصوت مسموع

–  أحببت هذه الحارة انا واهلي. لكن شخصا آخر من نفس الحي قال عنهم

–  هؤلاء الأشقياء كيف يجتمعون ويزعجوننا.

تهامسوا, لا يريدونه ان يلاحظ انهم يتبعونه، نظر صوبهم شزرا، قال في نفسه، لا استطيع تفسير فضول هؤلاء الناس ، يريدون ان يعرفوا كل شيء. مشو خطوات عكس اتجاهه، لأنهم لاحظوا أنه ينظر لهم، إنهم فتية جمعهم الطيش والفضول، وقفوا اطلق احدهم نكتة، انفجر الثلاثة الآخرون في ضحكة مدوية، هدأهم رابعهم قائلا، (شوي شوي، فضحتونا). واصل مشيه صوب مهمته مبتعداً عنهم، اطمأن قليلاً، انحرف يساراً، انتهز فرصة انعطافه لينظر خلفه، رآهم يتبعونه ثانية، اسرع خطاه، لاحظوا ذلك، اسرعوا في اثره، كادوا ان يفقدوا اثره، لشدة سرعة مشيته. قال القصير المتبوع متذمراً:

–  ربّ يّسر ولا تعسّر! كل هذا الجهد والتعب طلباً لرضاك ورحمتك! يدخل البقالة، يخرج منها، ينتقل الى بائع الدجاج، ويخرج مثقلاً بالاكياس، كيس كبير مملوء بيده اليمنى، وكيسان آخران ثقيلان بيده اليسرى.

اقتربوا من مباني وانوار السوق، بدأوا يتشاورون فيما بينهم، ها هم يتوقفون ويتحلقون وشخص منهم يتقافز متحمسا، يريدهم أن يسمعوا قوله، رؤوسهم تقترب من بعضها، القصير عائد الى منزله، والفتية الأشقياء ما زالوا يسيرون على غير هدى، يبحثون عن فريسة او هدفٍ يتندرون به، والليل طويل، تمر سيارة خاصة، ومع سائقها زوجته، لا شك انها زوجته، سمع احدهم يقول بصوت مرتفع: (من اين له هذه المومس؟!)،التفت القصير حوله سمع مواء قطة، تنحنح وهدأ مشيته قليلاً، لكنه يواصل سيره لمنزله. سمع أخر يقول (انظر! انظروا!، انه يميل برأسه صوبها، ربما ينوي دغدغتها او تقبيلها)، تغيب السيارة بعيداً، يحسّ القصير أن حمله ثقيل، والبيت بعيد هذه الليلة، سأسرع قليلاً قال في نفسه، لعلي ابتعد عنهم، لا اريد ان ارى هذه العصبة من الثقلاء.، واصلوا تمازهم وتصايحهم، هذا يضرب ذلك فيشتمه، وآخر يلوي يد الطويل الناعم، فيتلوي ويموء كالقطط من الوجع، احدهم يقلد صوت فتاة وآخر صوت قطة عجوز، شخص ثالث يسأل: من يعرف ان يموء كالقط الذكر؟ دفع  احدهم زميله، فحجل خطوات لجهته اليمنى مبتعدا عن الطريق، اراد ان يتجنب السقوط، الا ان ساقاً ضربت اختها، فوقع، صاح به:

–  ايها الكلب!سأجعل من كرشك ممراً! ضحك الآخران، ماء احدهما مثل قط شبق، هجم الساقط على الدافع، تشابكت الايدي، اندفع الآخران، أوقفا العراك، قال الذي سقط على الارض:

–  سأسامحك الليلة! لكن في المرة القادمة سأحمل مسدس والدي معي، ولا يمنع القوة الا القوة!

قال القصير لنفسه:(الا يوجد لهؤلاء المراهقين أهل؟)

مرّ شرطي اعزل، يمشي مستعجلاً، سأله احدهم بصوت مرتفع جدا:(كم الساعة يا اخ؟!)، حنى رأسه، رفع يده قرب عينيه، وبعد تدقيق قال التاسعة والنصف، لم يزد على ذلك، لم يصدر اياً منهم كلمة بعد جوابه، انعطف الشرطي الى شارع فرعي، ثم اختفى أثره.

_  (الكبر مشكلة!) سأقف قليلاً! تعبت يداي من الحمل، آه انه العرق! سال العرق بين اصابعي، وعلى كيس النايلون. أنزل الحزمتين على الارض ليستريح، وقف بينهما يتأمل ما حوله، اخذ نفساً عميقاً، اخرجه مرة اخرى، انحرفوا يمينا الى شارع آخر وابتعدوا، احسّ بهواء نقي يدخل رئتيه نفض يديه في الهواء، حرك اصابعه فتحاً واغلاقاً، حنى ظهره ليلتقط حمولته مرة اخرى، في تلك اللحظة سمع نباح كلب من بعيد، سمع كلباً آخر يرد عليه. قال:

–  لا شك ان احدهما جائع! ربما الاثنان جائعان! هل يبحثان عن طعام يا ترى؟! هل سيجدان طعاماً هذه الليلة، وربما يكون احدهما او كلاهما مربوطين. ليتني استطيع الوصول لأي منهما أو كلاهما، سأطعمهما من حمولتي.

رفع اغراضه، همّ بالمشي بعزم، وفي طريق مصعدة، صغرت خطواته وتباطأت ، صعب عليه المشي، عاد يلهث قليلاً، لم يلتفت يمنة او يسرة، حمد الله ان ابتعد وغاب المراهقون عن طريقه، تمنى ان يكون معه منديل ورق، يمسح يديه وجبهته وتحت ذقنه، فالجو حار والعرق يضايقه، صار لهاثه مسموعاً، بدأ يقترب من منزله، وزاد صعوبة صعود المرتفع، ظل حذرأ في سيره، نظر خلفه، فلم ير احداً يتبعه، دقق النظر الى كل جانب، فلم يلحظ احداً كذلك، احس بالاطمئنان قليلاً، توقف ثانية للاستراحة في الشارع، انتظر لثوان، ثم تحامل على نفسه وواصل سيره، هدفه الوصول لمنزله بسرعة، لا يحبّ ان يراه او يرى حمولته احد، حمد الله انه غير مراقب في هذه اللحظات، قال لنفسه:

–  يستغرب الناس كل شيء! لا يعجبهم اي تصرف، حتى لو كان لله! ازدادت الطريق ارتفاعاً ، وازداد المشي صعوبة وبطئاً، واحتاج القصير للمزيد من الجهد والهواء في رئتيه.

–  هدّنا كبر السن! ايام الشباب كنت اطلعها راكضاً، مسافة قصيرة كهذه، كنت اقطعها في دقيقتين او ثلاثة، وهاهي تأخذ مني ما يقارب نصف الساعة، مع ان المسافة لا تزيد عن اربعمائة متر.

سمع هرجاً قصيّاً، لكن من الجهة التي تقابله، غاب الاشقياء الاربعة منذ مدة، لا شك انهم آووا الى بيوتهم، قال في نفسه، او عثروا على ملهاة غيره، حمد الله انهم تفرقوا ولم يلاحقوه، كلما اقترب من منزله سمع الصوت الهادىء اوضح.

انعطف يميناً، اصبح الطريق مستوياً نوعاً ما، اسرع في مشيته توقف لثوان يريح اصابع يديه، بدّل الاحمال بين يديه، زاد سرعته اكثر، واقترب من منزلهم اكثر، سمع قرقعة وهمساً بين العشب وتحت الاشجار، قفزات خفيفة من كل جانب، على مسافة بعيدة ترافقه وتسير  بمحاذاته، عن يساره وعن يمينه، واخرى تسابقه، عراك بين قطين، تنحنح رفع صوته، انتهرها: بس!بس بسسس. أقل من مائة متر ويصل مدخل حديقة منزله، بالامس كانوا حوالي العشرين قطاً فقط، يظهر ان العدد سيكون كبيراً هذا اليوم، لم يرغب ان يقرع جرس بيته، يحبّ ان يخفي الامر حتى عن اهل بيته، وعلى الرغم انهم يعرفون عادته، ويفهمون فلسفته وتبريره، حاولوا ان يثنوه عن اسلوبه، اصر على مشروعه، وضع الكيسين الصغيرين عند الباب، بدأ يفتح الكيس الكبير الثقيل، مدّ يديه الاثنتين، حمل حفنة من أمعاء الدجاج المذبوح والأرجل بكلتا يديه مشى خطوات صوب اليمين، عاد و حمل ملء يديه ثانية، مشى سبع او ثماني خطوات صوب الشمال، فردها بلطف.

مرت في تلك اللحظة سيارة، كان نورها قوياً، وكأنه موجه عليه، ادار ظهره للنور، حاول نقل مابقي في  الكيس، انفجر الشباب الاربعة ضاحكين، شاهدوا اكثر من خمسين قطاً حوله، بل اعداداً اخرى تتقافز قادمة من كل اتجاه، من الشوارع والحدائق القريبة، كان يغرف امعاء الدجاج وارجلها من الكيس، ليطعم القطط، صاح الاربعة بصوت واحد:

_ابو البساس! ابو البساس! وفرّوا هاربين.                    

شاهد أيضاً

مبدأ تقاسم النفوذ

 يعقوب يوسف جبر مصطلح الصراع الدولي له الكثير من الدلالات التأريخية والسياسية والاقتصادية، أولى …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *