الكاتب ناهض الرمضاني:” أعمالي لم تؤثر في المجتمع الذي انتمي إليه”.

 

حاوره : مروان ياسين الدليمي

حتى العام 2003 لم يكن ناهض الرمضاني اسما معروفا في العراق باعتباره مؤلفا مسرحيا وكاتبا قصصيا،وإذا بالوسط الادبي يتفاجأ بنيله الجائزة الثالثة في مسابقة الشارقة للتأليف المسرحي عن مسرحية (نديم شهريار)،وفي العام الذي يليه فاز ايضا بالجائزة الثانية عن نصه المسرحي(بروفة لسقوط بغداد)،فكان ذلك تأكيدا على اصالة موهبته ومايمتلكه من امكانات تقنية في اطار التاليف المسرحي،وقد اتسمت نصوصه بتصديها الجريء لموضوعات تاريخية إلاّ انه موضَعَها ضمن مقاربة فنية بالشكل الذي اسقطهاعلى واقع معاصر.وما يلفت الانتباه في مسيرة الرمضاني انها لم تكن تخلو من هاجس التحدي والمغامرة سعيا منه لتجاوز محدودية الواقع واساليبه القهرية،ومن هنا انطلقت مغامرته في تسعينات القرن الماضي حيث اقدم على القيام برحلة شاقة بحثا عن حياة توفر له قدرا معقولا من الكرامة والحرية الانسانية فتنقل مابين عمّان وليبيا والامارات يدرس اللغة العربية،وتمكن خلال فترة ابتعاده عن مدينته الموصل ان يطور من ادواته واسلوبه في الكتابه بالشكل الذي جعله يفوز بجوائز عربية مهمة ويصنع له اسما ومكانة بين المواهب الادبية الشابة. ولمّا عاد الى العراق بعد العام 2003 واصل مسيرته العصامية في تأكيد حضوره الابداعي المميز فنال شهادة الماجستير من كلية الاداب بجامعة الموصل،وكانت اطروحتهعن فن المونودراما في المسرح،وخلال فترة دراسته كتب عددا من نصوص(المونودراما) ابرزها كانت مسرحية (جوف الحوت )وقد حظي هذا النص بفرص كثيرة للتقديم من قبل فرق مسرحية داخل وخارج العراق لعل اهمها العرض الذي تم تقديمه من قبل ابرز فرقة المانية في امارة لوكسمبورغ عام 2008 بعد ان تُرجِم النص الى اللغة الالمانية وفي حينها تلقى الرمضاني دعوة من ادارة الفرقة  لحضور العرض ولمّا وصل لوكسمبورغ شاهد بأم عينيه كيف احتفى الجمهور بنصه المسرحي.وفي العام 2017 اصدر عمله الروائي الاول( بائع الامل)الذي كان قد ابتدأ في كتابته مطلع العام 1990 ايام كان ضابطا مجندا في الجيش العراقي .

هذا الحوار اجريناه معه في مقر اقامته الحالية بالعاصمة التركية اسطنبول حيث لجأ اليها منذ ثلاثة اعوام من بعد ان سقطت مدينته الموصل تحت سلطة تنظيم الخلافة في العاشر من حزيران 2014 .

– عندما تكتب عملا ادبيا اين تجد المتعة التي تبحث عنها وتسعى من خلالها الوصول الى المتلقي ؟

*- المتعة تتحقق حينما اجد شكلا اظن انه يتوافق مع المضمون .في تلك اللحظة اوقن اني قد انجزت النص ،في الحقيقة الخيارات امامي لامتناهية،وكثرة الخيارات تولد القلق ، وهو هاجس مشروع اتحرر منه لحظة اتخاذ القرار.

– عندما تقرأ لكتّاب آخرين على ماذا تركز في النص الابداعي ؟

*- حينما اقرأ لكاتب اخر فانني اجد نفسي لا اراديا اتقمصه واحاول التفتيش عن خطته السريه للكتابة وسبب اختياره لشكل دون اخر او عبارة دون اخرى او محاولة تخيل التداعيات التي مرت بذهن الكاتب وولدت لديه احداث وافكار وتطورات في الحبكة او الشخصية الادبية،هذا لايحدث طبعا الا حينما اقرأ لكاتب متمكن من صنعته مثل لاعب شطرنج محترف وليس هاويا يترك الامور على هواها .

مابين الدراما المسرحية والسَّرد القصصي والروائي،انت تتنقل مابين عوالم مختلفة من حيث البناء والاسلوب والادوات،هل يشكل ذلك عاملا مساعدا لك في عملية الكتابة أم تجده يضع امامك بعض الصعوبات ؟

*- انا اكتب للمسرح وهذه هي الصفة التي اوصلتني للناس ،لكنني لا اصنَّفُ نفسي ككاتب مسرحي،انا كاتب،كاتب فحسب،لست شاعرا على الاطلاق،لاني اعرف حدودي جيدا،فيما عدا ذلك فانا اكتب المسرحية والرواية والقصة القصيرة وسيناريو الافلام بالاضافة الى المقالات السياسية والادبية،ولديّ كتاب نقدي،انا احمل افكارا معينة ولا اجد مانعا من عرضها باي قالب فني متاح يسمح بعرض الفكرة بالطريقة الامثل .

– انت تكتب دون ان يكون لديك اصرار على ان يكون عملك منطلقا من حكاية او حدث محلي،وهذايبدو واضحا في مسرحية(أمادو)أو الرواية القصيرة(انيس في بلاد العجائب)وحتى لو انك استندت الى ماله صلة بالواقع المحلي إلا انك تعتمد على التاريخ والميثولوجيا كما في مسرحية(بروفة لسقوط بغداد) او (جوف الحوت)،هل هذا يعني ان لديك اصرار بان تعتمد على السرديات الكبرى رغبة منك في مخاطبة جمهور عالمي ؟

*حينما اكتب لا انطلق من ارضية محلية حصرا،اشعر انني حر وان بامكاني الانطلاق من اية منصة انسانية عربية كانت ام غربية او مستمدة من اية ثقافة اخرى،لحظة الانطلاق ليست في تقديري هي الاهم،بل الرسالة التي يحملها النص،في روايتي (انيس في بلاد العجائب)هناك تناص واضح مع الرواية الشهيرة (اليس في بلاد العجائب)،لكنني قمت بتجيير الاطار الخارجي لرواية عالمية لاتمكن من حكاية رواية اخرى غاية في الخصوصية هي قصة العراق اثناء الاحتلال الامريكي، وهي قصة شاسعة المدى لايمكن لكاتب الاحاطة بها بشكل مباشر لذا لجأت الى الفنتازيا والاليغوريا ووظفتها لصالح قضيتي والتي هي ببساطة محاولة ذكر ماجرى لنا وكيف ولماذا.اما في مسرحيتي (جوف الحوت)فقد تماحكت مع نصوص عالمية كبرى وحاولت توظيفها بل واقتبست مقاطع كاملة من هذه النصوص لاقول شيء اخر،وهو ان معاناة الانسان المعاصر تشبه معاناة الانسان في كل زمان ومكان،نفس الاهواء والاطماع والحماقات والتضحيات،الصقت نصوصا مقتبسة من ملحمة كلكامش و العهد القديم والقران الكريم وكتاب التاو والسيرة النبوية وشكسبير وكبلنغ ونيتشه حاولت مزج هذه المكونات المتنافرة زمكانيا بسلاسة كبيرة لاروي من خلالها قصة اخرى جديدة هي قصة المثقف العراقي “الان وهنا” ومن الغريب ان عددا كبيرا ممن قرأوا هذا النص لم ينتبهوا لهذه الاقتباسات وظنوا ان النص كاملا من تأليفي انا،بعض المسرحيين اعترض على جمل لشكسبير اقتبستها من مونولوج هاملت الشهير بعد أن حذفت الجملة الشهيرة(أكون أو لا أكون)وقد اتهمني هذا الصديق بالركاكة رغم ان العبارات لشكسبير العظيم ؟

– من يقرأ لك ربما لايستطيع ان يحدد جنسيتك القومية،وهذا يعود الى ان اعمالك لاتتمحور في بيئة محلية عراقية.هل كنت تقصد ان يصل هذا الاحساس الى القارىء ؟ام ان ذلك يعود الى تأثرك بالاعمال المترجمة الاجنبية ؟

*سؤالك المتكرر عن المحلية والبيئة العراقية يذكرني باصدقاء من الكتاب يحشرون اسماء مناطق شعبية واماكن في نصوصهم ويشعرون بالسعادة بعد ذلك لانهم كما يظنون قد تغلغلوا في المحلية ليصلوا الى العالمية.في الحقيقة إن حياتي التي عشتها في الموصل ليس فيها الكثير من الخصوصية المحلية، ولا اجد في نفسي رغبة او قدرة على اقحام محلية مفتعلة في عالمي، انا ابن موظفين وانحدر من الطبقة الوسطى وولدت في بيت يشبه بيت اي موظف في العراق او مصر او سوريا او الجزائر،ربما لم اعش في قرية لها خصوصية،ولم اكن ابن محلة شعبية تتناقل حكاياتها الخاصة،انا ابن مدينة تشبه كثيرا من مدن الوطن العربي وليس لبيئة مدينتي المباشرة بصمة خاصة جدا على تكويني الثقافي لا اعتبر ذلك عيبا ولا اعتبره ايضا ميزة،ببساطة ذلك هو واقعي ولا اريد انتحال صفة اخرى .

في رواية(بائع الامل)التي تحمل في بنيتها الفنية الشيءالكثير من السيرذاتي، اكتشفنا فيها انك كنت تحلم مذ كان عمرك ثمانية اعوام ان تصبح كاتبا.. اليوم وبعد ان حققت هذا الحلم واصبحت كاتبا معروفا برصيد جيد من الاعمال الادبية التي حقق بعضها جوائز عربية ولك اعمال تم ترجمتها الى لغات اجنبية وتم تقديمها من قبل فرق اجنبية مسرحية..هل مازلت تحلم ام انك توقفت عن الحلم،ام ان احلامك تمحورت في المشاريع الادبية التي تنوي انجازها ؟ وهل كان حلم الطفولة يستحق ان تكافح من اجله ؟  

*لم اصبح بعد كاتبا معروفا كما اظن،واعمالي مقروءة على مستوى النخبة فحسب، بل جزء من النخبة، ولم تؤثر اعمالي في المجتمع الذي انتمي اليه كما اظن ،اما عن حلم الطفولة بان اصبح كاتبا فمردّه الى انحداري من عائلة تهتم بالثقافة وتعلي من مكانة الكتاب والمثقفين،هذا كان طبعا جزءا من سياق عاشه الوطن العربي في النصف الاول من القرن العشرين حينما لمعت اسماء مثل طه حسين والحكيم ونجيب محفوظ ….الخ .في العقود التي تلت ذلك تحول الاعلامي ليتسيد المشهد الثقافي، وبعد انتشار الفضائيات تشتتت الهيمنة الاعلامية ايضا ولم يعد هناك نجوم في سماء الثقافة العربية ، هناك خلل كبير وكل اسم مهما كبر هو الان في دائرة الشبهات والاتهامات،وقد تم تحطيم كل الرموز بل والمقولات التي كنا نؤمن بها حتى وصلنا الى حالة مزرية وتشتت حلم الطفولة . فما قيمة حلم طفل يعيش في مجتمع بلا حلم ؟

مابين الاطلالة الاولى على القراء بعد ان نشرت اول اعمالك الادبية وبين اليوم،مالذي حصل من تغير في فهم عملية الكتابة ذاتها ؟

*البدايات في الكتابة تكون عادة مليئة بمساحة شاسعة من الاحلام الوردية ،حينما نكتب نصطدم مع أمرين، الاول هو ان ما يدور في الرأس ليس من السهل ان ينتقل الى الورق ثم الى القاريء بنفس السلاسة التي نتخيلها، الامر الثاني هو وهمُنا بان هناك من ينتظر بلهفة –ابداعاتنا- ويعد الايام والساعات بانتظار صدور الطبعة الاولى من اخر كتاباتنا.في الحقيقة مكان ومكانة الكاتب ليست كما كنا نتخيل،وربما كان كثير من الكتاب سببا في تردي هذه المكانة .

– لماذا بدأت مؤخرا تركز على الكتابة الروائية ؟ هل جاء هذا التحول بناء على نضج التجربة الذاتية أم ان ذلك يعود الى مجاراة ماهو مطلوب في سوق الثقافة بعد ان اصبحت الرواية السلعة رقم واحد في سوق النشر والقراء ؟

*حتى منتصف القرن العشرين كان الشعر مَلِكا متوجا في الاوساط الثقافية العربية ، وكان هناك اسماء كبيرة متداولة لشعراء كبار يعرفهم الصغير والكبير كاحمد شوقي وحافظ ابراهيم وخليل مطران والرصافي وبدوي الجبل والجواهري ….الخ .في لحظة ما حدث شيء غيّر ترتيب الاولويات الثقافية والثوابت،هي لحظات صعود الانظمة العسكرية الشمولية للحكم في الوطن العربي ،اذ بدأ الشاعر يخسر مكانته تدريجيا،يخسر الشارع اذا اقترب من النظام ،ويخسر قدرته على الانتشار مالم يهادن النظام او يتحول الى بوق لصالحه . وزاد الامر سوءا حينما بدأت حركة التجديد الشعري العربي،ذلك التجديد الذي يدعو للقطيعة الكاملة مع التراث،اذ انزلت الشاعر التقليدي من عرشه ولم تقدر على ان تملا مكانه باستثناءات قليلة…فبعد السياب والملائكة وصلاح عبد الصبور وحجازي لم يكن هناك من هو قادر على احتلال قلوب الناس من المغرب الى بغداد كما كان يحدث قبلها،وبعد طروحات مجلة شعر وانحراف الشعراء عن السياق السابق ظهرت فجوة هائلة بين الشعر وقراءه ،فجوة لم يتم تجسيرها لحد الان ،وسيصعب الان ان نذكر اسم شاعر ظهر في الالفية الثانية له شهرة وقراء شوقي مثلا …وجل من سنذكر اسماؤهم ظهروا وانتشروا في القرن الماضي ولاسباب منها اسباب ظرفية لاعلاقة مباشرة لها بالادب،وسط هذا الفراغ الذي خلفه الشعر وجدتْ الرواية العربية فرصة لها للنهوض،ٍ لكنه نهوض بطيء ومتعثر..فما زالت هناك فجوة كبيرة بين الكتاب والقراء،ومازالت دور النشر تسير خطواتها الاولى نحو الاحتراف،ومازالت صناعة الكتابة لدينا في مهدها ،انتشار الرواية الكبير في العالم يعود الى تحويل الكتاب الى سلعة يروج لها كبقية السلع وهذا مالم يحدث لدينا لاسباب كثيرة جدا تتعلق بواقعنا السياسي والثقافي والتربوي اكثر من تعلقها بالابداع نفسه،اما انا شخصيا فاكتب الرواية حينما يكون لدي موضوع لايصلح الا للرواية كشكل فني ،والا فاني اكتب المسرحية والقصة والسيناريو او قصص الاطفال،لافرق لدي لاني استمتع بجميع هذه الاجناس اثناء الكتابة .

– هل يمكن ان تفكر وتكتب في آن واحد باكثر من مشروع ؟ هل تجد ان ذلك ممكنا ؟

*عادة ما أقرا اكثر من كتاب معا …ثلاثة كتب غالبا في وقت واحد، اما كتابة اكثر من عمل معا فهو امر مختلف تماما…وقد حدث ذلك معي حينما كتبت مسرحية (نديم شهريار)وانا اعاني عسرا في تأليف بعض فصول مسرحيتي (بروفة لسقوط بغداد)،اتذكر اني كتبت (نديم شهريار) في أيام قليلة وكانما كان هناك من يمليها علي ، بينما استغرقت مني مسرحية( بروفة لسقوط بغداد )وقتا طويلا لاكمالها،وهناك افكار اخرى تهاجمني وانا منهمك في الكتابة كانها محاولة للهروب من معاناة الكتابة الى معاناة الكتابة ذاتها،احاول الان ان اضبط الامر واكتب على قصاصة منفردة اية افكار جديدة تخامرني وانا منهمك في كتابة نص ما،وكثيرا ما يحدث ذلك لكنني احاول جاهدا الا اشتت تركيزي لان ذلك يجعلني اضيع كثيرا من الوقت والجهد في محاولتي للعودة الى استكمال نص تركته قبل ان انتهي من انجازه .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *