الأحد , يونيو 24 2018
الرئيسية / آخر الأخبار / انتهى زمنُ الثوابِت

انتهى زمنُ الثوابِت

 

زينب علي البحراني

 

عالمان تفصل بينهما ثورة الاتصالات الإلكترونية: عالمٌ قديمُ لا يتجاوز مداه حدود المجتمع المحيط بالإنسان والبلد الذي يعيشُ فيه، وعالمٌ جديدٌ ذابت فيه كل الحدود والقيود والمسافات بين المجتمعات والبلدان. وبينما كان العالمُ القديم يسهُل تعريف كل شيء فيه بسبب “ثوابته” الواضحة، حيث الأسوَد أسوَد، والأبيض أبيض، والخطأ خطأ، والصواب صوابٌ بإجماع معظم أولئك المنتمين لمجتمعٍ واحد محدود، صار العالم الجديد لا يعترف بالثوابت، فللأسود درجات لكل منها اسمه الخاص، وللأبيض درجاتٌ جديدة مختلفة مهما بدا ناصعًا، والخطأ قد يكون صوابًا، والصواب قد يتم اعتباره خطأ، ولم تعُد المبادئ مُتعارف عليها أو متماثلة عند الجميع في المجتمع الواحد، بل صار لكل فردٍ مبادئه الخاصة التي قد تتعارض تمامًا مع مبادئ فردٍ آخر في المجتمع ذاته رغم أن وراء كل منها نوايا طيبة، وثقة كاملة لدى من يعتنقها بأنها هي الصحيحة.

في العالم القديم كان من السهل تأطير مبادئ البشر وخياراتهم وبرمجة عقولهم في سبيل التقليل من حدة الصراع بين الأفراد في المُجتمع الواحد، وكان يتم تجنيد المناهج المدرسية والبرامج الإعلامية من صحافة وإذاعة وتلفاز في سبيل تحقيق هذا الهدف، فالجميع يتخرّجون بعقول ذات أفكار ومعلومات متماثلة من مدارس ذات مناهج متطابقة، والجميع يتعرّضون للأخبار المحليّة المحدودة التي تُطلقها مؤسسات رسمية عبر صُحُف ومحطات إذاعية وقنوات تلفازية خاضعة لرقابة لا تسمح بمرور فكرة أو معلومة إلا إذا اطمأنّت لمستوى تأثيرها على القرّاء والمستمعين والمُشاهدين، أما في عالمنا الجديدُ لم تعُد حِراسة البوابة التي تخرج منها المعلومات أو تدخل إليها أمرًا ممكنًا بشكلٍ كامل بعد أن صارت وسائل التواصُل الاجتماعي هي الصحيفة الأعلى قراءة بالنسبة للأجيال الجديدة، وبعد انتشار المواقع الإلكترونية الإخبارية والمعلوماتية والترفيهية حول العالم بكمٍ مهول يصعب معه أحيانًا تتبع مصدر خبرٍ أو معلومة أو السيطرة على انتشارها، وبعد تفاقم كم القنوات التلفازية الفضائية التي تمتاز كل منها بسياسة مختلفة، وبأهداف مختلفة، وبطابعٍ مختلف.

ورُغم أن هذا التنوّع في مصادر وأشكال ومضامين المعلومات المُقدمة للمُتلقي يُفترض به أن يكون “نعمة” تساهم في اتساع مدى وعيه وزاوية رؤيته للأمور؛ إلا أنه تحوّل إلى “نقمة” بتوسيع دائرة الصراع بين الأفراد من ذوي وجهات النظر المُختلفة، أو بأكثر دقة: الذين تعرّض كل منهم لـ “برمجة” مختلفة عبر وسيلة اتصال جماهيري مختلفة، وصار النقد الهجومي غير البنّاء من عامّة الناس تجاه ما يستحق وما لا يستحق سمة من سمات هذا العصر، فكل فردٍ يتصوّر أن وجهة نظره اليوم هي الصحيحة، غير مُدركٍ بأنها قد تتغير غدًا إذا مرّ بتجارب شخصية تُغيّر تلك المفاهيم، أو تم تعريضه بشكلٍ مكثف لضخٍ أعلامي موجّه يستهدف عقله بأسلوبٍ ذكيٍ ممنهج عبر نفس الوسيلة الإعلامية التي يعشق متابعتها ويثق في مصداقيتها.

انتهى زمن “الثوابت” المُرتبطة بالأفكار والمعتقدات مهما كان مدى رسوخها وقدسيتها في مجتمعات ما قبل الألفية الثالثة، ولم تبقَ إلا الثوابت المتعلقة بالحقائق الغريزية الفطرية غير القابلة للبرمجة أو التغيير عن طريق أي ضخ إعلامي كيفما كان حجمه أو نوعه، كحقيقة احتياج الإنسان للأكسجين، والنوم، والغذاء، والدواء، والحُب، والإنجاب، تلك الحقائق التي يؤدي حرمانه منها إلا غضبٍ عارم، وثوراتٍ شعواء تنسف كل مبدأ مادام يقف حجر عثرة في طريقه إليها.

شاهد أيضاً

مشروع تنوير

يعرب السالم جامع النبي يونس تضاربت آراء المورخين حول تاريخ بنائه القديم . يعتبر قبلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *