الثلاثاء , يوليو 17 2018
الرئيسية / آخر الأخبار / مبدأ تقاسم النفوذ

مبدأ تقاسم النفوذ

 يعقوب يوسف جبر

مصطلح الصراع الدولي له الكثير من الدلالات التأريخية والسياسية والاقتصادية، أولى هذه الدلالات تنازع النفوذ بين الدول الكبرى، فمن يهيمن على خارطة الصراع الدولي هما الدولتان الكبريتان روسيا والولايات المتحدة، والدلالة الثانية، إن نطاقه وميدانه الدول الضعيفة والنامية لافتقارها لمقومات الحياد رغم بروز القوة الثالثة المتمثلة بمنظمة دول عدم الانحياز لكنها رغم المبادئ الحيادية التي تبنتها في مؤتمر باندونغ، لم تتمكن من تطبيق تلكم المبادئ، فما تزال تخضع لإرادة الدولتين الكبريين، فمثلاً نجد أن العراق وسوريا رغم أنهما عضوان مهمان في منظمة دول عدم الانحياز، لكنهما انجرفا في وحل الصراع الدولي القائم، لذلك بقيت الهيمنة الدولية قائمة متمثلة بصراع دولي ميدانه الشرق الأوسط، ولم يستطع العراق الخارج من نظام بوليسي دكتاتوري منذ سنة 2003 وحتى اليوم من التحرر من ربقة هذا الصراع وكذلك سوريا، إذن ذهب مبدأ الحياد أدراج الرياح وساد مبدأ الهيمنة الدولية، فكم تكبد العراق وسوريا من خسائر مادية ومعنوية خلال الحقبة الحالية وما قبلها نتيجة الصراع الدولي؟
لكن من هو الرابح؟ من المؤكد أن الرابح هو الدولتان الكبريتان (روسيا والولايات المتحدة) وما هو حجم الآثار السلبية المترتبة على العراق وسوريا، الناتجة عن الحرب على الإرهاب؟ الآثار كبيرة وستمتد إلى حقب أخرى، فالإرهاب المتولد في العراق وسوريا تولد لأنهما بيئتاه الخصبة، مما فسح المجال لتدخل دولي وإقليمي فيهما، فرغم أن الإرهاب تقلص كثيراً وأوشك على أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، لكن آثاره أخطر، منها تمكن الدولتين الكبريين من تعزيز نفوذهما في المنطقة، فلم يعد بإمكان العراق وسوريا التحرر من الهيمنة الدولية التي ستمتد إلى حقب أخرى، حتى لو افترضنا حدوث استقرار سياسي نسبي في العراق وسوريا؛ بعد أن تضع الحرب على الإرهاب أوزارها سيظل الملف السياسي بيد الدولتين الكبريين يخضعانه لإرادتيهما، وستتحكمان بمصير الدولتين سوريا والعراق، وفق مبدأ تقاسم النفوذ، ترى كيف سيكون شكل النظام السياسي في كل من العراق وسوريا في المستقبل القريب؟
بموجب المعطيات وميزان القوى، سيكون العراق وسوريا منطقتي صراع ايجابي بارد لضمان مصالح روسيا والولايات المتحدة، ولا تتمكن أية قوة دولية أخرى في العالم من منافستهما على النفوذ، لأنهما عززا وجودهما ونفوذهما في المنطقة، وضمنا مصالحهما الاقتصادية دون منازع لهما، أما الدول الإقليمية ومنها إيران وتركيا والسعودية المؤثرة في الملف السوري العراقي، فهي دول تدور أيضاً في فلك الدولتين الكبريين، باحثة عن تحقيق مصالحها ولو بأقل التكاليف والأثمان، فهذه الدول ساهمت في إذكاء الصراع الدولي في سوريا والعراق، وعكست سياساتها الخارجية وتصارعها على النفوذ الإقليمي على سوريا والعراق، فما يهم هذه الدول هو ضمان مصالحها وليس مصالح العراق وسوريا مطلقاً، إذن نحن إزاء نوعين من الصراع، الأول الدولي والثاني، ما يتفرع وهو الصراع الإقليمي، فمتى ما توقفت عجلة الصراع الدولي ستتوقف بلا أدنى شك عجلة الصراع الإقليمي، لكن ما هو المشهد القادم بعد قرب الانقضاض على الإرهاب في المنطقة؟
المشهد واضح الملامح، حيث ستشكل المفاوضات الروسية الأمريكية الفيصل في رسم خريطة البلدين وتحديد الحدود السياسية للدول الإقليمية الفاعلة في المنطقة وعدم السماح لها بالتمدد على حساب بعضها البعض، سيتم تقاسم النفوذ على الهيمنة السياسية في العراق وسوريا وفق المعياريين الدولي والإقليمي، وستكون الأعلوية للمعيار الدولي، وستحقق الدولتان روسيا والولايات المتحدة، اهدافهما القريبة وستخططان وسترسمان الأهداف المستقبلية البعيدة بعناية تامة، لأنهما يملكان عنصر القوة والنفوذ والهيمنة.
الخلاصة، أن معاهدة دولية إقليمية ستنبثق عن الصراع بين الدولتين بعد أن تؤول المفاوضات حول الملف السوري إلى هذه النتيجة، ناهيك عن الضغط الذي ستمارسانه على الأطراف السياسية في العراق لكي تلتزم بما هو مرسوم ومخطط لها دون أن تتمكن هذه الأطراف من الانفلات من ربقة ما يتم التخطيط لها، إذن نحن إزاء وضع سياسي في سوريا والعراق يشبه سياسة الباب المفتوح التي فرضتها الدول الأوربية في القرن الماضي على الدول الإسلامية إبان فترة الاستعمار الحديث، ونحن إزاء سياسة الامتياز التي فرضتها الدول الأوربية ضد الدولة العثمانية، وسياسة الانتداب التي فرضها البريطانيون على العراق ودول أخرى، نخلص مما قلناه، أن العراق وسوريا سيظلان لصيقين بمبدأ الهيمنة الدولية لن ينالا السيادة القانونية مهما بذلا من جهود لثقل الآثار التي خلفها الإرهاب والتدخل الدولي والإقليمي فيهما.

شاهد أيضاً

ناجحون يُحاربهم الأقربون

  زينب علي البحراني من النادر أن يتلقى الإنسان الموهوب أو التوّاق إلى النجاح في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *