السبت , سبتمبر 22 2018
الرئيسية / أخبار عاجلة / مطحنة الديمقراطية

مطحنة الديمقراطية

 د. أثير ناظم الجاسور

حُكم الشعب مفهوم يعطي جرعة كبيرة من الأمل للشعوب التي تطمح إلى أن تكون لها حقوق وحياة وأمل شعوب تحاول أن تجد إنسانيتها في تعامل من في السلطة وتتمتع بالحياة الكريمة بعد أن أعطت وسلّمت مصيرها للحاكم، وحتى يكون لها قرار وسلطة بالإنابة لتحدّد مستقبلها وقادمها الأفضل، لكن الحقيقة بيّنت أنها ديمقراطية رُسمت وفق متطلبات المصلحة الدولية، بُنيت على احتمالات أن يكون الرفاه والحياة الكريمة هي نتاج تغيير عسكري يمتلك مقدمات ولوج ديمقراطية داخل مجتمع عانى قسوة الفرد واختزال الدولة بشخص القائد، هذا هو ما رُسم للعراق والعراقيين أو ما كان مُخيل أن يكونوا عليه، ولتضع حدوداً، لا بل نهايات للبيانات رقم واحد، وتشرق شمس الديمقراطية والاختيار الصحيح، وما بين حسم دولي ومعاناة شعب قُدر أن يكون الشعب بين مطرقة الديمقراطية وسندان أحزاب قادمة مع الاحتلال ليرسموا معالم جديدة لديمقراطية قابعة في المنطقة الرمادية من التفسير وضعت تحتها ألف خط أحمر سبيلها المصلحة الدولية والمصلحة الحزبية الضيّقة.
عراق جديد طيّع نموذج للدول الطامحة للحرية يخضع للمعايير السياسية والاقتصادية العالمية خالٍ من الشر والاعتداءات، ديمقراطيٌ شعبه يحدّد من يحكمه ومن يدير شؤونه، هذا ما كان يُقال عن عراق ما بعد 2003، لكنه أنهار مع اول تشكيل يحمل في طياته مشروع بناء هويات فرعية دون الرجوع للهوية الوطنية، وتشرع القوانين وفق رغبات الأعضاء ويتقوس ما بين الامتيازات والحصانات غير مكترث بمصير شعب يعاني ويلات الحروب والامتيازات والحصانات، وما إن تخلص الشعب من حكم العائلة والعشيرة حتى تحولت الدولة برمتها إلى عوائل وثكنات حزبية وتُدار المؤسسة وفق النظام الداخلي لهذا الحزب أو ذاك، بعد أن يتم الحصول عليها بتوافق الحصص وتوزيعها، وراحت هذه الأحزاب توزع ضعفها على المجتمع من خلال الفساد الذي تسبب بإزهاق الأرواح وبناء جيوش من العاطلين والفقراء والمهمشين.
إن مخرجات النظام الديمقراطي في العراق تُعد غريبة على المجتمع ولا تتناسب مع المفهوم وتفسيراته، فلا الحكم للشعب ولا يعد مصدراً للسلطات، وراح يُدار من قبل سفارات الدول المجاورة بالتعاون مع القوى الكبرى التي أخفقت بالسيطرة على عمل حلفائهم في العراق، لاسيما وأن العراق بعد احتلاله، قسّم وفق معادلة الأعلى والأسفل، فكل ما تحت الأرض للقوى الكبرى وتحديداً الولايات المتحدة وكل ما فوق الأرض من طاقات بشرية.. إلخ، لدول الجوار، ونتيجة لذلك ظهرت على الساحة العراقية تعددية حزبية مشوّهة هجينة خلقت شريحة من المنقادين غير قادرين على اتخاذ أي قرار واصبحوا عالة على المجتمع، وتوقفت الماكنة المجتمعية عن خلق طبقة سياسية جديدة بعد أن اصبح المجتمع شريكاً لهذه الطبقة على الرغم من أنهم فشلوا وعلى مدار الخمسة عشر عاماً، في إدارة الدولة إلا أن المجتمع لم يستطع أن يغيّر هذه الطبقة بكل ما تمتلكه من فساد بأخرى تمتلك الرؤية والإرادة في العمل وإخراج العراق من أزماته.
سؤال يراود الكثيرين، هل فقد الشعب قدرته على الاختيار بسبب ما مرّ به من أزمات ومعاناة، أو انه اصبح شريكاً لهذه الأحزاب؟، إن قضية الاختيار خضعت طيلة الفترة السابقة لتجاذبات كان من يشجع لها يعتقد أن ما يتم اختيارهم تحديداً من نفس اللون الذي ينتمي إليه هم، بالنتيجة وجد أن من تصدر الموقف سواء من لونه أو من الألوان الأخرى لا يرتقون إلى مرتبة حملة المسؤولية، بالتالي فإن كانت الإجابة بعدم القدرة أو عدم الاكتراث، فالمحصلة أن العراق هو ضحية لديمقراطية سوء اختيار أحزاب وشخصيات فشلت بأن تجعل منه نموذجاً يحتذى به، الأدهى من ذلك، جعلوه نموذجاً لعدم الاستقرار والتشتت والتفرقة ومنتجاً لعدم الاستقرار، جعلوه في أسفل قوائم التصنيفات التعليمية والقضائية، جعلوه نموذجاً للفساد والمحسوبية وحكم العوائل، جعلوه فريسة لدول الجوار ودول الإقليم والعالم.
هل سيبقى العراقيون ضحايا لديمقراطية زائفة؟ هذا ما سوف يحدّده الناخب العراقي، خصوصاً وأن هذه الدورة الانتخابية المقبلة، إذا ما أجّلت بناءً على رغبات الفاسدين ستكون الفيصل لإنهاء هذه المسرحية التي كتبت فصولها بأيادي غير العراقيين، وأن يحدّد الشعب خياراته وفق المنطق والمصلحة الوطنية لترسم خارطة عراقية جديدة بسيناريوهات مختلفة خالية من التشاؤم والسلبيات تتوضح من خلالها أن للشعب سلطات هو مصدرها ومن خلالها يمتلك القدرة على التغيير وخلق ديمقراطية عراقية حقيقية خالية من الانتماءات الضيّقة والفرعية.

شاهد أيضاً

من غرائب أحداث ذلك الزمان

– بلاوي فتحي الحمدوني “تعد مدينة الموصل من المدن التي حبتها العناية الالهية بالكثير من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *