وهم الإستقرار

حارث العباسي

في كل جلسةٍ تجلسها مع أحدهم يحدثك عن الاستقرار وكيف يمكن للإنسان ان يستقر في حياته ؟

ترى الثبات بمكان وبلدٍ معين منذ الولادة الى الممات هو الاستقرار الحقيقي ؟

أم الثبات بعمل ترغب به ويوفر لك الكثير من المال هو الاستقرار؟

ويبقى سؤال آخر هل الزواج استقرار ؟

أسئلة كثيرة نطرحها ولا نجد لها جواباً حقيقياً في النظريات ولا على أرض الواقع ، ليبقى الحديث عنه مستمراً الى يومنا هذا ، بل تراه محور كل جلسة في الغالب.

اتذكر كثيرٌ من الناس سافر لبلدٍ معين ليستقر ويبدأ حياته ولكن للاسف لم يحصل على ما يصبو عليه ، فقرر العودة الى المربع الاول الى اللا استقرار بعد ان قطع مسافاتٍ طويلة ، ما زلْتُ اتذكر نفسي حين ارتكبت حماقة ان أرتبط بعمل لا أحبه ولا ارغب به ، وليس حلم حياتي فيه ، لكني فعلتُ ذلك لأجل ان اتزوج من واحدة ما موجودة في هذا الكون الرحيب ، لقد دفعتُ ضريبة الاستقرار بعمل لا أحبه لسنوات وربما يمتدُ العمر أكمله وانا لم أحصل على ما أصبو إليه .

ذهب كل شيء ولَم أعد مستمتعاً بعملي كثيراً ولعنتُ الاستقرار ، وكل ما يمتُ له بصلة ، وكأني اتذكر القائل يقول لي : رحم الله الهوى كان صرحاً جميلاً فهوى ، أجل هوى وهوى كل حلمٍ بعده لأكون أسيراً للعمل الذي لا أحبه الى اليوم.

لقد قطعنا على أنفسنا ان نكون اسرى الأماكن والمؤسسات والوظائف والمناطق التي عمل وسكن بها آباءنا ، لقد عاش هنا ورحل الى القبر من هنا ، لقد كان مستقراً للاسف.

لماذا لا نتسآل كثيراً ؟

لماذا لم يخلّدْ الانسان في الحياة ؟

أليس هو نفسه الذي يبحث عن الاستقرار في الدنيا ولكنه سيرحلُ يوماً ما عنها تاركاً خلفه كل شيء ، وفي موروثنا الديني يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” أحبب من شئت فإنك مفارقه ، لا استقرار حتى للكائنات الحية فهي تنتقل من مكانٍ الى آخر ، فالطيور والأسماك استقرارها بمكان معين يكون سبب بفقدانها الحياة ، لاشيء حولك ثابت كل ماحولك في حركة مستمرة الكواكب و الارض والشمس ، وحتى الذرات ومكوناتها ، فكيف يمكنك ان تثبت وتستقر وسط هذا الكم الهائل من الحركة حولك.

فكرة الحياة تتجلى وبكل وضوح ان لا استقرار فيها والى الأبد ، من يكن يتخيلْ يوماً ما أن موظفاً على الملاك الدائم عند الدولة يُقطع راتبه لمدة ثلاث سنوات ، لم تكن في مخيلةِ أحد ولا في حساباته ولكن حصل هذا الأمر لثلاثة مليون إنسان في مدينة الموصل ، عن أي استقرارٍ نتحدث إذاً ، إن كان حصل كل هذا معنا.

ولعل معترضٍ على ما سبق يقول : ما الذي نصنع ألا نبحث عن الاستقرار ؟

ابحث عن الاستقرار ولا تكن أسيراً له وأعلم ان الاستقرار نسبي في كل الحياة ، لا تبحث عملٍ أبدي منذ الولادة الى الممات ، ولا تبحث عن زوجةٍ ابدية ، ولا عن صديقٍ أبدي ، ولا عن وظيفةٍ ابدية ، كثيرٌ من الناس اصبح أسيراً للواقع في اليوم الذي شعر به بالاستقرار ، وفاته كثير من الفرص ربما أفضل من مكانه المستقر بها ، ولكن فوتها على نفسه إنه يحب الاستقرار ويعشقه ولا يدري أنه عبوديةٌ للواقع الذي يعيشه ، وما زلنا نحتفظ بأسماء لامعة لكن موتها وأجهض عليها الاستقرار ، لقد ولد بفكرةٍ تعلمها واستقر عليها ومات عليها ، ولَم يجرؤ على قرار التغيير فالفكرة المستقر بها تجلب الكثير له ، والقادم في الغالب مجهول ، لا يخدعك أحدهم بالاستقرار المطلق ، فالاستقرار المطلق وهم وليس حقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *