السبت , أغسطس 18 2018
الرئيسية / ثقافة / محمد نجيب الجادر والوطنية الاقتصادية

محمد نجيب الجادر والوطنية الاقتصادية

ا.د. ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث المتمرس –جامعة الموصل

  منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي، بدأ الاهتمام بتوثيق الدور الذي قام به الوطنيون الاقتصاديون في النضال من اجل ترسيخ الأسس الاقتصادية للدولة العراقية الحديثة. وجاء ذلك بعد خيبة الأمل التي أخذنا نشعر بها من سوء الدور الذي كان القطاع العام يقوم به وفشله في بناء اقتصاد قوي وتنمية حقيقية. ومن هذا المنطلق كلفت احد طلابي وهو السيد جوني حنا يوسف لكتابة موضوع ينال به شهادة الماجستير في التاريخ الحديث، ولم يكن ذلك الموضوع سوى رسالته الموسومة: ” تاريخ الصناعة الوطنية الحديثة وعلاقتها بالتطور السياسي في العراق 1929-1958 التي قدمها إلى مجلس كلية الآداب بجامعة الموصل سنة 1989. وفي سنة 1991 شجعت السيد (الدكتور فيما بعد) نمير طه ياسين الصائغ للكتابة عن الأصناف والتنظيمات المهنية في الموصل منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى 1958 وبأشرافي وقد كانت أطروحته هذه التي تقدم بها إلى مجلس كلية الآداب بجامعة الموصل. وجاء السيد (الدكتور فيما بعد) صلاح عريبي عباس شهيب ليكتب رسالته للماجستير وأطروحته للدكتوراه بإشرافي.. وكان عنوان رسالته للماجستير “غرفة تجارة الموصل 1926-1964 دراسة تاريخية اقتصادية التي تقدم بها إلى مجلس كلية التربية بجامعة الموصل سنة 2001. أما أطروحته للدكتوراه فكانت بعنوان ” الدور الاقتصادي للبرجوازيين الوطنيين في المشرق العربي حتى ستينات القرن العشرين وقد اختار كنماذج كل من محمد طلعت حرب من مصر وعبد الحميد شومان من فلسطين والأردن ونوري فتاح باشا من العراق. وكنت قبل ذلك قد أشرفت على أطروحة الدكتوراه التي تقدم بها السيد (الدكتور فيما بعد) عبد الرحيم ذنون زويد الحديثي إلى مجلس كلية الآداب بجامعة بغداد سنة 1996 بعنوان ” غرفة تجارة بغداد 1926-1964.

 

 

وفي كل هذه الأعمال، فضلاً عن بعض المقالات والدراسات التي كتبتها عن مصطفى الصابونجي والوطنية الاقتصادية، وهاشم الحاج يونس والوطنية الاقتصادية، وجمعية العلافين وسوق الحنطة القديم والجديد كان اسم محمد نجيب الجادر، يتردد.. كاقتصادي وطني قام بدور فاعل في تنشيط حركة الاقتصاد العراقي عامة والاقتصاد الموصلي خاصة. ومن الطبيعي التأكيد على ان الاقتصاديين الوطنيين هم أولئك الذين قاوموا الاستعمار ليس بالتنظيمات الحزبية والشعارات والبرلمانات وانما بالعمل الدؤوب لبناء اقتصاد وطني مستقل. وقد شعرت بالأسف بأن لااحداً كتب عن محمد نجيب الجادر، بالرغم من ان بعض الباحثين وطلبة الدراسات التاريخية والاقتصادية العليا كانوا يمرون به مرور الكرام. فمن هو محمد نجيب الجادر ؟  ينتمي محمد نجيب جلبي الجادر إلى أسرة عربية موصلية عريقة فجده القريب هو عبد القادر بن عثمان بن عبد الله. ولد في محلة باب النبي جرجيس بالموصل سنة 1893، ونشأ في اسرة امتهنت التجارة أبا عن جد. وكان أبوه الحاج احمد (1864-1937) تاجراً معروفاً، وقد تعهد ابنه بالرعاية واختار له ان يكون في مستقبل أيامه تاجراً، لذلك ادخله الكتاب في صغره فتعلم القراءة والكتابة وشياً من الحساب كما حفظ بعض سور القرآن الكريم، وقد انغمر في عالم التجارة وعمره لم يتجاوز الـ (17) سنة. استفاد محمد نجيب الجادر من الظروف الاقتصادية التي مر بها العراق بين الحربين العالميتين الأولى والثانية 1939-1845 لتكوين ثروة كبيرة، خاصة وانه ركز في تجارته على الأصواف والحبوب والمنسوجات. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى انصرف محمد نجيب الجادر نحو الصناعة، بعد ان شعر بضرورتها لبناء اقتصاد وطني قوي واتضح ذلك من خلال إسهامه في إنشاء معامل النسيج والدباغة ومحالج الأقطان. ففيما يتعلق بمعمل الغزل والنسيج الذي أنشأه الجادر، فأن الجادر أسسه خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت له مبادرات ناجحة لتطوير حركة التصنيع في العراق منها على سبيل المثال مبادرته في الثاني من شباط سنة 1941 لتقديم طلب إلى وزارة الاقتصاد بضرورة عدم تحديد أصناف الاحتياجات من المواد الأولية المستوردة والمشمولة بالإعفاء الكمر كي. وقد ورد في الوثائق الرسمية مايشير إلى هذا الطلب وإقدام وزارة الاقتصاد بمفاتحة رئاسة الوزراء بكتابها المرقم 254 والمؤرخ في 2 شباط 1941 على الاستجابة لطلب الجادر ومما جاء في الكتاب أن الجادر طلب أن يصبح حراً فيما يستورد وضمن الكميات المسموح بها وذلك ” لان التحديد بنظره يعرقل سير العمليات الإنتاجية ” وقد تمت الموافقة على الطلب وكانت حركة التصنيع في العراق قد اخذت بالازدهار بعد صدور قانون تشجيع المشاريع الصناعية سنة 1945. ففي سنة 1945 تأسست شركة الغزل والنسيج العراقية المحدودة في بغداد وكانت شركة أهلية مساهمة برأس مال قدره 150 ألف دينار وكان الجادر مساهماً فاعلاً فيها فضلاً عن المصرف الزراعي – الصناعي ويقال ان محمد نجيب الجادر كان على صلة طيبة مع نوري السعيد السياسي العراقي المعروف والذي ترأس العديد من الوزارات، وقد استفاد الجادر من هذه الصلة في الحصول على الموافقات اللازمة لاستيراد مكائن لتأسيس معامل المنسوجات القطنية وباشتراك من المصرف الزراعي – الصناعي العراقي. وبعد ان اقدم الاقتصادي الموصلي مصطفى الصابونجي على إنشاء محلج للقطن في الموصل سنة 1952، قام محمد نجيب الجادر بتأسيس محلج آخر سنة 1954 وكان الهدف من وراء الاهتمام بمعامل النسيج ومحالج الاقطان هو تقليل الاعتماد على المنسوجات الأجنبية وخلق صناعة وطنية في هذا المجال خاصة وان المواد الاولية لتلك المنسوجات كانت متوفرة في الموصل وفي العراق كله. وقد اشار السيد عماد غانم الربيعي في كتابه: (بيوتات موصلية) الذي طبعه في الموصل سنة 2000، ان محمد نجيب الجادر عمل في تجارة الصوف وكان وكيلاً للشركة الافريقية الشرقية المحدودة التي تولت تصدير الصوف من الموصل الى الولايات المتحدة الأمريكية. وأشار الدكتور زهير علي النحاس في أطروحته للدكتوراه التي قدمها إلى مجلس كلية الآداب بجامعة الموصل بعنوان ” تاريخ النشاط التجاري في الموصل بين الحربين العالميتين ” إلا انه كان للجادر عدة وكلاء في المدن الشمالية العراقية. وجاء في جريدة البلاغ الموصلية (العدد469) الصادر في 27 آذار 1926 إلى قيام الجادر بتأسيس معمل للاقمشة والمنسوجات القطنية سنة 1926. وقد اشتغل في معامل الجادر مئات العمال. كما شارك الجادر في تأسيس فرع للبنك العربي في مصر استهدف تسليف الفلسطينيين وحثهم على منع اليهود من شراء الأراضي هناك وقد أسهم في هذا المصرف كما يقول السيد الربيعي نقلاً عن حفيد الجادر (هدف) رأسماليون عراقيون ومصريون. وفيما يتعلق بالنشاط التجاري وتأسيس غرفة تجارة الموصل في مرحلتها الثانية حيث كانت في الموصل اواخر القرن التاسع عشر غرفة للتجارة، فقد كان محمد نجيب الجادر دور فاعل في ذلك، خاصة بعد صدور قانون غرفة التجارة رقم 40 لسنة 1926. وقد دعا متصرف لواء الموصل اآنذاك ناجي شوكت قرابة (59) من التجار ومدراء المصارف والشركات واجتمع بهم في 15 تشرين الاول 1926 وشجعهم على تنظيم انفسهم في غرفة التجارة، وقد تألفت هيئة تأسيسية اجرت الانتخابات التي اسفرت عن فوز محمد نجيب الجادر برئاسة اول هيئة ادارية لغرفة تجارة الموصل في حين اصبح سعيد جلبي الدباغ (1874-1943) نائباً للرئيس وحمدي جليمران (1890-1975) سكرتيراً (امنياً عاماً). وقد اجتمعت الهيئة لاول مرة يوم 28 تشرين الاول 1926. وظل محمد نجيب الجادر رئيساً لغرفة تجارة الموصل منذ تأسيسها حتى الاول من كانون الاول سنة 1954. وكان للغرفة نشاطاتها الفاعلة خلال فترة رئاسته ومن ذلك نجاح في تأمين الحماية للمنتوجات الوطنية وتشجيع التصدير وحل المشاكل الاقتصادية. وقد يكون من المناسب الاشارة هنا كذلك الى ان محمد نجيب الجادر كان آنذاك ولسنوات طويلة عضواً في مجلس ادارة الموصل، ولم تكن مساهمته في اجتماعات ومؤتمرات غرفة التجارة او مجلس ادارة الموصل شكلية، وانما كانت له مشاركاته البناءة ومقترحاته السديدة وخاصة في مجال السعي لرفع قدرات السكان الشرائية وتشجيعهم على اقتناء منتوجات بلدهم والعزوف عن شراء المنتوجات الأجنبية وقد ساعدته تلك المشاركات فضلاً عن سفراته الى خارج العراق وزياراته للمصانع والمعامل هناك على ان يمتلك عقلية اقتصادية واسعة يعرفها كل من تعامل معه وتابع نشاطاته عن كثب. لم يكن نجيب الجادر بعيداً عن مايجري حوله من أحداث، فمنذ أوائل العشرينات من القرن الماضي، كان على صلة وثيقة برجالات الحركة الوطنية في الموصل حتى انه أسهم في وضع قواعد ثابتة للعمل الوطني ومن ذلك انه أسهم في تأسيس النادي الادبي في الموصل في الخامس من تشرين الثاني 1921 بهدف ” العمل على جذب انتباه الأمة لواجباتها الوطنية والقومية ” وكانت له اليد الطولى في إسهام النادي في تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية في مايس /ايار 1922 وقد انتخب عضواً في هيئتها الإدارية الى جانب نخبة من العاملين في الحقل السياسي ومنهم امين بك الجليلي ومحمد رؤوف الغلامي وسعيد الحاج ثابت وإبراهيم عطار باشي. وقد عمل محمد نجيب الجادر مع عدد من السياسيين والاقتصاديين الموصليين أمثال حمدي جليمران ومكي الشربتي ومصطفى الصابونجي على مواجهة المحتلين الانكليز والاحتجاج على معاهدة 1922 والدعوة الى تحقيق استقلال البلاد “وفقاً لرغائب الأمة ” كما ورد في برقية مؤرخة في 25 حزيران 1922 والتي وجهت إلى ونستون تشرتشل وزير المستعمرات البريطاني. كما دافع محمد نجيب الجادر عن عروبة الموصل وتأكيد بقائها ضمن الدولة العراقية في مواجهة أطماع تركيا بها. خلال منتصف العشرينات من القرن الماضي. وكانت لمحمد نجيب الجادر مواقف محسوسة من قضايا النضال القومي مثل قضية فلسطين ولايتسع المجال لمتابعة مواقفه تلك، ولكن لابد من الإشارة إلى دوره في (لجنة إنقاذ فلسطين) التي تشكلت في كانون الأول 1947 وضمت في صفوفها عدد من الموصليين (مدنيين وعسكريين) منهم إبراهيم ألجلبي (سكرتير اللجنة) والحاج رؤوف الشهواني والزعيم العقيد الركن محمد علي سعيد (رئيس اللجنة) واسماعيل عبادي وغيرهم. والى جانب ذلك تشكلت لجنة خاصة لجمع التبرعات لدعم القضية الفلسطينية ودعم المجاهدين الفلسطينيين بالمال والسلاح والذخيرة. وقد ضمت اللجنة الى جانب محمد نجيب الجادر عدد من الموصليين أبرزهم الشيخ احمد الجوادي والشيخ عبد الله النعمة والمطران اسطيفان كجو وإبراهيم الجلبي ومصطفى الصابونجي وخير الدين العمري وعبد القادر زكريا وبشير مراد ومحمود ألجليلي. وقد تصاعد عمل هذه اللجنة وغيرها بعد صدور قرار هيئة الأمم بتقسيم فلسطين في التاسع والعشرين من تشرين الثاني سنة 1947. اذ اندلعت التظاهرات وتصاعد الغضب الشعبي ضد الانكليز والصهيونية وتشكلت أفواج من الموصليين المتطوعين بقيادة الحاج عبد الرزاق الحاج محمود الذي اظهر حسبما ذكرت جريدة فتى العراق (الموصلية) بعددها الصادر يوم 28 آب 1948(بطولات متميزة). وقد امن محمد نجيب الجادر المجاهدين بالأموال والمواد العينية شأنه شأن مصطفى الصابونجي وجمع من وجهاء وأثرياء الموصل آنذاك. بنى محمد نجيب الجادر سنة 1368 هـ/1948 م جامعاً سمي بأسمه ويقع في منطقة الفيصلية بالجانب الايسر من مدينة الموصل ويعد من الجوامع التي تتميز بطراز معماري جميل حيث ان قبته على شكل نصف كرة وله منارة مبنية من الاسمنت المسلح وقد ارخ الشاعر والقاضي الأستاذ إبراهيم الواعظ لبناء هذا الجامع بيتين من الشعر قال فيهما : مسجد للتقى بناه نجيب فاق في طرزه جميع المعابد قلت تاريخه ثواباً واجراً إنما يعمر النجيب المساجد 1368 هـ/1948 م  كتب محمد شكري العزاوي وإحسان القيسي في كتابهما دليل الألوية العراقية الصادر ببغداد (مطبعة المعارف) سنة 1956 عن محمد نجيب الجادر يقول “سعادة الوجيه محمد نجيب الجادر من الرجال القلائل الذين جعلوا نصب أعينهم هدفاً لرفع مستوى بلدهم المعيشي والاقتصادي والثقافي. فأسهم في إنشاء معامل للنسيج والدباغة أنقذت الكثيرين من الجوع والبطالة، ورفعت مستوى الأعمال اليدوية في العراق، عدا المشاريع الأخرى التي حمل لواءها وكان احد المشاعل الوطنية والاقتصادية التي ساهمت في إنارة ليل الجهل والعطالة ويضيف ” بأنه يزيد محمد نجيب الجادر فخراً انه بالإضافة إلى فضائله الوطنية والخيرية قد انجب خير خلف لآصلح سلف ونقصد نجله الأكبر الوجيه محمد صديق جلبي فهو الاخر علم من اعلام الاقتصاد وتاجر كبير من تجار الأخشاب. وقد كان سعادته في يوم ما اول ضارب مثلاً في الوطنية حيث استجاب لدعوة الجيش وانخرط فيه تلبية لشعوره الوطني ورغبة والده الكريمة بمناسبة معروفة. وسعادة محمد صديق جلبي بالإضافة إلى تعاونه التام مع والده عميد أسرة الجادر له أياد تذكر في المساهمة في كثير من الأعمال الخيرية والمنشآت الصحية، هذا عدا إسهامه في زيادة الدخل القومي، ومضاعفة الإنتاج المحلي، ورفع مستوى البلد الصناعي والاقتصادي. توفي محمد نجيب الجادر، حسبما ورد في سجل بتواريخ وفيات بعض الشخصيات الموصلية، الذي سبق أن زودنا به الأستاذ الدكتور محمد صديق ألجليلي، يوم 25 من كانون الثاني سنة 1962 وقد أعقب الجادر من الأبناء توفيق (1910) وصديق (1914) وضياء(1919) وعبد الوهاب (1920).رحمه الله ورحم كل من أفاد وطنه ودينه وأمته ودعوتنا لكل تجار الموصل ووجهائها من الذين أفاض الله عليهم من نعمته أن يحذو حذو أولئك الاقتصاديين الوطنيين الرواد الذين وضعوا مصلحة وطنهم ومدينتهم نصب أعينهم. فخير الناس من نفع الناس

 

شاهد أيضاً

أستبيان لمعرفة ماذا حل بالوطن ؟

وعد العمري لغرض القضاء على التزوير والسيطرة على ظاهرة تسريب الاسئلة.. ولقطع الطريق امام المسربين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *