الثلاثاء , يوليو 17 2018
الرئيسية / آخر الأخبار / مُجتمعات تُحارب الحقيقة

مُجتمعات تُحارب الحقيقة

 

 

زينب علي البحراني

 

مريضٌ بمرضٍ خطيرٍ مُستفحِل، يتطلّب أكثر من عمليّة جراحيّة عاجلة، وعلاجًا مُكثفًا، ومتابعة صحية دقيقة، لكنه يُصر على إنكار المرض، ويرفض العلاج، ويسعى للانتقام من كل شخصٍ يجرؤ على محاولة مُساعدته أو الإشارة عليه باسم دواءٍ قد ينفعه، هل نتوقع له عُمرًا مُزدهرًا بالعافية وتحقيق الآمال؛ أم نتوقع سماع خبر موته المفاجئ في أي لحظة؟

مثلُ هذا المريض كمثل أي مجتمعٍ تستعمر جسده الخلايا السرطانية من رأسه حتى قدميه، وتأكله القروح، ويُمكن شم رائحة قيحه وصديده من مسافة عشرات الأعوام، ومع هذا يرفض أفراده الاعتراف بمرضه، ويُصرون على أنه بكامل عافيته ونشاطه، ويرون في شيخوخته شبابًا دائمًا متجددًا يستحيل اقترابه من أسوار الموت والفناء، هل نتوقع لمثل هذا المجتمع عمرًا طويلاً وامتدادًا مُستقبليًا لتاريخه؟

إصرار المُجتمع على إنكار حقيقة أمراضه المعنوية بالادعاء والتباهي ونشر الأكاذيب الهائلة مثل إصرار المريض على استنشاق المخدرات كي يعيش غيبوبة تُلهيه عن مواجهة مرضه، ولماذا كل هذا مادام بإمكانه الإنصات لنصائح الناصحين من المُتخصصين، والمسارعة بطلب العون وقبول علاج المُعالجين؟ لماذا يُهدر كل تلك الطاقة الجسدية، والعاطفية، والمادية كي يسير في طريق النهاية رغم أن بإمكانه إنفاق طاقة أقل في طريق التعافي والحياة؟

الرفض المُزمن لسماع الحقيقة ومواجهتها علامة من علامات انعدام النضج وعدم بلوغ سن الرشد المُجتمعي الطبيعي، مثل مراهق يُعاند علامات البلوغ كي لا ينتقل من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرجولة، ولذا نرى تلك المُجتمعات طورًا تقف متشبثة بمكانها خشية التقدُّم، وتارة “ترجعُ ألف عامٍ للوراء” على حد التعبير البليغ للشاعر الخالد “نزار قباني”. وما لم نواجه أنفسنا بالنظر إلى “مرآة الحقيقة” دون تزييف فلن نتمكن من مُعالجة الخطأ، وتجاوزه، ومن ثم التقدم والارتقاء نحو مُستقبلٍ أكثر نقاءًا وعافية.

قد تأتي الحقيقة في صورةٍ صادمة، وقد تكون الصيغة التي تم الإعلان بها عنا مُباشِرة ومؤلمة، لكنها تبقى المُفتاح الوحيد لباب التقدُم، والدواء الفريد الذي لا بد من تحمّل مرارة مذاقه المؤقتة للوصول إلى مرحلة الشفاء المطلوب، فإن حاربناها واخترنا أن نوصد أبصارنا ومسامعنا أمامها فنحن نحارب بذلك أنفسنا، ونوصد كل بابٍ ونافذة نحو التطور في المُستقبل، ونحكم على أنفسنا وأمتنا بالتداعي والفناء.

شاهد أيضاً

ناجحون يُحاربهم الأقربون

  زينب علي البحراني من النادر أن يتلقى الإنسان الموهوب أو التوّاق إلى النجاح في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *