السبت , سبتمبر 22 2018
الرئيسية / تحقيقات / كنوز ديالى التأريخية في خطر

كنوز ديالى التأريخية في خطر

 

 

تحقيق – غسان العزاوي

 

تلالٌ ترابية كما تبدو للعيان ، بنايات طينية انهارت أجزاء منها جراء الاهمال لتدعى محلياً بـ ( خرائب ) دون إدراك لقيمتها التاريخية وكم طُمر تحت ركامها من شواهد وأحداث عظيمة منذ الاف السنين .

 

إن الأعمال المسلحة التي اجتاحت محافظة العراق منذ سقوط النظام الاسبق حتى يومنا هذا أجرت الكثير من التغييرات الديموغرافية أبرزها عمليات التهجير القسري ومصادرة الأموال الخاصة ، ناهيك عن القتل والخطف والتصفية الجسدية للبعض على ارض العراق من قبل جهات خارجية وداخلية والتي امست العنوان العريض الذي يتصدر الصحف العالمية .

 

أما بالنسبة للكنوز الموجودة في هذه المحافظة فأكثر من علامة استفهام تطرح نفسها كونها متروكة للمارة دون حماية خشية افتقادها اذ أنها تشكل أساس هذه المحافظة وتاريخها منذ أكثر من خمسة آلاف عام .

لا يعرف ان كان هذا الإهمال متقصدا وهو تمهيد لنهب وتهريب تلك الكنوز ام انها مجرد إهمال من أكثر من جهة . كثيرون من يتصورون ان حضارة وادي الرافدين في بابل وسومر وأشور فقط وتناسوا حضارة مملكة اشنونا التي لطالما كانت امتدادا  لتلك الحضارات والسبب تهميشها إعلاميا وكذلك من كتب التاريخ في المناهج الدراسية اذ ان هذه الحضارة المهمة لم تذكر في كتب التاريخ إلا ذكرا لم يتجاوز الخمسة اسطر في إحدى المراحل الدراسية .

و هنا يتساءل أبناء هذه المحافظة هل ان هذه الحضارة التي امتد تاريخا إلى أكثر من خمسة آلاف عام تستحق هذا التهميش لا سيما وإنها من اكبر الدويلات السومرية .

تحتضن ديالى معالم تاريخية مهمة وكثيرة شكلت كنزا من كنوز العراق فان كانت هذه المملكة في بلد آخر لتمت أحاطتها بأسوار وجعلت منها متحفا طبيعيا مهم و خصوصا ان عرف انه لم يتم التنقيب في مواقعها الأثرية منذ ثلاثينيات القرن الماضي على يد عالم آثار أمريكي يدعى (هنري فرانك فورت ) الذي ختم التنقيب في اراضيها .

ان من أبرز المشاكل التي تواجهها الموقع الأثرية في ديالى هي العوامل الطبيعية والظروف المناخية بالقاسية إضافة إلى عمليات التفجير التي لا تستثني شيئا ناهيك عن التجاوزات التي يرتكبها مواطنون لا يدركون القيمة الحقيقية لهذه الكنوز ..

 

معالم تاريخية و رقع مهمة

 

من ابرز المواقع الأثرية التي تحتضنها ديالى هي اشنونا التي تقع على تل اسمر والذي عثر فيها على عدد من المعابد والقصور والتماثيل الأثرية وهي أطلال مملكة ( أشنونا ) الواقعة في شمال المحافظة التي تتميز بالتلال الأثرية التي تعود إلى بداية الألف الخامس قبل الميلاد حتى العصور الحضارية المتأخرة.وكانت متأثرة بالحضارة السومرية القديمة والحضارة الآكدية .

ويقول مختصون في الشأن الأثري إن قانون مملكة اشنونا سبق حمورابي وعدد مواد قوانين المملكة تبلغ إحدى وستين مادة ومنها ما يخص الزراعة والصناعة والعمل والنشاطات الاخرى .

وتضم أيضا معالم أخرى منها السد العظيم وهو سد من الحجر و يعود تاريخه إلى العهد الساساني 226-637 ق.م ويقع في مدينة الخالص ثالث كبرى مدن المحافظة ، و تعد قنطرة بهرز الواقعة على نهر خريسان داخل ناحية بهرز من ابرز المعالم التاريخية الوسيطة وهي مكونة من ثلاث دعامات ويعود تاريخها إلى العصر العباسي المتأخر اما قبة أبي إدريس التي تقع الى الجنوب من بعقوبة فهي في الأصل قبة اتخذها المتصوفة مكانا لتصوفهم ومحلا للتدريس والعبادة وهي عبارة عن جدران شاهقة مربعة الشكل بلا سقف تعد مرتعا لمن يقصدوها لغرض العبادة وقراءة القران والاعتكاف أحيانا . وهناك مواقع أثرية في الاقضية النواحي منها موقع الزنتان في قضاء المقدادية وهي قلعة أثرية تاريخية.  وموقع الحاج يوسف في مندلي الذي يضم عيون لمياه كبريتية، والموقع الأثري “الخان” في ناحية بني سعد والذي سميت الناحية نسبة إليه ، وهناك تل اثري في غاية الأهمية يقع على تل سليمة قرب ناحية السعدية ما زالت معالمه الأثرية واضحة للعيان وامتازت برقيها تم العثور فيها على قطع أثرية نفيسة  إضافة إلى مجموعة من المباني الأثرية والتراثية في بعقوبة ومندلي وخانقين  التي تحتضن مواقع اثرية مهمة اغلبها شيدت في مرحلة التاريخ الوسيط ومن بينها جسر الوند الذي بدا يتصدع بسبب إهماله وعبور شاحنات كبيرة تفوق طاقته . وبشكل نهائي فان المحافظة تضم اكثر من 800 موقع اثري موزعة في أقضية ونواحي المحافظة .

 

الذعر منع التهريب !

 

” و للمصائب نفع احيانا ” .. ان العمليات المسلحة التي تشهدها المحافظة كان لها دورا ايجابيا في منع وصول اللصوص ومهربي الآثار إلى المناطق الأثرية التي تنتشر في مناطق نائية من أجزاء المحافظة حيث ان تواجد عناصر مسلحة في تلك المناطق بعثت الذعر في نفوس اللصوص ومنعتهم من قصد تلك المناطق لغرض سرقة قطع أثرية أو التنقيب بصورة غير قانونية ولا يخفى ان العراق عاش فترة مظلمة تمثلت بفلتان امني تم فيها سرقة وتهريب قطع أثرية ثمينة موجودة حاليا في متاحف عالمية في باريس ولندن والولايات المتحدة الامريكية يعجز القائمون على هذه الكنوز استردادها والمطالبة بها .

وكان خبراء اثار ديالى حذروا في وقت سابق من أن استقرار الأوضاع الأمنية في مناطق جنوب المحافظة سيدفع لصوص الآثار للعبث بها وسرقتها وتهريبها إلى الخارج لعدم وجود مراقبة أو حماية لها، فيما أكد مسوؤل امني محلي أن اغلب المواقع الأثرية جنوب المحافظة محاطة بكتائب للجيش العراقي لا سيما منطقة جنوب ناحية بهرز حيث تحوي أكثر من 35 تلا وموقعا اثريا، وهي منتشرة في مناطق نائية كانت تعد من المناطق الساخنة بسبب انتشار الجماعات المسلحة فيها . وكانت أطراف مختصة في الشأن الأثري طالبت الجهات المسوؤلة للعمل على توفير خطط لحماية المواقع الأثرية وعدم إفساح المجال أمام لصوص الآثار للنشاط في منطقة تزدهر بكثرة بالمواقع الأثرية . وقد اكد مواطنون يمكثون بالقرب من بعض المواقع الاثرية انهم يقومون بحراسة هذا الارث الحضاري وانهم لا يفرطون به مهما كان الثمن حيث منهم من شكل دوريات راجلة تقوم بحماية هذه الاثار في اوقات معينة اضافة الى تربية ( الكلاب) ووضعها بالقرب من تلك المواقع لتقوم بالحراسة في اوقات انشغال اهالي القرى .

 

 

 

عوامل الطبيعة و تخريب البشر

 

ان الانفجارات التي تهز المدن بين الحين والآخر والعمليات المسلحة أثرت بشكل كبير على هذه المواقع الأثرية المتهالكة والتي يمتد عمرها آلاف السنين وعمليات الاهتزاز المتكررة وقوة عصف تلك المواد المتفجرة جعل تلك المواقع تفقد صلابتها شيئا فشي إذا ان التصدعات بدأت تظهر يوما تلو الآخر ، وللطبيعة أيضا دور في اندثار هذه الكنوز التاريخية إذ ان المطر والرطبة شتاءا وشدة الحرارة صيفا أثرت لا سيما مع ارتفاع درجات الحرارة الملحوظة لها العام فلهذه العناصر الدور الأكبر في تفتيت مكونات البنايات الأثرية القديمة وهي بأمس الحاجة إلى الترميم والاهتمام  . ومن ابرز المشاكل الأخرى التي تواجهها تلك المواقع هو تحصن بعض العناصر المسلحة فيها بين الحين والاخر حيث قام البعض من تلك العناصر بالتحصن في المواقع الأثرية بهدف التخفي عن أنظار القوات الأمنية التي تنفذ عمليات واسعة بهدف اعتقال المتورطين في أعمال مسلحة وانفجارات وان حدث وجرت أي اشتباكات بين العناصر والقوات الامنية فمن المؤكد ان هذه المواقع تتعرض لضرر كبير نتيجة استخدام اسلحة خفيفة وثقيلة وهذا ما دفع عدد من المختصين الى المطالبة بتوفير حمايات لتلك المواقع على غرار حمايات المنشات المنتشرة في جميع المؤسسات الحكومية .

 

 

أهداف ومشاريع

 

وذكر مصدر في مفتشية آثار ديالى ان المواقع الأثرية في ديالى تعاني من الإهمال ولا توجد اي مساعي جادة من الحكومة المحلية او الهيئة العامة للآثار لأعمارها وترميمها رغم مكانتها الحضارية وتاريخها  الممتد لآلاف السنين.

وأكد قيام المفتشية في ديالى بمفاتحة الجهات المختصة المحلية المركزية بضرورة ترميم هذه المواقع المهددة بالزوال نتيجة الظروف التي سبق ذكرها . وأكد ان عدد من المواقع تضرر فعليا لكن بشكل سطحي وممكن إعادة ترميمه وتدارك التصدعات البسيطة نافيا تعرض أي موقع اثري إلى الضرر نتيجة أي ظرف من الظروف وما طالب به هو توفير الدعم الكافي لترميم تلك المواقع إضافة إلى توفير عناصر لحمايتها خشية تعرضها إلى السرقة من قبل مافيات الآثار المنتشرة في مختلف محافظات العراق والتي جعلت من الآثار العراقية بضاعة لها تجوب أسواق العالم وبابخس الأثمان لا تساوي قيمة هذه الكنوز التي لا تقدير بثمن .

وأكد المصدر تلقي المحافظة عروضا من جامعات بريطانية متخصصة لديها مراكز أبحاث في الشرق الأوسط لإجراء عمليات التنقيب والمسح الأثري وتدريب وتأهيل كوادر الآثار وان العرض تمت الموافقة عليه من الهيئة العامة للآثار وسيتم عقد اجتماعات مشتركة بين الجانبين لوضع آليات العمل والتعاون وفقا لقانون الآثار العراقي  ، في حين أكد ان المفتشية ستتخذ اجراءات قانونية ضد مواطنين قاموا بتجريف مواقع أثرية وتحويلها الى مناطق سكنية خاصة في بعقوبة والمقدادية والخالص والوجيهية .

 

 

 

 

أهمال متعمد و اندثار لهوية

 

إن حضارة وادي الرافدين لا تحتاج الى تعريف فهي تلك الدولة التي ولدت كل ما هو عظيم وفعلت كل ما هو مستحيل بلد حمورابي الذي وضع القانون واليوم في حكومة ديمقراطية تعددية تؤمن بحقوق الإنسان وحماية الوطن والتاريخ والحضارة والمال العام وتطبيق القانون بحذافيره والتساؤل هنا هل تم استثناء المواقع الأثرية والممتلكات العامة من كل تلك الحقوق وبما ان الإرث التاريخي ملك للجميع أي جميع المواطنين فمن واجب الحكومة العراقية الموقرة حماية تلك الممتلكات النفيسة المهددة بالزوال لسبب واحد هو الأبرز من بين آلاف الأسباب وهو تاريخ بلاد الرافدين الذي أذهل جميع دول العالم بحاجة فعلية إلى حماية أبناء كونه تاريخ أجدادنا منذ آلاف السنين في قوت لم يكن هناك دولة أو قانون او حدود أو جيوش تغزوا وتنهب حقوق الغير بالباطل فان كان العجز في توفير الحماية لتلك المراكز الحضارية فأبناء العراق لا يعجزون عن ذلك وهذا ما لمسناه من خلال تحقيقنا هذا ففي ظل لا مبالاة المسؤولين عن هذا الشأن منذ سنين فأن أبناء المحافظة هم من يقومون بذلك دون أشعار او مطالبة من احد .لكن الطامة الكبرى في في تلك القطع العظيمة التي تم تهريبها إبان سقوط النظام السابق وما تلاها من أحداث أفقدت العراقيين صوابهم وعجز أطرافا سياسية عراقية بالمطالبة بتلك الكنوز التي وضعت في متاحف دول أخرى لا تمت لحضارة بلاد الرافدين بصلة سوى إنها تمكنت من دفع مبالغ لأطراف لم تعرف حتى الآن ان كانت مافيات تهريب آثار او جنود أمريكان أو لصوص مستطرقين او غير ذلك .

مطالبات أبناء الرافدين واضحة ولم يكن في إعلانها حياء أو ذعر أو تردد إذ أن عدد كبير من المواطنين ناشدوا الجهات المختصة والمتمثلة بمجلس النواب ووزارة السياحة والآثار الاهتمام بهذه الكنوز ومنح الآثار مكانتها المستحقة حيث أن الوزارة تمنح السياحة أهمية كبرى على عكس الآثار التي باتت مهددة بالاندثار وخصوصا في محافظة ديالى ولم تمنح حقها مقارنة مع أهميتها التاريخية العريقة . ان توفير الحماية والدعم لهذا الكنز العظيم ليس بالمستحيل كونه هوية العراق العالمية وان اندثاره يعني اندثار الهوية العراقية .

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

كيف يتحول أطفال العراق الى مجرمين ؟

تحقيق – غسان العزاوي لم تمنع تلك العاصفة الترابية التي حجبت الرؤية الطفل ( مازن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *