هل يجدي الاعتذار ؟!

نوزت شمدين
نشرت قبل فترة نصاً ساخراً عن مسؤولي حكومة نينوى(ضفادع مجلس نينوى البشرية- النسخة الاصلية لتحرير الموصل) وهو سرد عن معركة مفترضة قاتل فيها اعضاء مجلس نينوى والقائممقام والمحافظ وفريقه من أجل تحرير مدينة الموصل بغطاء جوي ومدرع أمريكي. قسم منهم غضبوا بعد قرائته وحاولوا استخدام البند العرفي الذي درجوا على الاستعانة به في تعاملاتهم مع خصومهم( خوفوه)، آخرون صمتوا وكانت ردة فعلهم الوحيدة(يجي يومو).
يهمني من بينهم ثلاثة أشخاص أتيت على ذكرهم دون أن يكون لي تصور عن وضعهم بعد احتلال نينوى من قبل ارهابيي داعش، وقطعا ما سأقوله لا ينفي مسؤولية أي منهم فيما جرى للموصل أو نينوى بنحو عام، لأنهم مع جميع المسؤولين في حكومة نينوى أو بغداد يتحملون المسؤولية وعليهم تحمل العقوبة كاملة وهذا رأيي حتى وإن كان مزعجاً لعددِ من الذين كانت تربطني بهم علاقة صداقة أو زمالة او عمل.
الأول عضو مجلس نينوى خديدا خلف، قال لي في اتصال بأنه ضحك كثيراً عندما قرأ دوره في النص( ضاع في سوق سيدتي الجميلة أثناء المعركة)، لافتاً الى أنه سبق وان تابع كل ما كتبته عنه خلال السنوات المنصرمة، وأنه يقدر ما اكتبه ويحترمه حتى وإن كانت فيه قسوة بعض الشيء مادام ذلك في حدود النقد بسبب عمله ضمن الحكومة المحلية. ارتفاع مستوى الشحن العاطفي هنا لم يدفعني الى الاعتراف له بالسبب الحقيقي وراء ذكري له في كل مقال او تقرير يتعلق بحكومة نينوى خلال فترة وجودي في الموصل . لم أقل له بأنك الوحيد ضمن جيش اللصوص في حكومة نينوى الذي لم يكن يمتلك ميليشيا يمكن ان تقتلني، أو يستعين بقتلة مأجورين او بجهة أرهابية لتفعل ذلك كما حدث لعدد كبير من أصدقائي وزملائي. ولا اظن بأنه يملك الان شيئاً من هذا القبيل، خصوصاً انه ربما يكون الوحيد من بين الباقين في مناصبهم يسكن في مخيم للنازحين، بدلاً من استخدام اموال الدولة للترفيه عن نفسه وعائلته وحاشيته كما يفعل المحافظ ونوابه وأعضاء المجلس والبرلمانيون من نينوى وموظفون فاسدون مثلهم.
الثاني، عضو مجلس محافظة نينوى (داود جندي) كان زميلاً لي في الدورة الاولى لقسم القانون في كلية الحدباء. وكذلك في مجال عملي( الكارثي والقصير) بالمحاماة بعد ذلك. علمت من خلال أصدقاء مشتركين انه قضى أشهراً طويلة يحمل بندقيته محاصراً في جبل سنجار وقاتل ارهابيي داعش وأصيب في إحدى المعارك ووصلتني معادلات صورية عديدة تؤكد جزءاً مما سمعت. قدم العون والمساعدة للكثير من الناس ومازال يواصل ذلك حتى هذه الساعة.
الثالث، قائم مقام قضاء الموصل السابق (حسين علي حاجم)، تلقيت منه رسالة معاتبة على ذكري له في مقال أخر (ماخوش ولد قائممقام للموصل مرة أخرى)، فضلا عن دوره في نص الضفادع. تبين لي انه تضرر شخصياً بنحو كبير خلال السنوات الثلاث الفائتة، وتعرض أشقاء له للاعتداء والاعتقال ومازال اثنان منهما يعانيان من إصابتيهما اضافة الى مقتل عدد من اقرباءه بسبب عمله الوظيفي. هو بذلك لا يختلف عن عشرات الالاف من المواطنين الآخرين الذين قدموا تضحيات أكبر بكثير جدا، وما جعلني اشعر بوخزة ضمير خفيفة جراء وضعي له في (دبابة أرامز أمريكية في القيارة)، أنه قدم بالفعل مساعدة فاعلة للمئات من المدنيين النازحين جنوب مدينة الموصل، وتحمل مشاقاً قال بانها كبيرة في سبيل تهيئة وإعداد مخيم لهم. هذا مع اصراري على أنه مازال لا يستطيع ترتيب جملة واحدة مفيدة فحتى رسالة عتابه كان فيها العشرات من الاخطاء الاملائية. قرأتها ثلاث مرات حتى تبين لي رأسها من رجليها.
أقدم اعتذاري لـ داود جندي وخديدا خلف و حسين علي حاجم لأنني تسببت بجرح لمشاعرهم وتجاهلت أوضاعهم أو ما قدموه من عون لمحتاجيه. وهذا الاعتذار مقدم بصفتي الشخصية لذواتهم المجردة من المسؤولية. أما بصفتهم مسؤولين في حكومة نينوى المحلية، فأنا لا أملك الحق في تقديم ألاعتذار لأنني سأكون بحاجة الى تخويل من آلاف السبايا، وعشرات الالاف ممن دفنوا تحت انقاض بيوتهم في حرب تحريرهم من الحياة في الموصل أو الذين اعدموا أو رجموا بالحجارة أو القوا من فوق المباني. ومئات الالاف الذين شردوا ونزحوا وفقدوا املاكهم وأحلامهم، ومثلهم من الماكثين في المدينة والخوف من المستقبل المجهول يقتلهم، بعد ان قتلتهم حياتهم في ظل حكم داعش وحرب إنهاء هذا الحكم مرات ومرات.
لو أن هؤلاء الثلاثة تجرؤوا على تقديم استقالاتهم يوم ارتفعت الرايات السود في شوارع الموصل قبل أكثر من ثلاث سنوات لكنت تجرأت بدوري اليوم وطلبت مثل هكذا تخويل من الضحايا ومدينة دمرت بنحو فظيع. لكن فات الأوان على هذا وحتى التعبير عن اعتذارهم بما يفعلون ربما لن يكون مجدياً أبداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *