السبت , يناير 20 2018
الرئيسية / آخر الأخبار / نوزت شمدين: “شظايا فيروز” بالنسبة لي مدينة الموصل

نوزت شمدين: “شظايا فيروز” بالنسبة لي مدينة الموصل

الرواية في إحدى أبعادها إنما هي ” شظايا الموصل ”

ضيف يزن : إسطنبول

الرواية في إحدى أبعادها إنما هي “شظايا الموصل”

حرية التنقل التي اكتسبها قبل بضع أعوام بفضل غربة المنفى الذي اختاره هو بعد أن حاول من أراد وأد الثقافة في العراق اغتياله لمرات فهاجر إلى أوروبا وتحديداً النرويج، لكن حبه لمحبوبته الأزلية الموصل لم يتغير بل ازداد، فهو وبروايته الأخيرة “شظايا فيروز” ينقل لنا شظاياه عبر المحيط متجاوزاً اللامكان متحدثاً بصورة موضوعية عن فترة سيطرة داعش وظلامه على المدينة التي أحبها حد اللعنة. نوزت شمدين الذي يكرس الآن جل وقته للكتابة والعمل الصحفي هو بطل حوارنا الذي تجاوزنا معه البحر لنجالسه هنيهةً زمن ليحكي لنا عن وجع فيروز، وكان هذا الحديث:

* قبل نحو عام أجريت معك حواراً عن روايتك الثانية سقوط سرداب وها نحن نتحدث الآن عن شظايا فيروز وهي روايتك الثالثة ماذا يعد نوزت شمدين قراء شظاياه؟ وماذا أضافت فيروز بشظاياها لتجربة شمدين الأدبية؟
-المنشور لي ثلاث روايات لكن لدي مخطوط رواية رابعة (الأغا الصغير). سنوات عديدة مرت على انجاز العمل لكنني متردد في إطلاقه وسنرى خلال الفترة المقبلة قد أراجع العمل مرات ومرات قبل طباعته.
بالنسبة لشظايا فيروز، فأعتقد بان القراء سيجدون الصوت المحايد في طرح قضية السبي، تقديمها بدون مؤثرات كما شاهدت في أعمال عديدة صدرت مؤخرا، أما يكفي وجع الايزيدية المسكينة وحده ليكون عملاً دراميا متكاملاً؟ كما إنني وجدت أن الموصل أيضاً كانت سبية، وان هنالك فصلاً في القضايا مع إن القضية واحدة وهي اعصار الارهاب الذي ضرب المنطقة ولم ينج أحد من كارثته. أنا جمعت كل ذلك في هذا العمل. واظن بأن جيلاً قادماً سيتقبل شظايا فيروز أكثر من الجيل الحالي الشاهد على ما جرى. تلمست هذا مع روايتي السابقة سقوط سرداب إذ أن شبانا بلغوا بعد 2003، يتوقون لمعرفة ما جرى في العقد التاسع أو الثامن من القرن المنصرم. بسبب ندرة المكتوب بنحو محايد، وهذه مشكلة كبيرة انسحبت حتى على الأدب، فالكاتب يميل للأسف الى جهة على حساب الحقيقة. وهنالك من وجههم الخوف فكتبوا خلافاً لقناعاتهم. وكانت النتيجة منجزاً مزوراً مضللاً.
نبدأ من العنوان شظايا فيروز لماذا هذه التسمية؟ وهل لشظاياك واقع حقيقي أم هي محظ خيال لا أكثر؟
التشظي كان واقع حال العراق ونينوى والموصل. وعلى المستوى الشعبي كان التشظي على قدم وساق، الآف القتلى، والمختطفين، ومئات الآلاف من النازحين والمهجرين. تشظي في المكان، وعلى مستوى الانسان(العائلة). وفيروز تلك الفتاة الايزيدية الجميلة الطاهرة. هي بالنسبة لي مدينة الموصل. لذا يمكن أن تقول بأن الرواية في إحدى أبعادها إنما هي (شظايا الموصل)
وباستثناء واقعة احتلال داعش لنينوى وما أقترفت من جرائم بحق مختلف المكونات وليس فقط الايزيديين. فأن النص بشخوصه وإحداثه خيال تام.

* هل حقاً هنالك قرية تابعة لسنجار يطلق عليها تسمية أم نهود؟ أم هي غير ذلك؟
– كلا، لاتوجد قرية بهذا الاسم. تجنبت تماماً ذكر اسماء قرى حقيقية في الرواية، لأنه في نهاية الأمر هو عمل أدبي، إغراقه في الواقعية سيحيله الى جنس كتابي آخر.
لماذا وصفت الصخرتين اللتين تشبهان النهود في بداية القرية التي أخذت تسميتها منهما بهذا الوصف؟
لأسباب عديدة، من بينها ابعادها قدر المستطاع عن الواقع. والايحاء بان الأرض أمّنا، وجميعنا نلقم ثدييها. ولضرورة في النص، لأن تنظيم داعش سيعود في نهاية الرواية ليغير أسم القرية الى(أم فهود) كون أم نهود فيه إيحاء جنسي. وهي أحالة الى قرارات وقوانين أخرى وضعوها، حدوا بها من الحريات وقيدوا المجتمعات التي فرضوا سيطرتهم عليها، مسقطين عليها مفاهيم غريبة على مجتمعنا.

* لماذا أوجزت واقع الموصل ما بعد التغير في 2003 إلى حين سقوطها بيد داعش الارهابي سنة 2014 بأسطر قليلة؟
– النص ألزم بهذا، كونه يتعلق بالفترة الوجيزة لما قبل احتلال داعش مروراً بالاحتلال وتبعاته. ومع ذلك كانت إحدى الشخوص حريصة على توضيح أسباب ما حدث بنحو جلي..

* هل باعتقادك يوجد مثل هكذا فتاة بهذه المواصفات الحورية التي تتصف بها فيروز، على وجه المعمورة؟
– هذا شأن قلبي خاص، واشتراطات القلوب في الحب غير التي تحددها العيون. وبالفعل هنالك من يرى إمراة معينة مخلوقة نادرة الوجود في حين إنها عادية جدا بنظر آخر. وفيروز التي في هذه الرواية فتاة قروية بسيطة فقيرة غير متعلمة. توجد نسخ كاربونية كثيرة منها في مختلف انحاء العراق والشرق الأوسط. وما جعل منها خرافة بحق، هو حب مراد الجنوني لها مع إنها لم تبادله ولا حتى كلمة واحدة.

* ما السر في جنون أهالي قرية ام النهود بالبصل، لينتقل هذا الجنون للحيوانات ايضاً على حد تعبيرك؟ هل حقاً الحب يفعل هكذا؟
– الحب يفعل المعجزات، لكن هنا يختلف الأمر فهو لا يتعلق بالحب وحده، وإنما الانقياد الأعمى للناس وراء أقاويل وشخوص دون تفكير أو تدبر. ففي هذا الجزء من الرواية أراد مراد أن يقترب من حبيبته فيروز التي تبيع البصل الابيض على جانب الطريق، ولم يجد سوى حجة شراء البصل كوسيلة. فأقنع أهل القرية بأن للبصل فوائد صحية، وقبلها أوعز لرجل الدين في القرية أن يضمن فوائد البصل في خطب الجمعة لإضفاء طابع قدسي عليه، وهو ما جعل الناس يضيفون البصل الى صنوف الطعام جميعا وفي الوجبات الثلاث، وأبدلوا الفاكهة من تفاح وبرتقال به، وجعلوه تعويذة سحرية مضادة، فأخفوا قطعاً منه في ليف الحمام، وتحت الوسائد في غرف النوم. وقلائد للأطفال في المهود. وفعلياً تعاني مجتمعاتنا من مرض الاستسلام للشائعات والخرافات والإيمان بها والعمل بها. وهذا سر الخراب الذي حل في كل مكان حولنا تقريبا.

* في القسم الرابع من شظاياك تحدثت عن حذر النساء الايزيديات من البوح بمشاعرهن لغير ابناء جلدتهم؟ لماذا هذا الانغلاق برأيك؟
– الايزيديون بطبيعتهم منغلقون على أنفسهم، يعيشون في تجمعات خاصة بهم، والتعاليم الدينية التي يحاولون التمسك بها وبتشدد تمنع تزويج نسائهم أو أبنائهم من خارج نطاق دينهم، بل إن هنالك طبقات داخل المجتمع الايزيدي ذاته يمنع الزواج من طبقات آخرى .
بعد 2003 تفاقم الأمر كثيراً، إذ ظهرت جماعات دينية مسلحة في نينوى بعد الاحتلال الامريكي، عاملت الايزيدين ككفار وأعملت فيهم قتلاً. حتى لم يبق في الموصل ولا حتى ايزيدي واحد. وكانت تلك الجماعات تتصيد الايزيديين على طرقات السفر وتحتفل بقتلهم. وبطبيعة الحال أسهم هذا والى حد كبير في انغلاق المجتمع الايزيدي مع هجرة واسعة الى أوروبا بالنسبة للشباب.

* باعتقادك هل ما زلنا نعيش في مجتمع يحتكم للعادات والتقاليد، التي قد تقتل وتفرق قلبين يحبان بعضهما، حد الوله؟
– المجتمع في نينوى قبلي بنحو عام، نينوى اليوم أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة، هي ليست الموصل فقط كما يتوهم كثيرون. وهنالك تشدد عشائري مازال يتعامل مع المرأة بنظرة دونية، وكثير من الفتيات دخلن العنوسة بسبب (الحيرة) وهو مفهو منع ابن العم زواجها من غريب. واي شخص يفعل ذلك يعد عدوا يجب قتاله. وقد وقعت مجازر بسبب هكذا أمور.وهذا مشهد واحد من شواهد آخرى كثيرة. العادات والتقاليد جميلة ومحببة اذا مورست دون تشدد أو تقييد لحرية المرأة والرجل على حد سواء، لكن واقع الحال للأسف فيه الكثير من التجاوزات المؤلمة.

* في حوار الممرضة شيرين مع أمير الصحراء وفيروز نتعرف على أن الايزيدين يعبدون الله لاغياً فكرة عبادتهم للشيطان، حدثنا عن هذا الموضوع؟
– منذ أن كنت صغيراً كنت أسمع همساً بان الايزديين قوم يعبدون الشيطان(ابليس)، وان من يريد إهانة ايزيدي يذكر امامه كلمة(شيطان)، أو (شخاطة) أي علبة كبريت لأنها مفردة ربما تكون قريبة من الاولى. في مراحل مختلفة من عمري في الموصل نشأت صداقات بيني وبين ايزيديين فوجدت فيهم الكرم والطيبة والرجولة والوفاء. حتى تعرفت في مرحلة الخدمة العسكرية بصديق أسمه (بهزاد حيدر). وكان مثقفاً متنوراً صحح لي بعض مفاهيمي المغلوطة بشأنهم من الناحية الدينية، واتضح لي انه وبسبب قلة المكتوب عنهم، تم فهمهم بنحو خاطئ، وانهم موحدون يعبدون الله وحده. لكنهم يضفون قدسية على الملك جبريل، ويعتقدون بانه يحكم العالم بتوكيل من الله. أما ابليس فهم يخشون ذكره بسبب القوى التي يمتلكها بحسب اعتقادهم. على المستوى الشعبي، يعرف الايزيدي بـ(الكريف) وهو شقيق الدم، عندما يصبح الايزيدي كريف المسلم يعني انه يفديه بروحه. كان هذا مستوى العلاقة بين الايزيدي والمسلم في نينوى في العقود الآخيرة قبل أن يأتي تنظيم داعش ويكرر حملة إبادة بحقهم كما حدث ولمرات عديدة عبر التاريخ آخرها في العهد العثماني.

شاهد أيضاً

عزيزي نيوتن: تاريخنا العربي منحول ومكذوب

  عادل نعمان عزيزى نيوتن: تاريخنا يكتبه المنتصرون الأقوياء، فإذا ما انهزموا وضعفوا ووهنوا نسخه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *