الثلاثاء , يوليو 17 2018
الرئيسية / آخر الأخبار / مشروع تنوير

مشروع تنوير

يعرب السالم
جامع النبي يونس تضاربت آراء المورخين حول تاريخ بنائه القديم . يعتبر قبلة اهل الموصل فهم يزورونه كل جمعة ذكره ابن بطوطة والازدي وهناك من يقول إنه تكملة لبناء قصر سنحاريب كان يزين ليل الموصل بأضويته الملونة . وقد اعتاد اهل الموصل كلما مروا من قربه أن يرفعوا اكفهم بالدعاء . كما أن الاتراك كانوا يزورونه بعد الحج بل إن القسم الأكبر منهم كانوا يعتقدون أن حجهم لن يكتمل إلا بزيارة مقام النبي يونس فجره الدواعش الظلمة في ٢٤ تموز ٢٠١٤ . ولقد ترك هذا العمل الاجرامي غصة في قلب اهل الموصل وزائريه.

(( هجوم ” الديديات” على مقام النبي يونس ))

..في زمن مضى .. ما أن يبدأ آذان العيد حتى تبدأ الحركة في كل أزقة وحواري الموصل ونبدأ نحن صغارا وكبارا بالتجمع أمام منزل الدار بشكل غير منتظم أشبه بجيش دون آمرين . تميزنا تلك الملابس الملونة المخدوشة بخيط السرمة المذهب وصورة النسر الفضي على الجيب العلوي الأيسر للصدر .
ننتظر بصبر ايوب أن يفرغ الكبار من فطورهم القيمري ونحن نتحسس جيوبنا المنتفخة بالعيديات واحلام اللعب متمنين أن يطل الأب بدشداسته البيضاء لنبدأ الرحلة نحو الموصل حيث عويل وصخب الديديات الحديدية وحرب الشلعان في الهواء على أصوات مسجلات السوني الفضية وهي تزمجر بأعلى مايمكن “البسمة إبتسمت شفافه” .
نخرج في طوابير مشتتة نحو موقف مصلحة نقل الركاب برفقة الأب المبتسم الراحل عنا الآن. نركب الباص الاحمر ذو الرقم ٨ زهور / باب الطوب ليقوم الجابي موفق بشعره المائل للحمرة بقطع التذاكر تلطخ ملامح وجهه ابتسامة لم يغيرها الزمن .
المصلحة المكتظة بالعيد والبالونات والقهقهات وخرخشة العيديات والتدافع والبحث عن الحلوى القطع النقدية الحديدية المتساقطة رغما عنا وحتى الابتعاد عن طفل مغمس فمه بالموطا الكاكوية خوفا من اتساخ ثيابنا التي اجتهدنا في كيها لهذا اليوم كلها طقوس تتكرر في كل عيد .
نرقب وجوه الكبار في الباص وهي تتبادل التحايا والتهنئة بالعيد بابتسامات وانحناءات ونبرات واثقة ونشعر بأن المسافة تطول ولاتقصر فقلوبنا معلقة بالجو المغبر للديديات والفوز المؤكد بأعواد العلوجه والشرابت الملونة ولزوجة الحلقوم .
يخبرنا موفق الجابي بأننا تقترب من جامع الكاتب في الدركزلية وأنه لن يذهب من طريق النبي يونس بسبب الازدحامات ورغم أننا غير معنيين بهذه الإيضاحات التي أصبحت كل حياته . الا أنها تؤكد لنا اننا قاب قوسين أو أدنى من بدء معركة الديديات المنتظرة .
ننزل من الباص الى رصيف الدركزلية قرب محلات القفص الذهبي للنجارة لنصطدم بأصوات اطفال يشبهوننا في فرحهم وملابسهم ودشاديشهم البيض يزين رؤوسهم عقجين ابيض وتظهر من وراء جيوبهم الصدرية زرقة الدنانير .
يجرنا الأب نحو تل التوبة “والدزني الموصل” فهو لايحتاج تذاكر دخول بل ابتسامة عيد فقط. يتناهى الى اسماعنا صوت الديديات الفوضوي وصوت ابو ايوب وناعوره الأصفر الحديدي الصدئ، نصعد تل التوبة غير آبهين بالأتربة التي تغمس فيها أصابع أقدامنا. يخبرنا الأب بنبرة واثقة وحنونة أن لانبتعد وان نتماسك وان لانشرب الماء ولانشتري من الباعة الذين يملؤون المكان بزعيقهم . يخفق قلبنا بقوة الرهبة والفرح معا ونحن نعلم في سرنا بأننا لن نلتزم بهذه الأوامر ما ان نعيش أجواء الفرح الصاخب الذي لا يتكرر إلا في الأعياد .
يدخل الأب في مساومات الركوب فهو يساوم ابو أيوب على الوقت لا على الثمن. ونشعر أن الدنيا تدور ونحن في ناعوره المتمايل الراعش ننظر إلى مقام النبي يونس وهو يتطاول تارة ويقصر تارة اخرى، تخدش مسامعنا أصوات الدنابك التي لاتكل ولاتهدأ وتحرك أرداف الشباب على انغام
” انا المسيجينة أنا .. أنا المظيليمة أنا”. نهبط ونركب الديديات بعد تحذيرات خاصة من قبل القائمين عليها لادخل للأمم المتحدة بها .. لاتتمايل.. لاتلتفت.. التزم بالوقت .. امسك الزنجيل بقوة .. تعليمات كنا قد حفظناها عن ظهر قلب تختفي بمجرد التحليق الجنوني .
يبدأ الهز ويبدأ معه الصراخ المأفون وكأننا نريد اخراج فرحنا المهندم دون حياء . معلنين اننا أسياد الديديات التي بدأت تشدنا للأعلى والأعلى مع صراخ محبب الى نفوسنا، ينظر الأب إلينا بابتسامة نشعر أنها تحلق معنا بل تحرسنا اكثر مما يحمينا رباط الزنجيل الآسر لأصابعنا خوفا من الطيران من المقعد.. يتعالى صوتنا جميعا ونحن نجهر بخوف نشتاقه ..
” اشلع اشلع اشلع ” ومرات كناية بصاحب الديديات ونحن معلقين في الفضاء نقول له بكل شغب الدنيا ” اشلح اشلح اشلح” متجنبين النظر في وجه الأب الممانع لصيحاتنا، ورغم وخز نظراته إلا أننا نعلم في سريرتنا أن قلبه يضحك معنا .
نستمر بالصراخ .. اشلع اشلع ونشعر أن قلوبنا تنخلع من محلها واصوات الديديات المزمجر الصاعدة والنازلة في الهواء من على مطار تل التوبة دون أذونات حكومية .. نتخيل التحليق بطائرات حقيقية لنخوض في يوما ما معركة الحياة .
لم يبق من مقام النبي يونس اليوم سوى ذكرى جماله وجمال ذاك الاب الذي كان ينهي فرحنا بصوت محبب إلينا فيه طيبة كل العالم وهو يقول بلهجة تبدو صارمة لنا، تنهي صراخنا وتخفي دخان وزعيق الديديات بومضة .. لنذهب الى البيت ، نمتثل للأوامر لأننا نعلم بأن العيد لم ينته .

شاهد أيضاً

ناجحون يُحاربهم الأقربون

  زينب علي البحراني من النادر أن يتلقى الإنسان الموهوب أو التوّاق إلى النجاح في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *