الأربعاء , يونيو 20 2018
الرئيسية / آخر الأخبار / مفصّل جواد علي.. الرَّد على مصطلح الجاهلية

مفصّل جواد علي.. الرَّد على مصطلح الجاهلية

 رشيد الخيُّون

عمل المؤرخ العراقي جواد علي (ت 1987) في سِفره “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام” أربعين عاماً، بلا عون ودعم مِن أحد، مِن جمع المعلومات من المظان إلى كتابة المسودات والمراجعات، وحتى البحث عن النَّاشر، ولم يستغل طالباً ولا مؤسسةً، بينما ذاع صيت أسماء ما لهم في مؤلفاتهم سوى المراجعة، وهناك مَن يضع اسمه مؤلفاً أو محققاً أو مترجماً والحقيقة أنه عمل المكاتب لا المؤلف نفسه أو المحقق أو المترجم، وهذا أيضاً ينطبق على معماريين أصحاب موسوعات ذاع صيتهم، بينما متعة العمل وإتقانه وقيمته أن يبدأ العمل وينتهي بيد صاحبه، وهذا ما فعله جواد علي في سِفره المذكور.

بعد نشره لم تستغنِ عنه مكتبة من المكتبات العامة والخاصة، وظل الكتاب حيَّاً بما احتوى من تاريخ زاخر بالثقافة والاجتماع والاقتصاد، أحتوى تاريخ اليمن والشام والعراق والجزيرة العربية. كان الكتاب الموسوعة رداً على مصطلح جاهلية العرب، صحيح أن المؤلف لم يفصح بالعبارة، ولكن الكتاب بأجزائه العشرة (زادت ونقصت في بعض الطبعات) أتى صارخاً بها.
ولد جواد علي ببغداد- مدينة الكاظمية العام 1907، يتصل نسبه العربي بقبيلة العقيلات أو العكيلات (مير بصري، أعلام الأدب في العراق)، إلا أن شخصاً فاعلاً في العلم لا تجده يحفل بنسب قبلي أو غيره. أكمل الدراسة الثَّانوية في مدرسة الإمام أبي حنيفة النُّعمان، حيث مدينة الأعظمية السُّنية والتي ما بينها ومدينة الكاظمية الشِّيعية عبور دجلة، يوم لم يكن الانتماء المذهبي أو الديني بالحسبان، وكان بمعية أخيه وصفي علي. فلما دخلا مدرسة أبي حنيفة، وكان مديرها الحاج نعمان الأعظمي(ت 1939)(الآثار العربية منتخبات المؤرخ الدكتور جواد علي، مكتبة الإسكندرية 2014 مقدمة بشار عواد معروف).
بعد إكمال دراسته في المتوسطة انتقل إلى المدرسة الثَّانوية، وآنذاك لم توجد ببغداد سوى مدرسة ثانوية واحدة، وهي “الثَّانوية المركزية”، وهناك تعرف إلى الشَّيخ بهجة الأثري(ت 1996) مدرس النَّحو والصّرف فيها، واستمر ملازماً له طوال حياته، ويذكر فضله في مقدمات كتبه. انتسب بعد التخرج مِن الثَّانوية إلى “دار المعلمين العالية”، التي تحولت إلى كلية الآداب ببغداد، في ما بعد، وتخرج منها العام 1931، ليعمل مدرساً في المدرسة الثَّانوية، ثم يحصل على بعثة دراسية إلى ألمانيا العام 1933، وذلك في وقت اشتداد النَّازية والحرب العالمية الثَّانية(1939- 1945)، وكان قد أنهى دراسته في جامعة هامبورغ(1939).
حضر مؤتمراً صحفياً لهتلر بمدينة نورنبرك الألمانية (1936)، كونه كان مراسلاً، خلال دراسة الدكتوراه، لبعض الصُّحف العراق كصحيفتي “الزَّمان”، و”الأخبار” وقال في ذلك: “سنحت لي الفرصة أن أحضر أحد المؤتمرات الصَّحفية لهتلر باعتباري مراسلاً لصحف عراقية”(رشيد الرَّماحي، مقابلة مع جواد علي، مجلة ألف باء 1978).

جواد علي وكتابة التاريخ
اعتبر جواد علي عمله في كتابة التَّاريخ مِن أخطر الأعمال، وذلك لارتباطه بملايين البشر، فإذا كان البحث في تاريخ العرب قبل الإسلام يهم المؤرخين والباحثين أكثر مِن سواهم، فإن تاريخ الإسلام يهم الأتباع مِن مختلف الشُّعوب التي دخلت الإسلام. فهو يرى أن على المؤرخ أن يكون “كرجل المختبر، ذا استعداد عظيم في التَّحليل، وذا حظٍ عظيم مِن العلم في الموارد التي يريد تحليلها، وذا ذكاء خارق يُمكّنه مِن الاستنباط والاستنتاج، ومِن إجراء المقابلات والمقارنات، لتكون أحكامه منطقية سليمة، وآراؤه معقولة مقبولة، وإلا صار قاصاً مِن القصاصين، ومؤرخاً مِن هذا الطِّراز القديم، الذي يرى أن التَّاريخ حفظ ورواية، وتسجيل لما يرويه النَّاس، فهو يُسجل كلَّ ما يسمعه، ويدون كلَّ ما يقرأه ويعثر عليه في الموارد يبدي رأياً موضوعياً لمجرد اعتماده على خبر وجده في كتابٍ أو في جملة كُتب، ويقول بأخذ أمة مِن أمة لمجرد وجود اشتراك في فكرة أو اسم أو أسماء أو تشابه ما، وأنا لا أريد بالطَّبع أن أنكر وقوع الأخذ والاقتباس بين الأمم والأشخاص، ولكني أدعو إلى وجوب استعمال التَّبصر والروية في أمثال هذه الأحكام، لئلا نتورط في مزالق العجلة، والعجلة كما يقول المثل العربي مِن الشَّيطان”(جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام).

كتاب المفصل
يستهل جواد علي سِفره “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام” بتحديد مصطلح العرب، وهو لا يجد أثراً له قبل التاريخ الميلادي، واختلاف المؤرخين في الإشارة إلى أول مَن نطق بالعربية، بين يعرب عند القحطانيين وإسماعيل عند العدنانيين، وكم تداولت الآراء عند الشرقيين والغربيين حول لفظة “العرب”. بدأ مع آراء علماء العربية، الذي اختلفوا في تحديدها (كتاب المفصل 1 ص 15). ثم جاء على آراء المستشرقين ورجال التوراة، وكان رأيهم أن اسم العرب ورد في آثار الآشوريين والبابليين إشارة إلى سكان البادية، وهم مثلما صُرح بذلك، عبيد لساره زوجة النبي إبراهيم، وعند اليونانيين شملت بلاد العرب الجزيرة العربية وبادية الشَّام.
ينتهي جواد علي إلى معنى لفظ “العرب” قائلاً: “إن بلاد العرب أو العربية هي البوادي والفلوات، التي أطلق عليها الآشوريون، ومَن جاء بعدهم، على أهلها لفظ الأعراب، وتحديد جزيرة العرب وامتدادها بادية الشَّام، نهايتها عند اقتراب الفرات مِن أرض بلاد الشَّام، فيكون الفرات حدها الشَّرقي أما حدها الغربي فأرض الحضر”(1 ص 35).
بعد تحديد لفظ العرب ووجودهم كأمة، اعتبر جواد علي ظهور الإسلام بين العرب أعظم حدثاً في تاريخهم على الإطلاق، فهو قد أخرجهم مِن الجزيرة العربية وبقية بلادهم، إلى بلاد فسيحة، وميزهم كأمة مؤثرة في الأمم الأُخرى، وبذلك كان ظهور الإسلام نهاية حِقبة، وهي ما عرفت بقبل الإسلام أو “الجاهلية”، وبداية حِقبة عرفت بالإسلام، وهي ممتدة حتى وقتنا هذا، وستبقى إلى ما شاء الله. وبهذا انطلق مؤرخنا مِن دراسة الحقبة الأولى ليتدرج منها إلى الحِقبة الثَّانية، أي بعد الإسلام(المصدر نفسه).

ما لم يشغل المؤرخين
يرى جواد علي أن تاريخ الجاهلية كان أضعف جزء شغل المؤرخين من تاريخ العرب؛ ينقصه التدقيق والغربلة، وكان قد حشي بالخرافات والروايات المختلقة (1ص 42)، وأبرز الأسباب في هذا التَّجاهل، أن مصادره ظلت مخبوءة في الكتابات والنقوش على الأحجار، والتي فُكت رموزها مِن قِبل الغربيين مؤخراً، وصارت تحت يد المؤرخين والباحثين، وبعد النّقوش المنحوتة في الأحجار، كما هي أحجار مدائن صالح شمال المملكة العربية السعودية، التي وردت في القرآن: “وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آَمِنِينَ (الحجر: 82)”، وبعدها تأتي الموارد الدينية اليهودية والمسيحية، ثم الموارد العربية الإسلامية، وبالتأكيد يأتي القرآن في مقدمتها.
أشار جواد علي، في مفصله، إلى إهمال التَّاريخ الجاهلي قديماً بذريعة عدم التشبث بالعصبية، وأن الكلَّ صاروا مسلمين، فلا داعي إلى التذكير بما قبل الإسلام، وكأن إرث هذه المنطقة بدأ مع الإسلام، ويبقى الأمل في ما تحمله النقوش التي يُكشف عنها، ولا يتم هذا إلا بعد الخلاص مِن النَّظرة المتخلفة لهذه النقوش على أنها مجرد أصنام وأوثان؛ وقد كتب مؤرخنا تحت عنوان “أصنام الكتابات”، وعلى ما يبدو كان قاصداً في عنوان كتابه، الذي صدر في الستينيات من القرن الماضي.

جامع مانع
جاء كتاب “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام”، والذي، مثلما تقدم يُعتبر كتاب العمر لمؤلفه، تاريخ سياسي وجغرافي واجتماعي واقتصادي وثقافي، أي دراسة تلك الحِقبة مِن المجالات كافة. نجده يتوسع في التاريخ الجغرافي للجزيرة العربية، وبعدها يأتي على اقتصادها وسكانها عبر الهجرات. خص الجزء الأول مِن الكتاب، تحديد وجود العرب كأمة قبل الإسلام، وهذا ما يعترض عليه الكثيرون، لكن جواد علي لا يهمه الاعتراض إذا كان مطمئناً لموارده أو مظانه، وقد شغل تاريخ الجزيرة العربية هذا الجزء.
ثم يخرج مِن الجزيرة، في الجزء الثَّاني إلى اليمن، وعلى هذه الأرض تداولت الدول والممالك والاحتلالات، فهناك حضارة عربية عريقة، شكلت النقوش اليمنية القديمة موارد هذا التاريخ، لكنه لا يتورط في خرافة انهيار سد مأرب، وانتشار العرب بسببه، بمعنى أنه أكد الوجود العربي الأصيل خارج اليمن، ولم يظهر كهجرة لسبب أو آخر.
بعدها تناول “المفصل…” الممالك الشِّمالية، أي شمال الجزيرة العربية، كحضارة الأنباط، ومملكة تدمر مِن أرض الشَّام، التي لم يعش مؤرخنا ويرى تدميرها بنظرة دينية عدمية، وما عُرف بالصفويين القدماء، وحضارة الحيرة، حيث الكوفة اليوم، والغساسنة، بعد ذكر علاقة المنطقة العربية بالرومان واليونان في جزء سابق مِن أجزاء الكتاب. إلا أنه أفرد جزءاً لتاريخ مكة ويثرب والطَّائف، كون هذا الثلاثي يشكّل عمق الجزيرة العربية آنذاك، غطاه، حسب ما لديه مِن مصادر، في المجالات كافة، لتظهر مكة قبل الإسلام تألف الأديان المختلفة، ولديها تقاليدها السياسية الخالية من استبداد المُلك.
ثم يأتي على دراسة الأحوال الاجتماعية والسِّياسية للعرب بالإجمال، مع التركيز على الجزيرة العربية. وبما أن الدِّين يشكّل جانباً أساسياً في حضارة العرب، فنجده يفرد الجزء السَّادس للحياة الدِّينية، ذلك الجانب الذي اختصرته التواريخ العربية الإسلامية بالصنمية والوثنية، مع ما فيه مِن حضارة وفن وثقافة وأدب.
في الجزء السَّابع مِن الكتاب يدرس مؤرخنا الحياة الاقتصادية، بما فيها مِن حضارة الزراعة والرَّي، والتجارة، والحِرف، والرعي، وكأنه يريد القول: كيف تُختصر هذه الحضارة بالجاهلية، وعندما نقول “الجاهلية” يعني إنكار وجود العقل، وليس مثلما برر المتأخرون إطلاق هذه التسمية بأنه الجهل بالإسلام ووحدانية الله، وحتى هذا لم يكن دقيقاً، فتلك الحضارة عرفت الله حق معرفته، وعبدته على طريقتها، أو بما أفرزته الحياة آنذاك.

في تاريخ الثَّقافة
شغل الجانب الثَّقافي الجزئين الثَّامن والتَّاسع من الكتاب، تناول فيهما طبيعة الحياة الثَّقافية، والتي لا تقتصر على الشِّعر فقط، الذي أفرد له مؤرخنا الجزء الأخير مِن الكتاب، وقد انتبه إلى خلو هذا الشعر مِن وصف الحالة الدِّينية، ويحتمل أن هذا النوع مِن الشعر، أي الذي تناول الطقوس الدينية أو مدح الآلهة، قد مات أو لم يروَ بسبب منع الإسلام له، فالآية تقول: “وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ”(الشعراء: 224-227).
بطبيعة الحال كانت المعلقات السَّبع في المقدمة، واعتبرت أفضل قصائد ذلك العصر، أي ما تبقى منه، وليس بالضرورة أنها الأفضل، وقد اُختلف في روايتها، أو تأكيد وجودها. غير أن مؤرخنا غفل جانباً من أهم الجوانب الاجتماعية، وهو أحوال الرقيق أو العبيد، ما عدا إشارته العابرة لهذه الطَّبقة، وما يتعلق بها مِن تجارات، تحت العنوان “النَّاس منازل ودرجات”(4 ص541)، وكانت الممالك العربية تقوم على عمل هؤلاء العبيد، كمملوكين أو مأجورين، بل كانت تجارة الرقيق وأسواقها تشكل رافداً اقتصادياً بالمنطقة، وما يتعلق بمصادر كأسرى الحروب، وكانوا مِن السُّود والبيض على حدٍ سواء، ومنهم مَن شارك في الدَّعوة الإسلامية، وله حضور كامتداد لحضورهم في الجاهلية، وكانت تجارة مربحة وطاغية على بقية التجارات.
ما أن صدر الجزء الأول مِن “تاريخ العرب قبل الإسلام”، وكان بمثابة النَّواة للمفصل، حتى أخذ المؤرخون والكُتاب يقرظونه ويحتفون به، ومِن الأوائل المحتفين به المؤرخ والمحقق السُّعودي حمد الجاسر(ت 2000) قائلاً: “هذه باكورة مِن بواكير ثم وخير بواكير الثِّمار ما سد فاقة، وجاد في إبان الحاجة إليه، ولقد كانت المكتبة العربية مفتقرة إلى كتاب شامل مفصل لتاريخ الأمة العربية، في الأحقاب التي تقدمت عهد الرِّسالة يجلو غامض تاريخها السِّياسي والاقتصادي والاجتماعي، لأن مؤرخي هذه الأُمة قد عنوا بتاريخها مِن ذلك العهد (عهد الإسلام)، وما حوله وما بعده، وتركوا الهوة السَّحيقة التي سبقته مجهولة المعالم، خافية الصَّوى، وعرة المسالك” (مجلة الرسالة المصرية 3 أيلول/سبتمبر 1951).
في كتابه، وبأجزائه التسعة، التي بين أيدينا (الجزء العاشر اختص بالفهارس العامة)، ظل جواد علي وفياً لتعهده بالحياد، ويتضح ذلك في تناوله للحضارة الدينية، وتشابك الأديان عند العرب آنذاك، ويُقدر ذلك الذي يعلم بميول مؤرخنا القومية في شبابه، والتي اعتقل بسببها، كذلك لا نرى في ما نشره مِن كتب وأبحاث إطلاق حكم قاطع على قضية مِن القضايا، بقدر ما يشير إلى ما ستكشفه الدراسات المقبلة، اعتماداً على ما سيتوافر مِن مصادر جديدة، ونراه واثقاً بإزالة الأتربة عن نقوش وكتابات، فربَّما غيرت معلومة أو جددت أخرى. لم يكمل صاحب المفصل مشروعه الآخر “العرب قبل الإسلام”، وصدر منه “السيرة النَّبوية”، وكانت مِن أفضل بين مئات السيرة التي كتبها الأقدمون والمتأخرون. قدمت مكتبة الإسكندرية خدمة كبرى بجمع ما نشره في المجلات، التي لم تعد بأيدي النَّاس، وأصدرته تحت عنوان “الآثار العربية منتخبات المؤرخ الدكتور جواد علي، مكتبة الإسكندرية”(جزآن فخمان)، بتقديم المحقق العراقي بشار عواد معروف، وقبلها نشرت “المجلة العربية” السعودية كتاباً له تحت عنوان “موارد الطَّبري”، جمعت فصوله مِن مجلات الأربعينيات.

شاهد أيضاً

سد الموصل يخسر نصف خزينه المائي القادم من تركيا

  عبد المهيمن النعيمي/ خاص لموقع قصة المياه-الشرق الأوسط لم تكد تمضي فترة وجيزة على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *