الأحد , أكتوبر 22 2017
الرئيسية / العراق / مقابر الأحياء والعبث بأرواح الأبرياء

مقابر الأحياء والعبث بأرواح الأبرياء

 

تحقيق – غسان العزاوي

 

نساءٌ و رجال ، أطفالٌ و مسنون آلالافٌ ، نحو المجهول بأوجاعهم  ماضـون عبر الصحارى الجرداء وتحت الأمطار ولفح الحر سائرون بدرجة حرارة تجاوزت الخمسين مئوية بذعرٍ لاهثـــون بلا مياه شرب و غذاء أو حليب للرضع من الجحيم هاربون

عن أي مكانٍ يأوي أشلائهم من التناثر باحثون، حفاةُ الأقدام ، منهكي الاجساد بصراخ تائهون  .. ” فالنجاة بأرواحهم و أطفالهم  كل المبتغى ”

هربوا من حفل قتلٍ جماعي أقامته أكثر من جهة معروفة ومجهولة ، في وطن تحول لساحة تصفية و صراعات محتدمة ضحاياها المدنيون .

ليتحول فيما بعد الى جزء مجهول في الخرائط يبحث عن راعٍ يحميه ، بعد ان تخلى عنه الآخرون .

في حينٍ تكالب عليه المارقون لاغتياله علناً ، أما اللون الأحمر فهو ما غطى ذلك الجزء و زحفَ على ما جاوره !

أما اولئك العراقيين المهجرين ، فبلغت أعدادهم  نحو 3.5 مليون قابلة للزيادة بحسب احصاءات رسمية ، هربوا من ابادة لم يشهد التاريخ الحديث مثيلا لها ، و بالهرب .. ما كادوا يفلحون !

مبعثرون ، هم و اطفالهم في العراء بعد ان نال منهم الطريق أرهاق سيرٍ أستمر لساعات طويلة واحيانا أيام , فوق رمال ملتهبة في صيف حارق ، دون ما يروي ضمأهم القاتل …

يتضورون وجوعاً وعطشا ورعبْ ، و صراخ الأطفال و بكائهم تنفطر له السماوات السبع حزناً ، دموع على كل وجه ، ذعرٌ في كل قلب ، وألم مرير لا زال يرافقهم اليوم في مخيمات النزوح ” كما شوهد ” ، وان أضحوا بعيدين عن “حفل القتل” نسبياً .

في طريق الهروب ، يسقط من يخونه جسده الخاوي غاشياً بعد ساعات السير الطويلة والتي تستغرق على الأغلب يوماً كاملا و أحيانا يومين و السبب :

الجوع و العطش الشديدين في صيف لاهب ودرجات الحرارة سجلت رقماً قياسي ، ما دفع دولاً عدة الى تعطيل الدوام الرسمي في مؤسسات الدولة خوفاً على مواطنيها !

في كوكب العراق فالعقارب تسير معكوسة ككل شيء فيه !

هو حال أهل العراق اليوم ، التعذيب أو الموت ، أما الذنب أو الجريمة فهو ” لأنهم عراقيون ! ”

في الموصل ، في بغداد ، في البصرة ، في كركوك ، تتعدد الأسماء ، لكن الهوية واحدة و الألم واحد .

” حرباً جديدة تحصد أرواح المزيد منهم ، فلم تنته اللعبة بعد ، ما دام كل شئ عشوائي ، متخبط مع نفسه ، الأرواح جميعها مطلوبة هنا دون استثناءٍ وفق دين او مذهب .

قصف عشوائي ، استهداف طائفي ، تفجير انتحاري ، تدمير مساجد و كنائس و كلُّ صرح تأريخي … ” .. هذا هو هدف أعداء الانسانية ، تدمير كل شئ !

أما الضحايا ، الى أي زاوية مضوا ليتخفون يا ترى ؟ .. لنرَ اذن ..

 

صناديق حارقة و حميمٌ لاهب

الساعة : 10:25 صباحاً

في مجمع الوند الكرفاني الذي أقيم قبل أكثر من عامين بكلفة بلغت أكثر من ” 10 مليار د.ع ” خصصتها اللجنة الحكومية التي تم تشكليها لتصنيع كرفانات سكنية للأسر العراقية الهاربة من الحرب تحت مسمى ” نازحين ” و بأشراف جهات سياسية متنفذة جعلت من الآم العراقيين المهجرين بسبب الحرب ” لاجئون في وطنهم ”

والهدف صفقات مربحة بلغت المليارات ، أما قيمة كل ” كرفان ” فهي ” 10 مليون و 350 الف د.ع ” بحسب مصادر رسمية حكومية .

وبعد التقصي تبين أن قيمة الكرفان الواحد لم يبلغ سوى ” 9 مليون د . ع  فقط ” ومنها أقل سعراً ، وفقا لمصادر صناعية مختصة في هذا المجال أما ” 1 مليون و 350 الف د.ع ” في الكرفان الواحد ” طارت ” كغيرها من أموال العراق العامة .

العدد المطلوب هو ” 1000 كرفان ” تبنته ادارة محافظة ديالى متمثلة بمحافظها السابق ” عامر المجمعي ” والذي تمت اقالته من منصبه بتاريخ 31 اذار 2015 بسبب اتهامات وجهت له ، تضمنت عمليات فساد مالية كبيرة في ملف عقود اغاثة ” النازحين ” التي تولى تنفيذها شخصياً دون ان يتم التحقيق معه أو العمل على اعادة الاموال العامة التي سرقت على الاقل !

ليكون قرار الاقالة تقاعداً تكريمي ليس الا ، كما العديد من المتهمين بقضايا فساد ضخمة افرغت الخزينة العامة للدولة ، لتعلن بعدها الافلاس و العجز البليغ ، قاصدة أبواب البنوك العالمية للاقتراض واغراق البلاد في ديون لن تنتهي حتى بعد نفاد آخر قطرة نفط تختزنها أرض العراق الذي لم ير من خيراته سوى الحروب والدمار ، ناهيك عن طلب المساعدات المالية من دول عدة تحت مسميات وذرائع مختلفة لدولة تصدرت الدول العربية غنىً و ثراء !

أما عمليات الفساد الفاضحة ، الكبرى و الصغرى منها ، فقد اغلقت وقيدت ضد مجهول كما كان منذ 13 عاما ، وان كانت المليارات من الاموال العامة ، فهي تائهة بنظرهم ولا راعٍ لها .

 

فيزا الدخول و الخروج للمقبرة !

الساعة الحادية 11:00 صباحا بتوقيت بغداد ، درجة الحرارة تجاوزت الـ 45 درجة مئوية وفق هيئة الانواء الجوية العراقية ، و ها قد وصلنا الى المجمع الكرفاني الذي اقيم على مقربة منه مجمع آخر للخيام ، أي مخيم يأوي الالاف من العراقيين الفارين من مدن القتال ، أغلبهم من الاطفال و النساء كما يبدو للعيان ..

في الطريق ، أعمدة الكهرباء ملقاةً على جانبي الطريق تمهيداً لسحب التيار الكهربائي الى المجمع بعد مضي عامين على مكوث الاهالي فيه دون كهرباء .

و رغم محاولات الرياح المحملة بذرات الرمل الساخنة من منعنا للوصول عبر صفعاتها لوجوهنا و فرض نفسها في أعيننا عمياً ، الا اننا في النهاية تمكننا من الوصول الى البوابة الضخمة ، و ها نحن نعد التحقيق بموعده لكن ” متنكرين ” .

من البوابة ، المكان شبه خالٍ من السكان الا الصناديق البيضاء الكبيرة والتي تدعى ” كرفان ” حيث تم صفها واحدا جنب الاخر ، مقسمة الى قواطع ، مشكلة سلسلة علب امتدت لاكثر من 40 صفاً تقريبا ، (20 ) على كل جانب من طريق ترابي .

تبلغ مساحة المجمع حوالي 300 دونم خصصتها محافظة ديالى لانشاء المخيم على تل تم تسطيح قمته ليحاط باسلاك شائكة ، كحظيرة ماشية أو مقبرة كبيرة تقبع فيها الآف الاسر النازحة من مدن جلولاء و السعدية ، لكن الغالبية العظمى كانت لمواطني قضاء المقدادية في المحافظة ذاتها و الفارين من بطش داعش و عصابات اجرامية مسلحة ، وهناك أسر وافدة من خارج المحافظة تقيم في المخيم ، الا انها محدودة نسبيا .

يعتبر مخيم الوند مخيما نموذجيا لوقوعه ضمن رقعة قضاء خانقين الحيوي الآمن ، و المحاذي لأقليم كردستان العراق ، و رغم بعد مسافة المخيم عن المدينة لـ 1 كيلو متر تقريبا و اقامته في منطقة نائية و وقوعه على الحدود العراقية – الايرانية ، الا ان وفود المنظمات الانسانية الدولية تقصده بين الحين و الآخر للاطلاع على احوال المواطنين القابعين فيه ، و ان لم تقدم لهم الشئ الكافي ليخفف من معاناتهم ، سوى سلات غذائية لا تكفي ليوم او يومين رغم تخصيصاتها المليارية و موازانتها الضخمة ، واسمائها والاصداء لكن اعلامها فعال ويدرك مهمته في التقاط الصور المثيرة ومشاهد توزيع المساعدات لنشرها في اكثر من وسيلة واثبات الحضور اعلاميا !

كما ذكرنا سلفا ، فان على مقربة من المجمع الكرفاني اقيم مخيما اخر كان قد تم نقله مؤخرا من مدخل المدينة لكنه يتكون من خيم ” تشادر و نايلون ” وليس كرفانات حديدية ، لكن يسكنه الآلاف من النازحين العراقيين من مدن مختلفة اغلبها مدن ساخنة تقع في ذات المحافظة ، وهو اكثر بؤسا من المجمع الكرفاني لما سيظهر لاحقا …

 

تمني الموت هرباً من الاحتضار

في بوابة المجمع الكرفاني ، يقف رجلا أمن لغرض التفتيش و امامهم نصبت احدى الكرفانات الحديدية لتستخدم كمكتب لادارة المخيم ، حيث يتم قطع تذكرة خروج موقعة ومختومة لمن يريد الخروج من المجمع من المواطنين المقيمين فيه ولن يخرج دونها مهما كان السبب من ضمنها الحالات المرضية المفاجئة ، محدد فيها وقت الخروج و العودة الى المجمع وهو اجباري ، لان الابواب ستوصد بوجه من يتجاوز المدة المحددة في التذكرة تحت أي ظرف .

مع دخولنا المجمع كزائرين ” لم نعلن صفتنا الاعلامية لنقل الصورة كما هي ” :

في ركن ما ، و تحت ظل محدود ، يقف ” محمد ا.ج ” والذي يعمل سائقا امام سيارته الصغيرة منتظرا من يروم الذهاب الى سوق المدينة من النازحين للتبضع ، و هو يمسك بسيجارته و يدخن بضجر و حيرة ، وما ان التقيناه وتحدثنا اليه حتى ادركنا نسبة اليأس و الاحباط اللذان انتاباه خلال فترة اقامته في هذا المجمع البائس ” بحسب تعبيره ”

اذ يقول ” محمد ”  :

  • ” نحن أموات ، بل الاموات افضل منا بكثير ، العذاب الذي نعيشه يوميا يدفعنا لتمني الموت كل لحظة ، حرارة الجو و شح المياه و انعدام التيار الكهربائي و الحالة النفسية المزرية التي نعيشها في هذا السجن ، ليست الا موت بطئ ينال منا بجرعات متقطعة ، و يعبر بضجر : ” لا أكل مثل أوادم ، لا ماي مثل الناس ، ياريت لو يموتونا ونخلص “.

ومع خطواتنا المتعثرة في مكان يظهر الحجم الحقيقي للضحايا كصورة وليس كعدد تعلنه وسائل الاعلام ، بين تلك الصفوف يجلس الرجال والنساء والاطفال ، الاسرة بافرادها بين تلك الصناديق الحديدية الضخمة والتي تلتهب حرارة مع انعدام اي وسيلة تهوية تنقذهم مما يتجرعون .

عدد من النساء قمن بتبليل فوط الحمام بالماء و غطين بها رؤوس اطفالهن بما فيهم الرضع ، فيما لجأ عدد من الرجال الى الوقوف في ركن ما ، لتوفير ظلال تلك الصناديق الحديدية لأطفالهم خوفا عليهم من اشعة الشمس القوية .

فالزحام شديد بين الكرفانات بحثا عن ظل بعد ان تحول الكرفان ذاته الى صندوق ناري يكوي بدل ان يأوي !

و أوعية المياه اصطفت على الجوانب بعد ان ملأت بالمياه لكن ما فائدتها والمياه التي تحتويها تفور سخونة ؟

 

للتقصي اكثر مما قاله ” محمد ” تحركنا صوب خزانات المياه التي اقامتها الادارة بدعم من منظمات انسانية دولية داخل المجمع و هناك شاهدنا  :

خزانان ضخمان وضعا على قاعدة حديدة كبيرة ، وامامها يصطف عدد كبير من سكان المجمع ومن مختلف الاعمار لكن معظمهم نساء واطفال ، كل يحمل قارورة بلاستيكية تعرف محليا بـ” جيليكان ” و قد تم تقسيمهم الى صفين متجاورين ، امام كل خزان صف واحد ، أحدهما للاناث و الآخر للذكور من مختلف الاعمار

الشمس العمودية تسطع على رؤوسهم ، و الصراخ فيما بينهم يصدع الرؤوس لغرض الحصول على المياه و التوتر فيما بينهم بلغ درجة هيستيرية ، خوفا من نفاد المياه و بقائهم دون شرب او اغتسال

عند الاقتراب من فوهة الخزان الكبير كانت الصدمة ، حيث ان المياه الموجودة داخل الخزانين لا تصلح للاغتسال أصلا بسبب نسبة القاذورات الموجودة في تلك المياه ، لكنهم يشربون تلك المياة الملوثة وتشاجرون من أجلها !

على الرغم من توزيع الادارة و المستوصف الصحي الموجود في المجمع لحبوب مادة الكلورالمعقمة الا انها لا تفي بالغرض مقارنة مع كم الحشرات و الطفيليات التي غطت سطح المياه و تقعرت فيه ، اما كمية تلك المياه الملوثة فانها لا تكفي للعدد الكبير من سكان المجمع النموذجي ، فكيف للمخيمات الأخرى ؟

يلجأ عدد من سكان المجمع ممن يمتلكون مصدر رزق الى شراء مياه الشرب و الغسل من مصادر من خارج المجمع ، حيث عمد البعض الى اقامة مشاريع اقتصادية داخل وخارج المجمع بعد ان طالت بهم مدة المعاناة و تجاوزت العامين من النزوح قسرا داخل وطن ينتمون اليه في بطاقتهم المدنية فقط ولم يحصلوا منه سوى على الألم والذل

 

مفسدون صغار وأتجار بالأرواح

عدد من سائقي المقطورات التي خصصتها وزارة الهجرة والمهجرين بالتعاون مع دائرة الماء و الادارة المحلية للمدينة ينقلون المياه من المشروع الحكومي الى المجمع السكني للنازحين براتب شهري ، الا انهم تحولوا لتجار مياه بعد ابتزازهم للنازحين و بيعهم لهم المياه بمقابل مادي ” سراً ”

حيث يقوم سائقوا تلك المقطورات الرسمية في وقت يتقاضون فيه رواتبا عن خدمتهم هناك ببيع المياه بصورة غير رسمية و لمن يدفع لهم من النازحين ، و الغاية شراء مقطورة ماء تطفى لهيب ظمأهم المستعر في تموز و آب أو الاغتسال ولو جزئياً

اما ادارة المخيم فلا اطلاع لها عما يحدث ، في حين اكدت فيه مصادر من داخل المجمع ان الادارة على علم تام بما يحدث الا انها تتحفظ عن التطرق اليه وفق اهداف مجهولة !

اما التيار الكهربائي الذي نسي في المجمع له تفاصيل شائكة ، فمنذ سنتين و سكان المجمع يصارعون و يدفعون و يناشدون المسؤولين الا ان كل هذه المحاولات بائت بالفشل نتيجة التجاهل المستمر !

على مقربة من بوابة المجمع ، ثبت المولد الكهربائي ” الديزل ” كأنه تمثال كرانيت ضخم ” نصب تذكاري “، مغطى بغطاء نايلوني كبير يدعى محليا ” تشادر ” والاسلاك الشائكة من حوله ترفرف فوقها ملابس الأسر التي لا تملك مكانا لتنشر فيه غسيلها غير تلك الأسلاك المحيطة بالمخيم .

اما مصدرالمولد فلم يكن حكوميا كما هو متوقع بل ان عدد من السكان أكد أن المولد الكهربائي هو تبرع من احد الميسورين في مدينة خانقين القريبة ، وانه قد تبرع به لسكان المخيم بعد مشاهدته عدد من الاطفال المصابين بالحمى نتيجة حرارة الصيف منذ عام 2015 .

و كان الرجل قد تبرع بالمولد لسكان المجمع مطالبا الادارة بتشغيله بشكل مستمر وما عليهم سوى توفير الوقود / مادة

” الكاز ” لتشغيله بشكل مستمر بهدف انساني نبيل من شخص مستقل هدفه انساني لأنقاذ الآف السكان من هلاك بطيء

تبنت الادار المحلية في بادئ الامر موضوع تزويد المولد بالوقود عام 2015 ، لكن بعد شهرين من التشغيل المتقطع امتنعت الجهة المتبنية من الاستمرار في تزويد المجمع بالوقود ، تم حينها ايقاف المولد الكهربائي عن العمل لتتعالى الاصوات من داخل المجمع للمطالبة بتشغيله بعد ان حدثت حالات اغماء و غثيان و حمى لعدد كبير من السكان معظهم اطفال و رضع

تعهدت احدى المنظمات الانسانية العالمية بتوفير الوقود للمولد الكهربائي و باشرت بتزويد المشغل بالمادة لفترة من الزمن لتنقطع الاخرى عن واجبها الذي تعهدت به لاسباب لم تعرف ، وهذا ما لم يكن في حسبان سكان المجمع رغم سوء ادارة التشغيل منذ البداية وعدم الالتزام بمواعيد التشغيل و القطع خلال فترة تزويدها بالوقود من الجهات المتعهدة

هذا ما كان السبب الاكثر تأثيرا في اسكات السكان عن المطالبة بحياة كريمة كبقية البشر في مكان لا يصح الا ان يسمى مقبرة او سجناً كبير يخنق جميع سكانه دون تمييز

ومع حلول فصل الصيف بدأت الاسر التي تمتلك ثمن شراء مولد كهربائي صغير بشراءه فعلا بعد ان فقدت الامل في عودة الحياة لمولد اضحى تمثالا متروكا لا اكثر..

 

تحايل و سلب في وضح النهار

في حزيران / يونيو الماضي ، بدأت الادارة بجمع مبالغ من السكان دون امر رسمي ، لكل اسرة مبلغ معين كثمن لشراء الوقود للمولد الكهربائي بهدف تشغيله خلال فترتي الظهيرة و الليل ، ونظرا لحرارة الطقس و ارتفاع الدرجات بشكل مقلق ، اضطرت تلك الاسر للدفع وان لم تملك شيئا ، منهم من قام ببيع سلته الغذائية و التي لا يتجاوز ثمنها الـ 10 دولار لغرض الدفع و الحصول على نسمات و ان كانت ساخنة في صندوق حديدي

المهم ، هو الحصول على نوم ساعة امام هواء يخفف من اللهب الذي يبعثاه السماء والارض معا ، وهناك من لجأ الى الاقتراض لغرض الدفع املا بتحقيق امنيته ” هواء مروحة في صندوق ساخن ! ”

قام مشغل المولد الكهربائي بجمع المبالغ المطلوبة ، و مساءا تم جلب الوقود و شغل المولد الكهربائي منذ الساعة العاشرة ليلا و حتى الخامسة فجرا

فرح الجميع بالمناسبة و استمرت الفرحة لخمسة ايام ، لتنتهي بعدها بخبر تعطل ” رأس التوليد ” في ذلك المولد ، ليتم بعدها تخييرهم بين دفع المال او البقاء دون تيار كهربائي ، لم يكن لهم خيارا اخر سوى الدفع ، وعلى ذات النهج استمر الحال لخمس او ست مرات من الدفع المتتالي بين 10 الاف دينار عن كل اسرة وصولا الى 25 الف دينار / حوالي 20 دولار امريكي

انقطاع التيار الكهربائي بشكل مستمر عن سكان المجمع ادى الى نتائج سلبية عديدة منها انخفاض ضغط الدم لعدد من المواطنين و ظهور امراض جلدية انتقالية خاصة بين الاطفال كاللشمانيا و النكاف و الحصبة ، ناهيك عن مرض الجرب الذي انتشر بشكل واسع وبسرعة فائقة ، ليستقبل مشفى المدينة العديد من الحالات المرضية الخطيرة لسكان المجمع و ذلك بعد احالتهم من المستوصف المؤقت الذي اقامته وزارة الصحة داخل المجمع بسبب عدم احتوائه على اساسيات الاسعاف ، كردهات طوارئ او البخاخ او الاوكسجين حتى المختبرات الضرورية ، فاغلب الاجهزة معطلة او غير متوفرة ، وما يتوفر خلال فترة الدوام الرسمي هو علاج سطحي لا يوازي حجم الكارثة الصحية التي تهدد سكان المجمع لا سيما الاطفال .

انعدام التيار الكهربائي لسكان المجمع ليلا ، دفع بهم لترك ” الكرفانات ” و الخروج الى العراء بغية النوم نتيجة اختناقهم داخل تلك الصناديق الملغقة ، ما جعلهم عرضة للسعات العقارب و لدغات الافاعي ، فقد أستقبل قسم الطوارئ في مشفى المدينة العام العديد من ضحايا اللسعات و اللدغات و خصوصا بين صفوف الاطفال و رغم ذلك الا ان القسم لا يملك اي مصل مضاد لهذه الاصابات ، ما يجبر طبيب الطوارئ الى احالة المصاب او المصابة الى مشافي مدن اخرى في اقليم كردستان كمدينة كلار القريبة والتي تقع ضمن الحدود الادارية لمحافظة السليمانية ..

 

مقابر عديدة و محاولات اغاثية لا تفي بالغرض

اما دور المنظمات الانسانية العالمية العاملة في العراق ، فهو غير مقنع مقارنة مع ما تعرف به تلك المنظمات عالميا ، اذ ان نشاطاتها تقتصر على تقديم سلال غذائية بسيطة و اجهزة كهربائية صغيرة ” وهذا ما يثير السخرية ” لكون تلك الاجهزة بحاجة لتيار كهربائي يشغلها ، كيف لها ان تعمل و التيار الكهربائي معدوم اساسا في تلك المجمعات و المخيمات التي تكتظ بعشرات الالاف من المجبرين على الاقامة فيها بعد خسارتهم لكل ما يملكون ، و امام انظار حكومة و برلمان رسميين !

تعلن وزارة الهجرة المهجرين بين الحين والاخر عن احصائيات للنازحين داخليا و خارجيا ، لكنها لا تعلن او تتطرق للتفاصيل التي تتضمنها حياة اولئك و تتجنب التطرق الى تحديات كبيرة يواجهها من تغرب وهو في احضان وطنه ، لكنها تطالب بشكل مستمر بتخصيصات مالية لدعم و ايواء و اغاثة النازحين داخليا والذي تجاوز عددهم 3.5 مليون نازح و العدد قابل للزيادة مع اقتراب موعد انطلاق عمليات تحرير الموصل التي ما زالت مستمرة .

و يواجه النازح العراقي صراع مع المجتمع الذي لجأ اليه ، حيث تلوح له اصابع الاتهام بين الحين و الآخر على انه حاضن للمجاميع المتطرفة الارهابية و تتهمه بالانتماء اليها رغم انه الضحية الاولى لتلك المجاميع التي سطت على مدينته و حولتها لجبهات قتال و صادرت جميع ممتلكاته عنوة و كرها ،لتجبره على حمل اطفاله و الهروب نحو المجهول .

ان كل هذه الاتهامات الخطيرة والمخلة ، تشكل تحديا كبيرا للمواطن العراقي النازح ما أجبر عدد منهم على الانتحار ، كما حدث مع نازحين من مدن الفلوجة والموصل و صلاح الدين مؤخراً .

ومن ابرز المشاكل التي تواجهها المجمعات والمخيمات السكنية الخاصة بالنازحين هي عدم متابعة الجهات المسؤولة و الاهمال المتعمد في تجاهل حقوق المواطن ، نتيجة مخاوف المسؤول العراقي من التوجه الى مناطق يعتبرها تهديدا لسلامته الشخصية متنصلا عن واجباته التي يتقاضى عليها رواتبا شهرية تجاوزت المعقول .

اما الزيارات السطحية لممثلي منظمات عالمية فهي ليست الا خبرا و صورا لكوادرها في صفحاتهم على الانترنت و الضحية امامها تتضور عطشا وجوعا و لا يكترثوا لرفاثها !

أما مواقف عدد من العناصر الامنية العراقية فقد كانت انسانية مشرفة ، حمل كبار السن والمجازفة بالروح لانقاذ المدنيين ، حماية الاطفال وتأمين ممرات لاخراجهم من مناطق النزاع المسلح ، وغيرها من المشاهد التي رأيناها ووثقناها كانت راية انسانية بيضاء تظهر للعالم مدى انسانية العراقي في أي ظرف حتى وان كان يشكل تهديدا لحياته .

لم تكن رحلة الهروب سهلة كما يظن البعض بل انها قضت على عدد كبير ممن نزحوا ، فظروف الهرب أصابت الكثيرين بالغثيان و الجفاف ثم مفارقة الحياة في الطريق ، وذلك لعدم توفر لجان استقبال او منظمات انسانية في طرق النزوح الا ما ندر .

فقد لقي عدد كبير من النازحين مصرعهم لا سيما الاطفال و النساء و كبار السن لتلك الاسباب ، اضافة الى ذلك فان قناصة التنظيم يستهدفون كل من يحاول اخلاء المدينة التي يسيطرون عليها و يعدونه مرتدا ” بحسب وصفهم ” والهدف استخدام المدنيين دروعا بشرية تصعّب على القوات العسكرية و من يساندها مهمة تحرير تلك المدن او السيطرة عليها لذلك قتل التنظيم عدد كبير من المدنيين ممن حاولوا النزوح من مدنهم كما حدث مع البو نمر في قضاء حديثة و الجبور في ناحية العلم و البو مرعي والبو عيسى و البو فهد في الصقلاوية و الكرمة … الخ

أما من نجا و خرج من مدينته بعيدا عن عناصر التنظيم و قناصته ، فواجهته صعوبة الوصول الى مكان آمن وهذا ما يستغرق يوما او يومين مع عدم وجود اي وسيلة نقل بالنسبة لمن لا يمتلك عجلة نقل وهي الغالبية العظمى لسكان تلك المناطق التي تقيم فيها قبائل عربية بما فيها المدن الكبيرة كالفلوجة و الحويجة و بيجي والشرقاط و غيرها من المدن .

جميع الاماكن التي تشهد عمليات نزوح تتشابه في العوامل الجغرافية والتي تغلب عليها الطبيعة الصحراوية الا مدن الانبار فامامها عائق كبير وهو نهر الفرات الذي يقطع اوصال مدن محافظة الانبار عن العاصمة العراقية بغداد ليكون ” جسر بزيبز ” المنقذ الوحيد للالاف من العراقيين العزل .

 

انتهاك الدستور و اختراقه بقرارات رسمية !

غلق جسر بزيبز بوجه النازح العراقي من أبرز الانتهاكات التي اخترقت الدستور العراقي ونقضت مفاهيمه ، حيث منحت المادة الـ (44) من الدستور العراقي في الفقرة ( أولاً ) الحق لاي عراقي حرية التنقل والسفر والسكن داخل العراق وخارجه “

وهذا ما كان مثارا لتساؤل حقوقيين و اعلاميين و نشطاء في العراق و خارجه ، لان ما حدث عكس ما يتضمنه الدستور الوطني العراقي !

من يطبق مفاهيم الدستور اذن ان كانت السلطات هي من تخترق قوانينه ؟ !

اما في المدن الاخرى غير الانبار التي كانت و مازالت حديث الساعة ، يصل النازحون العراقيين المحظوظين و الذين نجوا باعجوبة الى مناطق اخرى بعد فرارهم من مدنهم و قراهم التي تحولت لجبهات قتال مشتعلة ، وهم في حالة نفسية و صحية مزرية بمن فيهم الأطفال والمسنين .

بعد وصولهم الى مناطق عراقية اخرى غير مناطقهم ، يقصدون دور العبادة و الاماكن الحكومية على انها ممتلكات عامة لكن السلطات منعت ذلك ، ما اجبر عدد كبير منهم على افتراش الحدائق العامة ، اما من تمكن ماديا فقد استأجر منزلا ولو كان متواضعا نوعا ما ( ليستر أسرته فقط ) كما يقول النازح ” محمد الخالدي ” ، فيما بلغت بدلات الايجار معدلات قياسية تجاوزت الثلاثة اضعاف في المناطق الامنة نسبياً .

خلاصة التحقيق : قصدنا لمخيم نموذجي معروف ، ليكون نموذج تحقيقنا للتأكيد والتوثيق كان مدروساً لمعرفة حجم المعاناة التي يعيشها المواطن العراقي ، فما هو الحال في المخيمات العادية والتي تعد اكثر بؤساً .

أما التقصي عن المرحلة التي تلي النجاة من الموت في مدن الجحيم ، ما هي الا مراقبة وتقييم لحق المواطن الذي تحول لسلعة تباع وتشترى بأسم الانسانية ، وما هذه التفاصيل الا واقع حال لملايين المهجرين قسريا تحت مسمى ” نزوح ” وعددهم عدد قابل للزيادة مع استمرار عمليات تحرير الموصل ، المدينة التي يبلغ عدد سكانها اكثر من 3.6 مليون مواطن ( محافظة نينوى كاملة ) .

 

حملات شبابية و مبادرات عراقية مستقلة

ان الحل الامثل لوضع حد لمعاناة المواطن العراقي ” النازح ” هو منحه حقه في الحياة الكريمة و التعامل معه كأنسان له حق العيش بكرامة كغيره من بني البشر ، وذلك من خلال توفير أبسط مقومات الحياة له ولاسرته و هي ليست بالشيء الكثير او المستحيل ( ماء شرب و غذاء و دواء )  و لا يعتبر هذا بالشئ المكلف مقارنة مع الميزانيات التي تم تخصيصها وصرفها وفق اوامر ادارية عاجلة وعقود بيع وشراء بلغت ملايين الدولارات اختفت بجرة قلم .

الأجدر بالجهات المسؤولة الاعتماد على ذوي الاختصاص ممن عملوا كمتطوعين لحملات انسانية لاقت نجاحا باهراً و بدون مقابل مادي او ابتزاز او مساومة معروفة بها بعض الجهات التي لها صدى واسع مدفوع الثمن .

ان نزاهة ونجاح الحملات الشبابية التي اسسها خريجين ومثقفين من الشباب العراقي كحملات ” الخمسة الاف للناشط والاعلامي عمر الوليد ” و ” أوصل تصل للناشط محمد ديلان ” و ” مساهمة الاذاعيين والتلفزيونيين العراقيين للناشطة والاعلامية أسماء عبيد ” و ” جمعية الأمل للناشطة المدنية هناء ادور ” ..الخ

وغيرها من الجمعيات والحملات العراقية التي تميزت وحققت نتائج ايجابية وانقذت أرواح الكثير من العراقيين ومعظمها تم بتمويل ذاتي من تبرعات انسانية لم تساهم بها جهات رسمية .

تم من خلالها انقاذ حياة العشرات من المرضى و المحتاجين تاركةً بصمتها دون طمع أو استفادة شخصية على حساب آلآم الضحايا في بلدٍ بات ابناءه غرباءاً فيه وحرائره سبايا ومشردات ، ليتلقى ابناء الرافدين حسنات الوافدين له وفق صفقات مشبوهة ومريبة ، مدفوعة من أموالهم وخيراتهم من خلف جدران قاتمة !

شاهد أيضاً

مُنحرفو السُّلطة

  مروان ياسين الدليمي بعد بدء عمليات تحرير مُدن العراق من سلطة داعش،بدأنا نواجه في …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *